اسمه الكسندر راجوب صاروخان، شغل الدنيا شرقها وغربها برسومه الكاريكاتيرية على مدار ما يزيد على خمسين عاما، كل رسامي الكاريكاتير العرب والمصريين الرواد خرجوا من عباءته، في الأصل أرمني ولد في قرية (أردانوش) في القوقاز وتلقى تعليمه في مدينة (باطوم) ثم انتقل إلى اسطنبول وانتسب إلى معهد المختارين الليليين عام 1915، وفي عام 1922 انتقل إلى فيينا حيث درس فيها الرسم ثم انتقل إلى الإسكندرية عام 1924 ليستقر في مصر بشكل نهائي وقد حصل على الجنسية المصرية عام 1955
هو رائد فن الكاريكاتير السياسي ونجمه الأشهر والأبرز على أكثر مدار نصف قرن، بدأ في «روزاليوسف» وتألق في «آخر ساعة » و«أخبار اليوم »، ولم يتوقف عن تقديم فنه العبقري منذ أن بدأ في «آخر ساعة» عام 1934 حتى وافاه الأجل في شهر يناير عام 1977. نفذ في حياته أكثر من 40 ألف عمل، نشر رسومه في الكثير من صحف «الجديد ـ روز اليوسف ـ أخبار اليوم ـ الأخبار ـ المستقبل»، وفي مجلات فرنسية مثل «لابورس إجيبسين ؟ إيماج» وفي صحف أرمينية مثل «كاردوش واريف»، وأصدر بين عامي 1942 ـ 1945 مجلة كاريكاتيرية مصرية باللغة الفرنسية هي (لا كارافان) أي القافلة. اخترع الكثير من الشخصيات الكاريكاتيرية الهزلية أشهرها شخصية (المصري أفندي) التي عبر من خلالها عن معاناة المواطن المصري وكفاحه ضد الاحتلال الإنكليزي، وأقام وشارك في الكثير من المعارض في القاهرة وبوخارست ويريفان وبيروت وحلب وغيرها، وإلى جانب كونه رساما للكاريكاتير كان صاروخان كاتبا ساخرا نشر العديد من النصوص الأدبية الساخرة والمقالات والمسرحيات.
بداياته ومجيئه لمصر... وعن بداياته الأولى وقصة مجيئه إلى مصر يقول صاروخان» كنت تلميذا في مدرسة الفنون الجميلة في فيينا، وكانت هوايتي الوحيدة هي السخرية من كل وجه بريشتي الكاريكاتورية، كنت أتلاعب بكل أنف، وأهزأ من ملكات الجمال، وكانت نقطة التحول في حياتي يوم 15 مارس عام 1924 حينما سمعت عن مصر لأول مرة، فقد اقترح على زميلي المصري عبد القادر الشناوي أن أسافر معه إلى مصر لأشاركه ـ بريشتى ـ في إصدار مجلة كاريكاتورية، ووعدني عبد القادر أن يدفع لي 15 جنيها كل شهر بخلاف مصروفات النوم والطعام.
وصلت الباخرة إلى مصر، وكدت أطير من الفرح ابتهاجا بوصولي إلى هذا البلد، رغم أنى لا أعرف أحدا فيه إلا عبد القادر، وأخذت أوزع ما تبقى في جيبي من نقود على خدم الباخرة مطمئنا إلى أن صديقي عبد القادر في انتظاري، ولكنى لم أجد عبد القادر الشناوي في انتظاري على رصيف الميناء كما وعدني ! سرت في شوارع الإسكندرية وفى جيبي قروش قليلة أبحث بها عن حل لهذه المشكلة، وعن طريقة أعود بها إلى فيينا، وكان القدر رحيما بي، فقد تعرف على مدير شركة مانتشوف، وكان خالي مديرا عاما لهذه الشركة في روسيا، وأقرضني الرجل ثلاثة جنيهات وركبت القطار بالدرجة الثالثة واتجهت إلى القاهرة.
وفى القاهرة عثر عليّ صديقي عبد القادر ونقلني من الفندق إلى حجرة في منطقة فم الخليج، وأصدرت معه في سنة 1924 مجلة » الجريدة المصورة » ولكنها أغلقت أبوابها بعد صدور عددين منها، بمساعدة بعض أفراد بلدتي «الأرمن» حصلت على وظيفة مدرس بالمدرسة الأهلية الأرمينية ببولاق براتب خمسة جنيهات في الشهر.
ويأتي لقاء صاروخان بالتابعي ليمثل النقلة الرئيسية في حياته، والمصادفة البحتة قادت صاروخان للتابعي رئيس تحرير «روزاليوسف» وقتها في ورشة الحفار الأرميني «بريرمان» وكان التابعي يبحث عن رسام كاريكاتير.
حيث كانت ثورة 1919 قد بدأت موجاتها تنحسر تدريجيا، وبدأت مجلات الكاريكاتير تتربع على عرش الصحافة، فقد كان الصراع السياسي بين الوفد وأحزاب الأقليات يعتمد على مجلة «الكشكول» ومجلة «خيال الظل»، ثم تبعتهما مجلتا «الفكاهة» و«روزاليوسف»، كان الرسام الأسباني » سانتس» هو رسام الكاريكاتير في» الكشكول»، وكانت مجلة «روزاليوسف» التي كان التابعي يرأس تحريرها تهتم فقط بالأدب والثقافة والفن.
وأراد التابعي أن يضيف إليها الاهتمام بالسياسة، فاتفق مع «سانتس» الذي كان يتهرب كثيرا من رسم الأفكار التي تتعارض مع السياسة «الكشكول»، وفى يوم ما وفى ورشة زنكوغراف رأى التابعي شابا يهوى الرسم فعرض عليه العمل معه، فرضي صاروخان بعد تردد، واتجه به التابعي نحو الرسم السياسي، وانتقل معه عندما أسس التابعي «آخر ساعة » عام 1934.
غلاف شهرته
هاجم الغلاف الأول لمجلة «آخر ساعة» حزب الشعب وهو حزب الحكومة وقتئذ 1934 ـ حكومة إسماعيل صدقي ـ وبعدها حكومة عبد الفتاح يحيى، وهو الحزب الذي كان من أعضائه ـ النواب والشيوخ ـ تخرج الغالبية الذين يضمهم البرلمان، الغلاف بريشة الرسام صاروخان، قاض يجلس على منصة، القضاء يستمع إلى واحد من أبناء الشعب يدافع عن نفسه في حرارة ليدفع عن نفسه التهمة التي وجهها إليه ممثل النيابة ويقول: البيه وكيل النيابة بيقول أني حرامي.. آه حصل.. نصاب.. آه حصل.. لكن يقول أنى كنت عضوا في حزب الشعب.. أهو ده الظلم بعينه.. وحرام لأنه ما حصلشي !!.
أي أن الانتماء لحزب الشعب تهمة أشنع وأفظع من السرقة والنصب، هذه كانت بداية صاروخان التي وضعته في مصاف كبار رسامي الكاريكاتير وقتها، يقول مصطفى أمين تعليقا على الغلاف الأول لآخر ساعة بريشة صاروخان: في يوم صدور العدد الأول ما كنا نتبادل التهاني ونشرب الشربات حتى حضر عسكري بوليس يدعو الأستاذ التابعي ورئيس التحرير والرسام صاروخان إلى النيابة، لأن في صدر العدد الأول صورة كاريكاتيرية فيها هزء وزراية واستخفاف بحزب الشعب الذي يرأسه دولة رئيس الوزراء.
واتصل بنا موظف كبير وأخبرنا أن دولة عبد الفتاح يحيى باشا طلب من النائب العمومي إلقاء القبض على التابعي وصاروخان، وكانت ورطة ! ما العمل ومن يخلف التابعي، وأنا مازلت طالبا في كلية الحقوق، وزميلي الآخر «د.سعيد عبده» أستاذ في كلية الطب؟
معرضه الاستعادي
وأخيرا أقامت جمعية القاهرة الخيرية الأرمينية العامة بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، معرضاً لصاروخان (1898 ـ 1977)، يضم مختارات من أعماله التي تمثل مراحل مختلفة من مشواره الفني الذي يعكس من خلاله المجتمع المصري في مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية.
وقال الدكتور مصطفى الرزاز، مستشار المكتبة للفنون التشكيلية:» إن مركز الفنون يحتفي بأحد الرواد من أصحاب التميز الفريد في فن الكاريكاتير المصري، فهو شخصية جمعت بين المعايشة واختراق المناخ السياسي والاجتماعي والإعلامي في مصر طوال خمسين عاماً من حياته وعبر عن قضايا الوطن الذي اختاره والذي احتضنه مصر.
وأشار إلى أنه عبر عن قضايا العالم المضطرب إبان الحرب العالمية الثانية من منظور إنساني عالمي في مقابل التعبير عن أحوال السياسية والديمقراطية المصرية فيما قبل ثورة يوليو 1952 خاصة في الفترة من 1946 إلى 1952 حيث لوحاته ذات النكهة الحريفة في نقدها السياسي وجسارتها ليصبح هو ذاته من أهم نتائج المناخ الديمقراطي الذي كان يهاجمه بكل عنف وحرية.
وأضاف الرزاز لقد أصبح كتابه الذي أصدره في أعقاب الحرب بعنوان «هذه الحرب» بمثابة وثيقة عالمية فريدة من نوعها. تلك الحرب التي استشرف نتائجها وتحمس لها في رسومه القوية التي حملت رأيه ورؤيته في نقد الفاشية والنازية ومؤازره قادة الحلفاء خاصة في مجلة القافلة التي كان يصدرها بالفرنسية في مصر.وبالإضافة إلى ثنائيه التعبير عن القضايا الدولية وعن أحوال الوطن ـ كانت أعماله تمثل ثنائيه أخري منها ما يتعلق بالقضايا والأحداث اليومية العابرة، وما يتناول من أحداث شقت مساراً ممتدًّا في سياسة وشخصية البلد.
التمكن والانفعال
ريشة صاروخان هي ريشة فنان متمكن قوي اللمسة رائع التعبير، تلمس فيها دائما حرارة الانفعال وقوة التناول والحركة، فالشخصيات تتحرك بخطوطها المتوترة، وكان ريشته لاذعة ساخرة مملوءة بالديناميكية علي النقيض من رسوم منافسه الإسباني سانتس بأناقتها الأرستقراطية، التي كانت بعيدة عن دماء الشعب المصري الساخنة، ولذلك فقد أحس المواطن قارئ الصحيفة أو المجلة بأنه أمام فنان حساس لنبض رجل الشارع والموظف ولسان حال السياسي الوطني.
يقول صاروخان عن رسمه للشخصيات: بعد أن تمت لي دراسة الوجوه الهامة على الطبيعة أو عن طريق الصور الفوتوغرافية التي كان يقدمها لي الأستاذ محمد التابعي، استطعت أن أرسم الوجه الذي أختاره وأنا مغمض العينين رسمت الفيلسوف والمفكر الرائد أحمد لطفي السيد، رسمته نحيلا، طويلا، ذا شارب ضخم، على وجهه تبدو سيماء الفلاسفة والمفكرين.
ورسم أيضا من المثقفين العقاد وثروت عكاشة والفنان عبد الفتاح القصري والشيخ محمد رفعت، من كبار الساسة وزراء ورؤساء وزارة: إسماعيل صديقي، ومحمد محمود ومصطفى النحاس، وعبد الفتاح يحيي، والملك حسين ملك الأردن وشاه إيران، ومحمد هدايت رئيس وزراء إيران عام 1950 وغيرهم، كما رسم أحداثاً مصرية وعربية مهمة.
براعة التعبير
برع صاروخان في رسم الصور الشخصية ورسم العديد من رموز الأدب والفكر والسياسة والحكم في مصر في تلك الفترة الحساسة من تاريخها، كان يصطاد أهم سمات الشخصية ويحورها في انسيابية وقوة وسهولة لا تتوفر إلا لفنان مبدع من شخصياته.
السخرية الذكية
جسد صاروخان في ذهن القارئ المصري واقع الحال بالنسبة لرجال الحكم وقتئذ قبل ثورة 1952، فصورهم كقطع الشطرنج في يد الملك والإنجليز المستعمرين، كما جسد في شخصية المصري أفندي الموظف البسيط ابن الطبقة المتوسطة الذي لا يتمتع بعجرفة الطبقة الأرستقراطية، والذي يحمل من خفة الدم والسخرية الذكية، وشخصية المصري أفندي شخصية مثقفة.
وقد رمز إليها بالنظارة فوق العينين من كثرة القراءة مرتديا الزي الإفرنجي بدل الجلباب كرمز للعصرية والتقدم، ومن شخصياته الكاريكاتيرية «العربي أفندي»، «مخضوض أفندي»، «إشاعة هانم».ش
شخصية اعتبارية
صور صاروخان ملامح الشخصية بحيث تلقي التعاطف من كافة مستويات الشعب المصري، فكانت هذه الشخصية الاعتبارية التي خرجت إلى النور عام 1929 صاروخ التعبير الوطني في هذه المرحلة الحساسة للغاية، فقد كان القراء يفتحون المجلة ليروا ماذا يقول المصري أفندي.
محمد الحمامصي



