شهدت حركة الفن التشكيلي في الإمارات نهضة وحراكا على يد روادها الكبار الذين درسوا في مختلف البلدان العربية والغربية، ليعودوا ويساهموا في تفعيل النشاط الفني على مختلف الأصعدة برفقة الفنانين المقيمين في الدولة، ومن ضمن هؤلاء الرواد الذين التقت بهم «مسارات» الفنانة الإماراتية نجاة مكي.
نجاة مكي فنانة متجددة بعطائها، متواضعة بشخصها، مثابرة في عملها، كريمة بمشاعرها، جريئة بطموحاتها، وعالم الفن محور حياتها. درست الفن في القاهرة، وعادت لتساهم في بناء حركة الفن التشكيلي في وطنها. وتستعرض الفنانة نجاة في هذا اللقاء الضوء على مسيرتها الفنية والعوامل التي ساهمت في بلورة تجربتها الفنية. تميزت مكي بأسلوبها التجريدي التعبيري، وبنتاجها الغزير وبدورها الحيوي في الساحة الفنية من خلال المشاركة في المعارض الداخلية والخارجية، أو لجان التحكيم أو تنظيم الورشات الفنية داخل وخارج الإمارات.
ألوان الطفولة... قالت نجاة عن المرحلة الأولى التي تشكل فيها وعيها الفني، «في الطفولة سحرتني الألوان بكل عوالمها، من خيوط التطريز إلى أواني الصيني والسيراميك التي كانت ترتب فوق بعضها البعض على حواف النوافذ داخل الحجر. كانت العين تنتقل بدهشة بين تنوع الألوان وتباين الأحجام. ونظرا لكون والدي تاجر أعشاب (بسيط) فقد تشبعت بعالم ألوان وعبق الأعشاب التي كان يخزنها في صناديق بالبيت؛ فمن صفرة زهرة البابونج بتدرجاتها، إلى حمرة الحنة فالورس وزرقة النيل وغيرها الكثير». انتقلت بعدها إلى المحيط الخارجي وتابعت، «كان البحر الذي كنا نسكن بجواره عالما بمفرده في الشتاء، وكم كنت أقف مع بقية الأطفال نتأمل لزمن طويل، طيور النورس البيضاء وهي تحلق جيئة وذهابا بين زرقة السماء وخضرة البحر، والتي كانت تأسرنا بتشكيلات أسرابها.
كذلك السوق القديم بجوار (البنك البريطاني ـ الشرق الأوسط) حيث ألوان البضائع والأقمشة والعبرات وسوق الذهب. أما الخباز فكان عالما بمفرده، فمن التنور وألسنة اللهب، إلى قرص العجين الدائري الذي يتطاير بين راحتي الخباز، ليدخل النار ويخرج بفقاقيع وألوان لا تنس. وهناك عمارة البستكية (أرقى أحياء دبي آنذاك) بطرازها المعماري وزخارفها. «والأهم من كل ذلك، هو تلك الألوان المبهرة التي لا تغيب عن ذاكرتي، حينما كان التجار الهنود في السوق يحتفلون بعيد «الديوالي» الخاص بهم حيث كانوا يرشقون بعضهم البعض بالأحمر والأصفر والأخضر، بل كل الألوان. كانت رموش أحدهم خضراء ووجهه أزرق وأصفر وأحمر، وعيناي تلاحقان قطرات الألوان وهي تتساقط هناك وهناك. كانوا لوحات تفوق بجمالها ما قدمه الفن الحديث في أيامنا هذه».
في المدرسة
انتقلت نجاة بعد ذلك إلى مراحل الدراسة وقالت، «درست الابتدائية في مدرسة خولة بنت الأزور في الشندغة، وفيها اكتشفت مدرسة التربية الفنية مقدرتي على الرسم، فشجعتني ورعت موهبتي. منحني اهتمامها إحساسا كبيرا بالتميز والفرح، خاصة وأنها كانت تعلق رسوماتي على السبورة وتشيد بها، كما وجهتني وزودتني بمعلومات أساسية في الفن».
في الإعدادية كان الاهتمام بالدراسة أكبر إلا أنني لم أتوقف عن الرسم، كنت أرسم على كل شيء حتى جدران البيت مما كان يزعج والدتي في بعض الأحيان، خاصة وأن أسرتي المكونة من والدي ووالدتي وأربع شقيقات، كانت تعيش في حجرتين في بيت جدي كما كانت طبيعة حياة مجتمعنا آنذاك.
في الثانوية كان تركيزي على الدراسة، إلا أن إصراري على متابعة دراستي في الفن بات أكبر من أي وقت مضى. ومن حسن حظي أن صادف فتح البعثات في الإمارات في العام نفسه، وهكذا حصلت على بعثة للدراسة في كلية الفنون الجميلة في القاهرة، وسافرت في نهاية عام 1977.
بين عالمين
قالت فيما يتعلق بمرحلة الانتقال إلى بلد آخر وتأثير هذا المنعطف الجوهري على مسار حياتها، «كنت أظن قبل السفر أني سأدرس الرسم، ولم أدرك أن الفن عالم واسع إلا بعد دخولي الكلية، حيث النحت والتصوير والحفر وغيرها من فروع الفن. عشت في العام الأول ما يشبه الصدمة الحضارية، فقد انتقلت من ثقافة إلى أخرى، ومن مجتمع محافظ عاشت فيه الفتاة بعزلة عن عالم الرجل، إلى مجتمع منفتح وزملاء وأساتذة في الكلية.
كنت وزميلاتي الإماراتيات نشعر بخجل كبير وارتباك، وأمضيت العام الأول من سكن الطالبات إلى المرسم وبالعكس، ولم أكن أخرج من المرسم إلا لإحضار الشاي أو الماء، غير أني كنت أرسم كل الوقت دون توقف.
شاركت خلال دراستي في العديد من الأنشطة الفنية والمعارض وحفلات العيد الوطني. وأدركت خلال سنوات الدراسة أن طريق الفن ليس بسهل، ويحتاج إلى الكثير من الصبر والمثابرة. كنت أتطلع إلى أساتذتي من رواد الفن في مصر كمثل أعلى، منهم الفنان التشكيلي صلاح طاهر ووشاحي وغيرهما الكثير. في العام الثاني تخصصت في النحت ومن بعدها النحت البارز».
وتابعت، «كنت في إجازات الصيف أعود إلى بلدي لأتابع الرسم، وكانت تدور في رأسي خلال تلك المرحلة الكثير من الأسئلة حول مضمون العمل الذي أريده وإن تمكنت من توصيل ما أريده. وما زال هناك الكثير من الأسئلة بلا إجابة حتى الآن. ما كان يثير اهتمامي خلال إجازتي حركة الضوء مع الشمس والظل، والكتل التي كانت تنتشر في الفناء كل يوم، خلال تهوية الفرش وتجفيف الصحون. وكثيرا ما كنت أمشي وأتابع حركة ظلي سواء مع الشمس أو الفنر (القنديل). للنور والظل أهمية في رسوماتي».
العودة إلى الوطن
تصف بعد ذلك مرحلة العودة إلى الوطني قائلة، «تخرجت وعدت بحماس كبير أسوة بزملائي الآخرين لبناء مستقبل الفن في الإمارات. كان في البلد حراك فني جميل، ومع إشهار جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، تشكل تجمع للفنانين الإماراتيين والمقيمين وربطت بين الجميع علاقة صداقة وأخوة.
عملت خلال تلك الفترة في التربية في قسم الوسائل التعليمية، ودخلت من خلال عملي في العديد من المجالات الفنية، كتصميم الكتب ووسائل الإيضاح والبطاقات وتنظيم دورات تعليمية للأطفال والناشئين، وبرامج تعليمية في إطار مسرح العرائس والتي كان يكلفنا بها مديرنا حمد السويدي الذي درس الفن التشكيلي قبلنا في القاهرة.
كانت البرامج التعليمية آنذاك نموذجية مثل منهج الرياضيات الحديثة بالإضاءة الفوسفورية، وعروض مسرح العرائس التعليمية والتربوية حيث كانت تقدم العروض في المدارس وعلى مسرح القنصلية الكويتية. كما أعددنا العديد من البرامج التعليمية لتلفزيون دبي، وكانت على أرقى مستوى».
وأضافت، «بدأت الحركة التشكيلية مع مضي السنوات تأخذ مكانتها بصورة أكبر، خاصة مع التعاون بين المجمع الثقافي في أبوظبي والجمعية، وتبادل الخبرات وتحكيم كل جهة لمعارض الجهة الأخرى. اكتسبت خلال تلك السنوات خبرة على مختلف الأصعدة، من ضمنها التعامل مع الناس وإدارة ورشات عمل للمدرسات أو الطلبة».
عودة إلى القاهرة
في إطار بحثها الدائم عن التجدد وعدم الوقوع في فخ التكرار قالت، «قررت بعد مضي 11 عاما متابعة دراستي واكتساب المزيد من الخبرة والمعرفة، بهدف تطوير نفسي. بقيت في مصر ثلاث سنوات، إذ كان عليّ الحصول على دبلوم عام قبل الماجستير. وبعد مضي سبعة أشهر من عودتي إلى الوظيفة بدأت بالإعداد للدكتوراه التي قدمتها في مصر أيضا. وكانت حول العملات المعدنية في الوطن العربي، حيث تطلب مني ذلك دراسة تاريخها من حيث التكوين والشكل والرموز والفكرة».
قديما وحديثا
وصفت بعد ذلك مشروع دراستها قائلة، «كانت العملة في البدايات تفتقر إلى الشكل الدائري، كانت عبارة عن كتل من المعدن بيضوية الشكل. كان التاجر في البدايات يضع ختمه الرسمي على القطع المعدنية، ثم حملت العملة بعد ذلك رمز آلهة البلد من جهة، وصورة الحاكم وتاجه من جهة أخرى، وقد اختلفت التيجان والنقوش والرموز مع مضي الزمن. العملة بحد ذاتها بحر واسع من المعرفة، يحتاج إلى قراءة وبحث في التاريخ والجغرافية والديانات. كانت العملة في الماضي بمثابة وسيلة إعلامية».
حصاد السنين
بالانتقال إلى ارتباط حياتها بالفن قالت بتأثر، «علاقتي باللون أزلية ويربطني بها شغف كالمغناطيس. اللون كفيل بإعادتي عبر الزمن إلى حالة أو ذكرى ما، انطبعت في ذاكرتي وروحي من خلاله. رؤيتي للون الأزرق تجعلني أشتاق للبحر ووقفتي أمامه في الطفولة.
باتت يدي مع الخبرة تختار تلقائيا الألوان، وتميل دوما إلى الأزرق، غير أني أحاول في بعض الأحيان الابتعاد عنه والاقتراب من البني النادر في أعمالي، لكني سرعان ما أعود إليه. مازلت حريصة على تركيب الألوان بنفسي، فهي «معمل ألوان أعشاب والدي»، وتتجلى ألوان لوحاتي في زهور البابونج والحنة والنيل وغيره، كل ذلك عبر خلطة خفية لا يبرز منها سوى ملامح ونقوش اللون». واختتمت وصف حصاد تجربتها قائلة، «ما اكتشفته في نفسي أني استطعت الآن فقط، ترجمة ما كان يعتمل في ذاكرة طفولتي من صور وانفعالات.
أعتقد أن ذلك يرجع إلى نضج تجربتي والتمكن من أدواتي الفنية».
حديث الجدار
قالت فيما يتعلق بمشاريعها الجديدة، «تحمل مجموعتي الجديدة عنوان «حديث الجدار»، وتدخل في العمق الروحي والبعد المكاني بحنين ودفء. ولكل لوحة ملمس خاص بها، كالصخر والماء والسطح الأصم. كما أسعى على هامش هذا المشروع وفي مجموعة أخرى من اللوحات الصغيرة إلى الربط بينها، من خلال الإيقاع وارتداد صدى الألوان وانفلات العناصر.
هموم الفنان
فيما يتعلق بالصعوبات التي تواجهها كفنانة قالت: «أواجه العديد من الصعوبات لدى مشاركتي في معارض خاصة خارج الدولة، لا سيما في البلدان العربية، وذلك بسبب نقل اللوحات وشحنها.
كثيرا ما ضاعت أعمالي أو توقفت في الجمارك، كما حدث معي مؤخرا لدى إرسال لوحاتي إلى مصر للمشاركة في معرض سيقام قريبا في الاسكندرية».
الفنانة في سطور
ــ تخرجت من كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1983
ــ تخصصت في النحت البارز والميدالية
ــ حازت على دكتوراه في المسكوكات المعدنية جامعة القاهرة عام 1997
ــ عضوة في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية
ــ عضوة في جماعة أصدقاء الفن لدول مجلس التعاون
الألوان
«علاقتي باللون أزلية ويربطني بها شغف كالمغناطيس. اللون كفيل بإعادتي عبر الزمن إلى حالة أو ذكرى ما، انطبعت في ذاكرتي وروحي من خلاله. رؤيتي للون الأزرق تجعلني أشتاق للبحر ووقفتي أمامه في الطفولة. باتت يدي مع الخبرة تختار تلقائيا الألوان، وتميل دوما إلى الأزرق، غير أني أحاول في بعض الأحيان الابتعاد عنه والاقتراب من البني النادر في أعمالي، لكني سرعان ما أعود إليه.
المشاركات
ــ في جميع معارض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية
ــ في معارض جماعية بإيطاليا وفرنسا والسودان والكويت والبحرين والمغرب وقطر
ــ بينالي الشارقة سنة 1993
بينالي القاهرة عام 1992
ــ شاركت في معارض جمعية الأصدقاء في كل من الكويت واسبانيا والمانيا وأميركا والأردن وتركيا وسوريا
ــ شاركت في معرض «أربع فنانات» في المجمع الثقافي
ــ شاركت في معرض «6 فنانات خليجيات» المقام في المجمع الثقافي
ــ معرض فردي في دبي
ــ معرض فردي في القاهرة
ــ حاصلة على جائزة لجنة التحكيم في بينالي الشارقة
ــ منحت العديد من شهادات التقدير
رشا المالح



