تركت الأنباء المفاجئة المتعلقة بوفاة صديقي الدكتور عز الدين إبراهيم فراغا كبيرا في فؤادي. والآن لو رن جرس الهاتف فإنه يتعين عليّ أن أحدث نفسي قائلا إن هذه المكالمة لا يمكن أن يكون مصدرها صديقي الراحل، الذي اعتاد أن يتصل بي من إحدى الإمارات في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو من لندن، أو من مومباسا، أو من أحد الأماكن الكثيرة التي كان يتردد عليها باستمرار في الشرق الأوسط وأوروبا، بوصفه المستشار الثقافي لصاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
تعود الصداقة بيني وبين الدكتور عز الدين إبراهيم إلى ستينات القرن الماضي، حين طلب مني أحد مخرجي الأفلام الوثائقية الكبار في لندن اصطحابه إلى الدوحة، لكي أكون مترجما بينه وبين حاكم قطر. وخلال تلك الزيارة قابلت عز الدين للمرة الأولى، بمحض الصدفة، حيث كان يعمل في وزارة التربية والتعليم القطرية. وبعد أن أنهى المخرج عمله، ووقع العقد الذي كان يسعى إلى إبرامه، عاد إلى لندن. وكنت عائدا بدوري على طائرة أخرى، عندما وجدت عز الدين جالسا بجانبي يفصله عني الممشى الذي يتخلل المقاعد، حين كنت منكبا على بعض الترجمات التي أحضرتها معي.
سألني وابتسامة تعلو شفتيه: «هل تمضي وقتك كله في الترجمة ؟».
أجبته قائلاً: «إنها طريقتي في كسب عيشي».
ومضى لوهلة قصيرة يتحدث معي، ثم أعربنا عن أملنا في أن تجمعنا الظروف مجددا.
وبعد مرور ما يربو على العام، وخلال سفري إلى المنطقة بوصفي ممثلا لإحدى الشركات العاملة في مجال الخدمات الهندسية، وجدت نفسي في أبوظبي، حيث سمعت أن عز الدين كان يعمل هناك في ذلك الوقت. وكان مكتبه يقع في الحصن القديم. وانطلقت لمقابلته في المكتب الخارجي، وغمرني السرور حينما علمت أن مساعده لم يكن سوى طالب سابق من طلابي، حينما كنت أقوم بالتدريس في جامعة القاهرة، في أواخر أربعينات القرن الماضي. وخلال ارتشافي القهوة، أخبرني عز الدين كيف شغل منصبه الحالي في أبوظبي. ويبدو أنه حينما ذهب لوداع حاكم قطر، سأله الحاكم عن السبب الذي دفعه للاستقالة من منصبه في الدوحة، وماذا يعتزم أن يفعل الآن، فأشار إلى أنه يرغب، إذا أمكن، في متابعة دراساته لنيل درجة الدكتوراه، وأخبره الحاكم أنه سيتكفل بمصاريف دراسته. وهكذا سجل عز الدين أسمه للدراسة في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن، حيث كان أستاذه بروفيسور بوب سيرجينت صديقا لي وزميلا في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية.
توجه عز الدين إلى لندن بمفرده، حيث مكث مع عائلة إنجليزية أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه. وكان يكن عاطفة قوية للذين لعبوا دورا في حياته، ودأب على التواصل معهم. وذات يوم، عندما تصادف وجودي في لندن، اتصل بي، وطلب مني تناول طعام العشاء معه في الفندق، لأنه كان يريد أن أقابل الزوجين اللذين كان يقيم معهما خلال دراسته. وأثناء تناول الطعام فوجئت به يسأل ضيفيه عن المشروب الذي يفضلان احتساءه، وكانت تلك بادرة مثالية منه، لأنه كان يدرك أن الزوجين العجوزين يفضلان تناول طعامهما مع المشروب، برغم أنه شخصيا لم يكن يقترب من الكحول مطلقاً. وهذا مجرد توضيح للطريقة التي يفكر بها في احتياجات الآخرين، حتى لو كانت غير ملائمة له.
عندما قابلت عز الدين في مكتبه في أبوظبي، سألني عما إذا كنت قد قرأت أي حديث شريف، خلال دراستي للغة العربية وآدابها. فأخبرته بأن الأحاديث الشريفة غير موجودة في مجموعة الكتب التي قرأتها في الجامعة. عندئذ أعطاني نسخة من كتاب «رياض الصالحين» للإمام البخاري .وعندما شاهدته مجددا بعد بضعة أيام، أخبرته أنني استمتعت بقراءة الكتاب، واقترحت عليه أن نقوم بترجمته معا، وكان رأيي أنه طالما أن الذي ألف الكتاب شخص واحد، فلماذا لا يترجمه شخص آخر؟ لكني شعرت أن النصوص الدينية ربما تكون مختلفة، وأنه ستكون هناك بعض المزايا لو اشترك اثنان في ترجمته، كل منهما يكون مزودا بالمعرفة بلغته الأم، ويتقن اللغة الأخرى التي سيتعامل بها. كما شعرت أنه من خلال عز الدين، سوف أجد شخصا يسعدني التعاون معه في مهام الترجمة الصعبة. وأشرت، مع ذلك، إلى أن كتاب البخاري كبير نسبياً بحيث أنه لن يتناسب مع وقت الفراغ المحدود المتاح لنا. ثم اقترح أن نبدأ عملنا عوضا عن ذلك بترجمة كتب دينية أصغر كثيرا، ككتاب «الأربعون النووية»، وهو عبارة عن أربعين حديثا شريفا جمعها الإمام النووي. وهذا ما فعلناه بالتأكيد حينما كانت الظروف تسمح لنا بالالتقاء في أحد أركان العالم العربي، وجدت نفسي في أحد اللقاءات مع صديقي في أبوظبي وجلسنا في مقهى مطل على البحر. وفجأة أمسك عز الدين بذراعي، وأسرع بي لحظة دخول المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومعه بعض مرافقيه. وقدمني عز الدين له وأوضح طبيعة العمل الذي كنا نقوم به معاً، والصعوبات التي نواجهها. عندئذ قال الشيخ زايد على الفور إنه سيأمر بالإعداد لزيارتي لأبوظبي بصورة منتظمة، وأنه يجب أن أقيم في أحد الفنادق على نفقته الخاصة. وهكذا نجحت أنا وعز الدين في ترجمة ثلاث مجموعات من كتب الأحاديث الشريفة إلى الإنجليزية، وهي: كتاب «الأربعون النووية»، و«الأربعون القدسية»، وكتاب ابن تيمية «الكلم الطيب».
وفي وقت لاحق قرر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة إنتاج تسجيل للقرآن الكريم باللغة العربية مع تلاوة مترجمة مرافقة له بالإنجليزية، وعهد بمسؤولية المشروع إلى الدكتور عز الدين إبراهيم. وكان يتعين اتخاذ بعض القرارات الأساسية في هذا الشأن، مثل: أي من الترجمات المتيسرة يتعين استخدامها، وأي مرتّل يجب اعتماده بالعربية، وأي قارئ بالإنجليزية، وأين ستتم هذه التسجيلات، ومن سيتكفل بها؟ وفي النهاية تقرر اعتماد ترجمة مرمدوك بيكثال. ثم انطلق الفريق بأكمله إلى أثينا، حيث تم التسجيل في أحد الاستوديوهات المحلية هناك.
والآن، بعد وفاته من جراء المرض الذي ألم به، وفشل الأطباء الأميركيون في علاجه، التزم زوجته وأبناؤه الحداد عليه. وقد خسرت صديقا فريدا تحلى بروح سمحاء، أظهرها لكل الذين تواصلوا معه. وقد امتدت صداقتنا لسنوات عدة ، وسأتذكره دائما بملء السعادة التي كنا نشعر بها معا، والساعات الطويلة التي كنا نمضيها في الترجمة، في إحدى الشقق المكدسة بالكتب الدينية التي تتناول الإسلام من نواح عدة، والتي كرس عز الدين نفسه لدراستها. وكنا نستمتع باحتساء الشاي مع تناول بعض الفطائر اللذيذة، ونتحدث عن العالم، والحماقات الجديدة التي كنا نواجهها معا.
إن المرء ليساوره الشعور بأنه نال شرفا رفيعا بأن يكون له مثل هذا الصديق.
دنيس جونسون ديفز
