تحمل المستشرقة البولونية بربارا ميخالاك بيكولسكا مشروعا طموحا وهو تقديم الأدب الخليجي الحديث إلى قراء الانجليزية لأنها الأوسع انتشاراً، ومن أجل ذلك تعتزم أن تؤلف كتاباً باللغة الانجليزية عن الشعر والنثر الحديثين في الإمارات، ولهذا الغرض، قامت بزيارات إلى عدد من مدن وإمارات الدولة خصوصا: الشارقة، ودبي، ورأس الخيمة، وأبوظبي والتقت برموز الأدب الإماراتي الحديث من شعراء و كتاب قصة ورواية. وقد سبق للمستشرقة البولندية أن أصدرت كتباً أخرى عن الأدب الحديث في الكويت وعُمان والبحرين وتريد أن تستكمل تأليف كتب أخرى عن الأدب في قطر والمملكة العربية السعودية.
عن هذا المشروع الطموح والرائد كان لنا هذا الحوار التالي نصه: * لماذا الاهتمام بالأدب الإماراتي في الوقت الحاضر؟ ـ لدي سلسلة من الكتب واضبت على تأليفها منذ عشرين عاماً عن الأدب الخليجي العماني والكويتي والقطري. وأحرص في هذه الكتب أن أنقل للقارئ الأوروبي البيئة الثقافية للبلد الذي أكتب عنه، حيث أقوم باستعراض الصحف والمجلات الثقافية فيه ومن ثم أخصص جزءاً للشعر بشقيه العمودي والتفعيلة ونماذج من قصيدة النثر، وبعد ذلك أخصص جزءاً للقصة والرواية، واختتم كتبي عادة ببيلوغرافيا كاملة للكتاب والشعراء في هذه البلدان. ومن هنا وجدت من الضروري أن أضم الأدب الإماراتي إلى مجموعتي.
* وهل سبق لك أن اطلعت على نماذج من الأدب الإماراتي؟ ـ بدأت بقراءة بعض النماذج الشعرية والقصصية، ووجدت أن الأدب الإماراتي متميز حقاً، له رؤية وانفتاح على الآخر ربما يختلف عن الأدب الخليجي عامة. لاحظت أن هذا البلد الذي أزوره للمرة الأولى يتمتع بوجود مؤسسات ثقافية كبيرة، حيث أصبحت الثقافة من أولوياته شأنها شأن الاقتصاد والمال والأعمال، وخاصة مشاريع محمد بن راشد الثقافية التي اجتازت شهرتها وتأثيراتها الحدود. وكل ذلك يحث الدارس إلى مزيد الاطلاع على هذه التجربة المتفردة ذات الامتداد العربي.
* هل تحرصين أن تكون كتبك أكاديمية بحتة؟ ـ بالتأكيد لأنني أتوجه إلى نخبة خاصة من القراء هم الطلبة والباحثين والدارسين وعشاق الاستشراق والآداب الأجنبية. * من هم أهم الكتاب والشعراء الذين تم اللقاء بهم في الإمارات؟ ـ أبرزهم: ظبية خميس، نجوم الغانم، أسماء الزرعوني، محمد المر، وعبد الحميد أحمد، وإبراهيم مبارك وإبراهيم الهاشمي ،أحمد محمد عبيد، عبد الله الشحي، وخالد البدور وغيرهم من الأدباء الذين التقيت بهم. * لماذا تؤلفين كتبك باللغة الانجليزية وليس بلغتك الأصلية البولندية؟ ـ إنني أفضل التوجه إلى الجمهور الأوروبي عامة، وذلك ما تتيحه اللغة الانجليزية لأنها أوسع انتشاراً من اللغة البولندية التي تكاد تقتصر على بولندا فقط، حتى اللغة الروسية التي أجيدها لا تزال محدودة. أردت لعملي أن يتوسع في دائرة أكبر من التقوقع في لغة محددة. وهذا يسمح لكتبي أن تمتد على رقعة جغرافية أوسع، وهي كذلك.
ما هي وضعية ترجمة الأدب العربي إلى اللغة البولندية؟
لا تزال هذه الترجمة ضعيفة حتى الآن. ولا زلنا نترجم بعض المشاهير من الأدباء العرب أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغسان كنفاني وعبد السلام العجيلي وأدونيس ونزار قباني وليلى العثمان ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي أي أننا لا نترجم أدب الأجيال الشابة، وهذا نقص كبير نعاني منه.
كيف توجهت إلى تعلم اللغة العربية ومن ثم الترجمة منها؟
كان المشجع لي في تعلم اللغة العربية هو الرجل الذي تعرفت عليه في الكويت وأصبح فيما بعد زوجي. ومن ثم شجعني على دراسة الأدب الخليجي. وخصوصاً عندما حصل لي على بعض المنح لتحقيق هذا الطموح بفضل عمله في وزارة التعليم العالي في بولندا. بدأت دراستي في الجامعة في ثمانينيات القرن الماضي. وكان تعلم اللغة الروسية إجبارية أثناء الحكم الاشتراكي.
وعن طرق الصدفة، كانت لي صديقة تزوجت من دكتور انجليزي، فذهبت لزيارتها إلى انجلترا، وهناك كنت أفكر بالدراسة، وكنت حائرة، أردت أن أدرس اللغة الانجليزية، لكن زوجي قال لي «ادرسي شيئا يكون له مستقبل. ونظر من النافذة، فرأى لوحة مكتوب عليها «قسم الاستشراق» في الجامعة، فقال لي: ادرسي «الاستشراق»، فذهبت لرؤية البروفسور صبري حافظ ودرست على يديه.
وبعد عودتي إلى بلدي، دخلت جامعة ياجيلونسكي في كراكوف، وسألت عن قسم اللغة العربية، ومن ثم عملت فيه إلى أن أصبحت رئيسة لهذا القسم. وتتميز هذه الجامعة بعراقتها حيث تأسست في عام 1364 أي منذ أكثر من 600 عام. أما قسم اللغة العربية فيها، فقد تأسس في عام 1919.
ما هي درجة إقبال القراء البولنديين على قراءة الأدب العربي؟
هناك إقبال على قراءة الأدب العربي، والآداب الأجنبية عامة، وحركة الترجمة نشيطة، وفي كل عام، نقوم بترجمة مئات الأعمال من الآداب الأجنبية العالمية إلى اللغة البولندية. وأنت تعلم أن الأدب البولندي عريق هو الآخر، فقد حصل أربعة من أدبائنا على جائزة نوبل، اثنان في الشعر واثنان في الرواية. كما لا تنسى أننا البلد الذي أنجب مبدعين مشهورين أثروا في الحركة الثقافية العالمية والإنسانية وأصبحوا جزءاً من رموزها أمثال: كوبرنيك وشوبان وفايدا.
وما هي وضعية الدارسين للغة العربية والأدب العربي في بولندا؟
عادة ما يكون الفصل الأول لدراسة اللغة العربية مزدحماً. هناك نحو 40 طالباً على سبيل المثال، ثم يتناقص هذا العدد إلى 20 في الفصل الثاني والثالث. ولا يكمل دراسة الأدب العربي في الجامعة سوى عدد لا يتجاوز الـ 6 طلاب . وهي نسبة ليست سيئة. ومن جهة أخرى، نحاول أن نبعث الطلبة البولنديين في منح دراسية إلى اليمن وسوريا والسعودية والأردن والمغرب لدراسة الأدب العربي واللغة العربية.
هل تعتقدين أن هذا النقص في عدد الدارسين يعود إلى عدم إمكانية عثورهم على الوظائف بعد التخرج؟
عموما يجدون الوظائف في السلك الدبلوماسي والشركات التجارية التي تتعامل مع العالم العربي. ذات يوم، رأيت أحد طلبتي يعمل في البنك، فسألته عن عمله، فقال لي: بأنه يهتم بالعلاقات العامة مع السفارات العربية.
أين تضعين نفسك في حركة الاستشراق عندكم؟
أنت تعلم أن الاستشراق في بولندا عريق يمتد إلى سنوات طويلة. ولكن عملي يتركز على الجامعة، وأعتبر نفسي جسراً موصلاً للدارسين الذين يرغبون بالاطلاع على الأدب العربي وتعلم اللغة العربية. ولهذا أعمد إلى تأليف كتب أكاديمية تصبح مراجع جامعية مفيدة للدارسين المتخصصين، وهي موجودة في معظم الجامعات العالمية والأماكن العامة مثل مكتبة الكونغرس الأميركي.
وهل من الممكن أن تخرج اهتماماتك عن الأدب الخليجي إلى الأدب العربي؟
بالتأكيد إنني أركز على الأدب الحديث على الرغم من أنني أدرّس مادة الأدب الكلاسيكي لأنه لا يمكن فهم الأدب الحديث ما لم ندرس ما سبقه من أدب. وهذه قاعدة ذهبية. لذلك نشعر بالمتعة في قراءة نماذج لشعراء من العصر الجاهلي حتى العصر العباسي أمثال أمرؤ القيس والشنفرى والفرزدق والأخطل وجرير والمتنبي وأبو نواس وغيرهم.
هل لديك نية في ترجمة عمل أدبي كامل مثل ديوان شعر أو مجموعة قصصية رواية إلى اللغة البولندية أو الانجليزية؟
اهتمامي منصب على تأليف كتب شاملة عن الشعراء والأدباء الخليجيين والعرب البارزين لأنني أحاول تقديم نظرة بانورامية عن هذه الآداب في بلدانها كما فعلت في كتبي عن الأدب في الكويت وعمان والبحرين.
ترجمة المشاهير
تقول المستشرقة بربارا ميخالاك بيكوسيا لا زلنا نترجم بعض المشاهير من الأدباء العرب أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغسان كنفاني وعبد السلام العجيلي وأدونيس ونزار قباني وليلى العثمان ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي أي أننا لا نترجم أدب الأجيال الشابة.
ميخالاك في سطور
بربار ميخالاك بيكوسيا، 1965، بولونيا، حصلت على درجة الماجستير في اللغة والأدب العربي في 1991، والدكتوراه عن الأدب المعاصر في الكويت في 1994، ومن ثم حصلت على درجة بروفسور في جامعة ياجيللونسكي في كراكوف التي تعمل فيها كرئيسة لقسم اللغة العربية وآدابها.
ومن أهم مؤلفاتها: التراث والمعاصرة في إبداع ليلى العثمان، دمشق دار المدى 1997. ثريا البقصمي بين الريشة والقلم، الكويت 1997. القصص القصيرة المعاصرة الكويتية في الحرب والسلام منذ 1929 - 1995 كراكوف 1998. نماذج من القصة في الجزيرة العربية كراكوف 2000. الشعر والنثر الحديثين في عُمان«بالانجليزية» كراكوف 2002. الشعر والنثر الحديثين في البحرين «بالانجليزية» كراكوف 206.
في عالم علي عبد الله خليفة الشعري نظرات تحليلية نقدية ودراسة تطبيقية، بالمشاركة مع يوسف شحادة، حلب دار عبد المنعم ناشرون 2008. كتاب عن ثريا البقصمي «بالانجليزية، كراكوف 2009. كما ساهمت في تحرير عدد من الكتب المشتركة وتواصل حضورها للمؤتمرات العلمية. وهي عضو إدارة لجنة أساتذة الأدب العربي الأوروبيين والجمعية الأوروبية للمستشرقين ومجلس إدارة جمعية الدراسات البولندية الشرقية.
شاكر نوري



