يخضع الماء لقانون انسيابيته والذي تشكَّل طبيعياً، إنه قانون الجاذبية الذي يحدد مواقع الأشياء تبعاً لثقلها على الأرض، وليس جريان الماء إلا نتاج القوة الكامنة فيه والمودَعة طبيعياً، وفي مثال الشلال ما يبعث على الدهشة، لأن ثمة تجلي القانون الطبيعي في أكثر جماليات إيقاعه الأرضي زخماً، وهو المسترسَل « من شامخ عال إلى خفض»، ولكنه الشامخ الملبَّس بنداوته وتفرعه ضفائرياً، والخفض الذي يستقبله مستحماً في الضوء أو ممشوطاً به، على وقع صوت منغَّم

يشهد على رقصة الماء والضوء الذي هو الانسجام المعهود بين تجلّي اللغة وتموج الصوت، ويكون تبادل الأدوار بين الماء اللغة، والضوء الصوت، أو بالعكس، وفي الحالتين لا يكون الشلال إلا هذا المنتمي بفرعه المتدفق من الأعماق وما يرفده ظاهراً، إلى عالمنا الطبيعي، وهو غير مرئي ولادة، ليزيد في سحر انبثاقه وتدفقه سحراً، لعله سحره الخاص، غموضه، سر استقطابه وهو الممشوق الصادح بلا هوادة.

ربما كان في أصل الرؤية المائية حضور الأفعواني اللعوب، والذي يستشرف نوعية الجذب فينا، وهو يمضي عميقاً بمترادفات روائعه وهو في عيونه الألف، الشاهد على تدفقنا المتقطع بجواره دون أن نعلم بذلك، ربما كان في المسلك الشلالي ما يجرنا إلى السباق معه، وهو الموهوب بكل هذا الاشتقاق الطبيعي والاحتفاء الذاتي بمقامه..

حالم، بليغ في الصوت، حكيم الرؤية المباشرة، نزق الحركة، عار بطبيعته عن كل شيء وفيه من اللبس الكثير بما هو عليه، متهالك، لاهث الأنفاس، رخو بما لا يقاس.. تلك قائمة بأوصافه كما يتراءى ماثلاً أمام أعيننا حصراً، لكنه ليس سوى الشلال الذي يندمج بدوره تمام الاندماج، أو يعلّمنا بمشهديات الباليه العائدة إليه وحده فقط وليس سواه، مأخوذاً برقصة مائه، مستحماً على مدار الساعة بموسيقى ضوئه الذي يجلوه ذوقياً، وأي ذوق..!

ليس في الشلال نزوع استعراض، ربما هو عرض من عروض الطبيعة التي ترينا عجيبها وغريبها، وهي ليست بعجيبة وغريبة في بدعة تكوينها، سوى أننا أسقطنا عليها صفة العجيب والغريب، لأننا ننظر إليها من الخارج، ولا نكتفي بذلك، إنما نحيلها إلى موضوع خاص بنا ولنا .

كما لو أنها موهوبة لنا كلياً، وأننا نطالبها في أن تكف عن اللعب بنا بعجائبها وغرائبها ألا تتمادى في كبريائها وهي تواجهنا بأفرادها: عناصرها لئلا نعترف بجزئيتنا، ألا نكون الأكثر طبيعية وواقعية، ومن ثم لنكون أكثر قرباً من النفَس الطبيعي، وكذلك النفس الطبيعية فينا، كما هو في مثال الشلال الذي لا يباهي أحداً، أو ينافسه، إنما يفعّل دوره، وكأنه الوحيد في تشكيلاته المتعددة الفنون: في الانبثاق.

والانسياب والتلاحم المائي والتدافع الطبيعي، والاستقامة أو الانحراف في المجرى ومن ثم الانحدار الشاقولي مخلصاً لقانون موجده ومبدعه الأزلي عالياً، ميمماً شطر المنتهي به، ليكون اسماً آخر، وهو في واقعه ليس سوى الماء ولا شيء غير الماء، هو وجه من وجوه حضوره على هذه الشاكلة، وهو خلافه في مكان آخر، حيث يكون الشلال فيما يتراءى لنا، ولكنه ماء فقط، وهو النهر في موقعه.

وكذلك الينبوع في موقعه، وتلك قائمة تحديداتنا الطبيعية الجذلى، أي الثقافية، إحداثياتنا في اقتسام الطبيعة، وتجزئة المجزّأ فيها، لنحسن التصرف فيها، أي لنتجنب الضياع فيها، ونحن نتحرك في الجهات كافة، ونحن في واقعنا لسنا أكثر من اسم اعتدناه، لكنا مارسنا فيه انزياحاً، بأن أسقطنا على الاسم: اسمنا، ما يعزله عن باقي الأسماء.

وفي الوقت نفسه، ما يبقيه متحكماً فيها، دون الإحاطة بحقيقتها، وهي تشملنا كما تشملها، ليس كما هو الشلال في مسيرته الطويلة، فحقيقته كما هو ماؤه في تعدد حالاته، ونحن إذ نعجب برؤيته، فلأننا لا ننفك نرجع إلى طبيعتنا الأولى، إلى ما وراء الاسم الذي نتباهى به طويلاً، وحتى اللحظة: في صفة الإنسان الزاعم أنه قادر على ضبط الأشياء وإحالتها إليه.

واقفين ذهولاً أحياناً إزاء المشهد البديع خلقاً للشلال، وهو الإبداع الذي يجد أصلاً من أصوله الكبرى فينا حسياً وشعورياً، إنه يمتد فينا بصوته ونباهة الأصل هناك، وإلا لما هناك انشغال به، وهو يعيدنا إلى مقامنا الفعلي في دور يقابل دوره، في النص الذي نتوق إلى قراءته أو سماعه أو رؤيته بتعدد أبعاده، وتلك هي النفحة الشلالية المشتهاة روحياً..!

هو ذاك الشلال: رقصة الماء والضوء، التشابك المجهول البداية بين الحركة التي تسلسله وتجلجله، والصدى الذي يقود خيالاتنا إلى ما وراء الحركة المقدَّرة، حيث خفيه أوفر وأبهر من علنيّه، كما هو شأن الماء والضوء دائماً.

بين الاثنين هذين، ما بين النهار والليل، بين الصمت والكلام، بين الصلابة والهشاشة، بين التناهي واللاتناهي، تأكيداً لمذهب الطبيعة في الطبيعة وبها عبر آياتها الصريحة، كما في آية الشلال، ولعلها تواجهنا بما نعجز عن التواصل معه، ونحن منبهرون به.

فكيف بالطبيعة، وهو عجز، ليس عجزاً بكل معنى الكلمة، إنما هو تدبير العاجز فيما لا يعترف به، لا يرى في حدود قدرته ما يبصره بدوره داخل الطبيعة ووسط آياتها التي تصله بما وراء الطبيعة وإحدى آياتها: الشلال، فيكون أقل استغراباً ودهشة، وقد أدرك بعضاً من جوانب الطبيعة فيه..

إبراهيم محمود