فرانسيسكو سيرافو، مهندس معماري إيطالي، متخصص في تخطيط المدن والحفاظ على الجانب التاريخي منها، ويعمل في برنامج دعم المدن التاريخية منذ عام 1991. حاز على شهادته الاختصاصية من جامعة روما، لاسابينزا وكلية أوروبا وجامعة كولومبيا نيورورك. وقد عمل في العديد من المشاريع في مختلف المدن الإسلامية بما فيها موستار وسمرقند وزنجبار.
فرانسيسكو سيرافو هو متعاون حاليا مع مؤسسة الآغا خان للثقافة كاستشاري، وكذلك مع عدة منظمات حكومية ودولية مثل منظمة اليونسكو والايكروم. وقام بالعديد من الخطط للحفاظ على المناطق التاريخية في روما أوربينو في ايطاليا، والمدينة القديمة لامو في غينيا، وألف كتباً ومقالات حول المحافظة على المدن التاريخية. ومن كتبه »زنجبار.. خطط من أجل مدينة الحجر» الذي نشر عام 1996 و»تخطيط لامو: الحفاظ في على ميناء أفريقي» ونشر عام 1986. وآخر محاضرة ألقاها كانت في القاهرة حول تأهيل منطقة الدرب الأحمر. في هذا الحوار، يكشف المعماري الإيطالي سيرافو عن ضرورة وأهمية الحفاظ على المواقع التاريخية والأثرية:
* هل تعتقد بأن العالم العربي الإسلامي يحتاج إلى المزيد من عمليات تأهيل المناطق المتضررة بفعل عوامل التعرية الجوية؟ ـ بالتأكيد، هذا الموضوع لا يخص العالم العربي الإسلامي فحسب بل جميع المناطق التاريخية والأثرية التي تتأثر بفعل عوامل التعرية. ويكتسب العالم العربي الإسلامي أهمية خاصة على صعيد الأبنية العمرانية والبيوت التقليدية. وإذا نظرنا إلى البناء الإسلامي حاليا فإنه لا يتضمن الكثير من الجماليات بسبب التزاحم وتدهور الأبنية، مما يشكل تهديداً للهوية الإسلامية وبالتالي الذاكرة الجماعية. فهذه الحضارة ساعدت على تسهيل مهمة السكن ووفرت الإمكانيات، لكنها تعاني الآن من هيمنة القوى الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق نسعى، نحن المختصون في العمارة، إلى التعامل مع هذه المشكلة من خلال الإحاطة بالثقافة العمرانية والحفاظ على البيئة وتحسين الاقتصاد وحفظ التراث. هذه المباني يمكن أن تمنح الكثير من القيمة إلى العمارة. كان علينا خلال دراستنا للمشروع أن نسأل سكان هذه الأحياء: ماذا يحبون وماذا يكرهون؟ فاكتشفنا أنهم لا يحبون السيارات التي تتجول في شوارعهم، وتمنع أطفالهم من اللعب بأمان. ولا يريدون ابتعاد مواقع المساجد حتى يقوموا بشعائرهم وعباداتهم.
لماذا في نظرك حصل هذا الابتعاد عن تراثنا العربي الإسلامي في البناء والعمارة؟
من المعلوم أن التطور الحاصل في الأبنية يعود إلى مرحلة بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب دمار معظم الأبنية. هذه المرحلة أدت إلى تغيير كامل في ملامح البناء وشكله وجوهره. وعليه فإن المسؤولين مطالبون بالبحث عن معادلة تحقق التوازن بين الأبنية والعلاقات والذاكرة في العالم الإسلامي؛ لذا هناك حاجة لاكتشاف الماضي واستعادة الاتصال بالجذور التي تمثل عنصر قوة جديد، وسريع التطور. لا يجب بأي شكل من الأشكال إهمال الماضي. للأسف المدن العربية تتحول شيئاً فشيئاً إلى مدن كوزموبوليتية مثل القاهرة وغيرها. دبي على سبيل المثال مدينة صغيرة وعليه فمن الطبيعي أن تتطور بشكل حديث.
ما هو دور مؤسسة آغا خان للثقافة في مشاريع الحفاظ على تراث العمارة الإسلامية؟
تهتم مؤسسة الآغا خان للثقافة بالاستراتيجيات والمبادرات المطبقة، بهدف معالجة التطبيقات السلبية فيما يتعلق بالحفاظ على التراث العمراني مثل مشروعها في منطقة الدرب الأحمر.
تتضمن هذه الاستراتيجيات: القروض الصغيرة، وتوفير فرص عمل مستقبلية للأجيال القادمة، والتدريب، وتفعيل العمل المؤسساتي، وترميم النصب التذكارية، وإصلاح وترميم المناطق السكنية وتأهيل المساحات غير المسكونة، فضلاً عن تطوير البنية التحتية.
وتؤيد مؤسسة الآغا خان للثقافة المنطق القائل بضرورة إعادة التأهيل العمراني بالطريقة التي توفق بين الاحتفاظ والتطوير كأفضل علاج لوقف المزيد من التدهور الذي يؤدي إلى فقدان الموروث الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وهناك مشاريع عديدة تتطلع بها المؤسسة للثقافة منها: مشروع حديقة الأزهر في القاهرة ضمن اتفاقية تجمع بينها وبين جمعية التراث العمراني.
تأهيل الدرب الأحمر
ما هي أهم ملامح مشروع تأهيل «الدرب الأحمر»؟
تركزت مبادرة برنامج دعم المدن التاريخية في مؤسسة آغا خان للثقافة على التأهيل الحضري للمنطقة، وهي واحدة من أفقر المناطق التاريخية في المدينة وأكثرها تعقيداً على الصعيد الحياتي.
تعتبر هذه المنطقة حالياً مثالاً واضحاً لبعض المشاكل العمرانية التي تؤثر في المدن التاريخية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وفي معظمها للتوفيق بين النمو السكاني والتخلي عن المناطق الحضرية، نتيجة الفقر والضغوط المحفوفة بالمخاطر، كالهدم والبناء العشوائي، إلى جانب الافتقار إلى الاستثمار العام، والتدخلات الخاصة التي تفتقد التوجيه. هذه عناصر تهدد بقاء أهم المدن وأكثرها قدماً في العالم الإسلامي.
ما هي مساهمة الحكومة المصرية في هذا المشروع؟
ساهمت الحكومة المصرية في تشييد البنية التحتية، ويعمل في المشروع ما بين 10 إلى 15 مهندس، بالإضافة على 200 عامل وموظفين آخرين. والحكومة غير قادرة على إعادة تأهيل المناطق التاريخية والأثرية وحدها، لأنها مكلفة جداً بل أكثر تكلفة من البناء الحديث. والسؤال المطروح الآن أمام الحكومة المصرية هو: كيف يمكن تحسين هذه الأمكنة وجعلها قابلة للعيش؟ نحن نهدف إلى التدريب والحفاظ على الهوية، وهناك اتفاقيات تنظم هذا العمل. كما يوجد تعاون مع منظمات إنسانية وبنوك عالمية من أجل الدعم التقني.
متى تنتهي عمليات إعادة التأهيل؟
أعتقد أنها ستنتهي خلال العام المقبل من حيث استكمال أعمال تطوير منطقة الدرب الأحمر، وهى تتم بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومؤسسة الآغا خان، بتكلفة قدرها حوالي 66 مليون جنيه. إن تطوير الدرب الأحمر، يعد نموذجا رائدا للمشاركة بين الجهات الحكومية وغير الحكومية والأهالي، في تنفيذ برامج التنمية المجتمعية بغرض الارتقاء بالمناطق المتدهورة عمرانيا واجتماعيا واقتصاديا، وتشجيع الأهالي على المشاركة في تنمية مجتمعاتهم باعتبارهم جزءا منها.
هل هناك برامج لمساعدة السكان والأهالي في هذه الأحياء من أجل الخروج من هذه الأزمة؟
يشمل المشروع، إعادة تأهيل السكان والمباني العامة وتطوير البنية الأساسية والفراغات العامة وترميم الآثار الموجودة بالمنطقة، بالإضافة إلى تطوير وتحسين الخدمات الصحية والبيئية والتعليمية وتوفير فرص للتوظيف والتدريب الحر والمهني والحرفي، مع إتاحة قروض متناهية الصغر لتحسين الحالة الاقتصادية، وتأهيل السكان من خلال تقديم الخدمات غير المالية للمستهدفين ببرامج الإقراض والتي تشمل توفير التدريب والتطوير التكنولوجي، وفرص تسويق المنتجات التراثية والسياحية للحرفيين الموجودين بالمنطقة سواء داخل مصر أو خارجها. كما يتضمن برنامج التطوير، الحفاظ على الصناعات التراثية المنتشرة بالدرب الأحمر وحمايتها من الاندثار مثل المنتجات الخشبية والنحاسية والجلدية.
هل أتاحت هذه العمليات فرص عمل للسكان وغيرهم؟
شملت عملية التطوير الإنسان والمكان معا، حيث أتاحت فرص عمل لـ 1052 شخصا، كما تم تدريب 1440 شخصا في الورش ومراكز التدريب في الدرب الأحمر أو خارجه بهدف تنمية مهاراتهم. وتم توقيع اتفاقيات مع أربع جمعيات ومؤسسات أهلية محلية، لتنفيذ فصول محو الأمية، حيث تم افتتاح 25 فصلا لمحو الأمية تخرج منها 205 دارس، إلى جانب الأنشطة التي تهدف إلى تحسين المهارات الثقافية والاجتماعية خاصة النساء والأطفال. كذلك تم تشكيل لجنة تضمنت ممثلين عن الحي والمؤسسات الأهلية لنشر الوعي البيئي.
مشروع إحياء المدينة الحجرية في زنجبار
ما هي تجربتك في تأهيل مناطق تاريخية في زنجبار وقد أصدرت كتاباً بهذا الصدد؟
نسعى إلى الاهتمام بالآثار الثابتة، وإلى نشر إحدى التجارب العالمية في هذا المجال. انصب اهتمام المشروع على المدينة الحجرية بزنجبار، حيث تم ترميم المشفى القديم وتحويله إلى مركز ثقافي، وتقديم مشروع تخطيطي واسع من أجل السيطرة على التوسعات المستقبلية في هذه المنطقة من المدينة التي تتعرض لضغط متزايد كنتيجة مباشرة للتطور الحديث. هذا المشروع يظهر أهمية التعاون بين الجهات المختلفة، الحكومية والخاصة، للحفاظ على النسيج العمراني الذي يعتبر من العمليات المتعددة الوجوه والمعقدة إلى أقصى حد.
هل تم انجاز المخطط الحضري لمدينة زنجبار؟
تم انجاز مشروع الدراسات الخاصة بالمخطط الحضري التفصيلي لمدينة زنجبار، ويجري العمل حالياً على دراسات حول مجاري تصريف المياه مع دراسة لشق بعض الخطوط الداخلية في المدينة، والتي تتلاءم مع التخطيط الحضري للمدينة بحكم موقع المحافظة على منتجها الزراعي، الذي يعتبر من ثروات البلد. هناك العديد من المحاصيل الزراعية نتيجة لخصوبة التربة وتعدد منابع المياه والوديان. كان لا بد من الاهتمام بهذا المجال الحيوي؛ لذا كرست الدراسة جانبا منها لتأهيل المدينة والريف في آن واحد لأنهما مكملان للواقع الحياتي.
هل حافظتم على الطراز العربي والإسلامي فيها؟
بالتأكيد، فالأبواب في زنجبار تعتبر من أيقونات تراثها، لأنها مفتوحة على الآخر، وموسدة على أسرار الداخل. وتتميز أبواب هذه المدينة عن غيرها من المدن، لكونها تختزل نحو ألف عام من التأثير العربي الإسلامي. في هذه الأبواب تلتقي حضارات العمانيين واليمنيين لتمتزج بإرث هندي وفارسي، والحصيلة إنتاج أبواب خشبية تمثل فناً فريداً. قد تبلى المباني في الجزيرة لكن الأبواب تبقى شاهدةً على ما أبدع النجارون بما فيها من نقوش ورموز، تعكس وجاهة ساكن البيت ومنزلته الاجتماعية. ويعود تاريخ صنع بعض الأبواب فيها إلى أكثر من ثلاثة قرون.
شاكر نوري



