لقي كف الإنسان (بعد وجهه) اهتماماً كبيراً من قبل طائفة كبيرة من الأخصائيين في مجالات عدة، منها: علم النفس، التنجيم، علم الفراسة، الفنون التشكيليّة، التصوير الضوئي، علماء الاجتماع، علم الدلالة، علم الإشارة، المحاكم، علم الكشف عن التزوير والجرائم .. الخ
وذلك لما تحمل من رموز ودلالات وإشارات وخطوط تفضي جميعها، لتحديد ماهية صاحبها، وشخصيته وطباعه، وتفرده الجيني، وحتى مستقبله كما يرى المنجمون الذين يدعون أنهم، عبر ما تحمل الكف من خطوط، يستطيعون قراءة مستقبل صاحبها بشقيه: الأبيض والأسود، المفرح والتعيس، الإيجابي والسلبي، بل والمدة التي سيمضيها في الحياة. أي يقرأون فيها تاريخ موته، وكم امرأة سيتزوج، وكم ولدا وحفيدا سينجب... وغير ذلك من الأحداث التي تنتظره، بين ثنايا عمره.
أدوار ومهام لا تحصى... من جانب آخر، اتخذ الكف جملة من الرموز والدلالات التي تشير إلى مواقف وقضايا إنسانيّة عديدة، باتت تُشكّل اليوم، إشارات اتفاقيّة بين الشعوب والمجتمعات، أينما كانوا، وبأية لغة تحدثوا. فهو للسلام، وإظهار الود والترحيب، والتعبير عن المودة والاحترام، والتشجيع (الربت على الكتف) والاتحاد، والمحبة (الضم) والتوديع (التلويح) ولفت الانتباه، والتأشير. وهو للضرب، والقتل، وقيادة السيارة، والطيارة، والباخرة، والأكل، والشرب، والكتابة، والرسم، والنحت، والتصوير، وعزف الموسيقى، وإدارة الآلات، واستعمال الأجهزة المختلفة، وارتداء الثياب، واستعمال السلاح، وحراثة الأرض، والاعتناء بمرافق حياة الإنسان كافة، الصنعيّة أو الطبيعيّة.
كل شيء في حياة الكائن البشري، تنهض به اليد المنتهية بالكف، لذلك من الصعوبة بمكان، تعداد مهامها والأدوار التي تؤديها، وقد أضيف إليها، بعض الرموز الاتفاقيّة الجديدة، كالإشارة إلى النصر برفع الكف بإشارة V إلى الأعلى، وهي دلالة على القوة والتحدي والثقة، عندما ترفع على شكل قبضة، وهي رمز الاحترام وتقديم الطاعة، من الرتبة الأدنى إلى الأعلى في الجيوش والقوات المسلحة (التحية العسكريّة). وهي إشارة للتوقف والصد، عندما تشكل زاوية قائمة مع الساعد، والطلب للابتعاد والمضي بعيداً، عندما تتحرك من الأمام إلى الخلف، أو الاستقرار والمكوث، عندما تتحرك من أعلى إلى أسفل، وهي وسيلة للتبجيل والشكر عندما تُقبّل، وعبر المحبس الذي يستقر في إحدى أصابعها، يُشار إلى خطوبة الشخص أو زواجه، وفي إبهامها، تكمن بصمة الإنسان المتميزة والتي لا تشبه غيرها على الإطلاق، ومن أجل هذا، اعتمدت الهوية الأبرز، للدلالة على صاحبها، والوصول إليه في كل الحالات: عندما يبصم على وثيقة أو عقد أو صك أو هوية. وعندما يرتكب جناية أو جريمة أو سرقة. وللكف بعد، مهام ووظائف أخرى كثيرة، يصعب تعدادها جميعاً، فهي مركز الحياة، ودينامو تجددها واستمرارها ودمارها في الوقت نفسه!.
الكف في الفن
اهتم الفنانون التشكيليون، على اختلاف اختصاصاتهم، وأدوات تعبيرهم، بمعالجة الكف في أعمالهم. في طليعة هؤلاء، يأتي الرسام والحفار الألماني (ألبريشت دورر) الذي وضع للكف عشرات الرسوم والدراسات، كما اعتبرت وضعية يدي لوحة الفنان الإيطالي المعروف (ليوناردو دافنشي) الشهيرة باسم (الجوكندا) أو (الموناليزا) من أهم وأبرز القيم التشكيليّة والتعبيريّة فيها.
وهناك العديد من الفنانين التشكيليين الذين تميزوا بطريقة رسمهم أطراف الجسد الإنساني، لاسيما اليد التي حولها بعضهم إلى مادة تشكيليّة تعبيريّة قائمة بحد ذاتها، كما اتخذ البعض منهم من أصابع الكف موضوعاً لأعمال فراغيّة نحتيّة أخذت طريقها إلى الحدائق والساحات وشواطئ البحار، لعل أشهرها إصبع النحات الفرنسي المعروف (سيزار) التي توجد نسخة منها على شاطئ مدينة جدة في السعوديّة.
ولأن للكف عند الإنسان، جملة من المعاني المتشعبة والمتناقضة الخيرة والشريرة، الإيجابية والسلبيّة، الرقيقة والقاسيّة، النبيلة واللئيمة، فقد عبّر عنها الفن والشعر والأدب والأغاني وغير ذلك من وسائل التعبير التي أدركها الإنسان، وتعامل معها، منذ الصيرورة الأولى لوجوده.
رموز متباينة
ولتأكيد دلالات ورموز محددة، من خلال الكف وعبرها، استخدمها الإنسان مفردة، ضمن وضعيات متباينة، للدلالة على معانٍ متباينة هي الأخرى، أو قام بربطها بجزء آخر من الجسم، كأن يزرع راحتها بالعين، درءاً للحسد والشر، وإبعاداً للمصائب والويلات، أو يعكس من خلالها العطاء والكرم والإبداع، ومن أجل هذا قيل: كف خيّرة، وكف معطاء.
وكف تُلف بالحرير، تدليلاً وإشارةً، إلى ما يصدر عنها من إبداعات في الفنون والحِرف والمشغولات الفنيّة الرفيعة في قيمها التشكيليّة والتعبيريّة، أو لما تكتب من أشعار وقصص وروايات وأبحاث علميّة مختلفة. والكف هي التي ترفع إشارة النصر، وتدل على الاتجاه الصحيح إلى المستقبل، أو أماكن الخدمات المختلفة.
وقبضة الكف المضمومة بقوة، رمز للنضال والكفاح والثورة والعزيمة والإصرار، لذلك تُرفع عالياً في المسيرات والمظاهرات، منددة أحياناً، بقوى الظلم والطغيان والقمع والاضطهاد، وأحياناً أخرى، تأخذ رمز الثقة بالنفس، والتحدي، والانتصار، والمتابعة غير الوجلة أو الخائفة.
والكف هي التي تقذف العدو بالحجارة أو بالنار، وهي التي تعاقب المخطئ والمسيء والكسول والمجرم والخارج عن القانون الوضعي أو الاجتماعي. والكف هي مفتاح الصداقة والتعارف ووسيلة المصافحة والسلام والتحيّة والإشارة، والكفان المتصافحان، رمز التعاون والتعاضد والمساعدة والأخوة، وهي أكثر أعضاء جسم الإنسان عملاً وحركةً.
بها ومن خلالها، يمارس الإنسان مظاهر حياته اليوميّة كافة، فبواسطتها يقود السيارة، ويفتح باب منزله و مكتبه ومتجره، وباب المصعد. وبها يأكل ويشرب ويكتب وينحت ويرسم ويلمس، ويحمل ويرفع، ويمسك، ويحمي عينيه أو رأسه أو أي جزء من جسده، إذا ما تعرض للخطر، وبها يدفع عن نفسه اعتداء الآخرين ناساً كانوا أم حيوانات.
محور الحياة
كل المهن والحرف والصناعات والإبداعات والفنون، تمارس بواسطة الكف، وكل ما يجعل الحياة مستمرة، متجددة، نابضة، يبدأ من الكف، وينهض عبرها ومن خلالها. لذلك من الطبيعي أن تأخذ من الإنسان كل رعاية وعناية واهتمام. فعطبها، أو فقدانها، يُخل بحياته، ويجعلها عالة وجحيماً وقهراً دائماً، ولعله من هنا جاءت عقوبة قطع اليد للسارق واللص والمعتدي، نوعاً من الردع الشديد الذي يجعل المرء يفكر كثيراً قبل أن يقدم على فعل مرذول ومرفوض وشائن.
قراءة الطالع والشخصيّة
كانت الكف ولا تزال، ميداناً خصباً لقراءة طالع الإنسان، وحظه، ومستقبله. ومن خلال خطوطها وتشكيلاتها، يتعرف المنجمون على شخصية صاحبها، وبواطن نفسه، وما ينتظره من أفراح ونوائب، ونجاحات وإخفاقات، وذلك عبر علم بات يُعرف بـ (علم الكف) الذي يحتاج إلى ضليعين ومختصين لممارسته.
ومن الكف جاءت (البصمة) التي تعتبر من أهم الوثائق الدالة على الإنسان فمن خلالها يتعرف المختصون على الجناة، أو على صاحب الحق، ذلك لأن لكل إنسان بصمته الخاصة به والتي لا تشبها أي بصمة أخرى على الإطلاق.
من أجل هذا كانت البصمة منذ القديم ولا تزال حتى يومنا هذا، رغم التطور التكنولوجي الكبير الذي طاول مرافق حياة الإنسان كافة، لا تزال أهم الدلائل التي تشير إلى إنسان بعينه. فتراها في الهوية الشخصيّة، وجواز السفر، والوثائق الهامة، قرينة صاحبها وحاملها.
كما استعملت كلمة البصمة للدلالة على التفرد والإبداع والابتكار، في مجالات عدة. لذلك يقال: لهذا الفنان، أو الشاعر، أو الكاتب، بصمته الخاصة به، وهي ميزة. أما عندما لا يتمكن من تحقيق هذه (البصمة) في نتاجه، فهذه إشارة إلى ضياعه وفشله وتشتته.
وبعد هذا وذاك، فإن الكف تلتقط مسيرة حياة الإنسان، فتدل خطوطها وتجعداتها، إلى ما مضى منها وما تبقى، بل وبها ومن خلالها، تتكشف حياة الأرض وموتها، عمارها وخرابها، نهوضها ودمارها، جمالها وبشاعتها.
اهتمام كبير
لقي كف الإنسان اهتماماً كبيراً من قبل طائفة كبيرة من الأخصائيين في مجالات الفنون وعلم الغيب وكشف الجرائم وانتحال الشخصيّة وعلم الإشارة.
رموز متباينة
تكمن في الكف حياة الأرض وموتها، جمالها وبشاعتها، خيرها وشرها، رقتها وقسوتها، راحتها وقلقها، نهوضها ودمارها، سلامها وحروبها، خصبها وجدبها.
البصمة
تتمركز في الكف بصمة الإنسان الدالة على شخصيته المتفردة وخصائصه الجينية والنفسيّة والإبداعيّة، وعبر خطوطها يتكشف مستقبله.
أيدي الموناليزا
تعتبر الوضعية التي اتخذتها أيدي رائعة دافنشي (الموناليزا) أو (الجوكندا) أهم قيمها التشكيليّة والتعبيريّة، إضافة إلى بسمتها الغامضة.
د. محمود شاهين



