«1989-2009» هي فترة عقدين من الزمن أسسا لما سيكون عليه القرن الحادي والعشرين «القرن النابض بالحركة»، كما يسميه دانييل فيرنيه، المدير السابق لصحيفة «لوموند» في كتابه الذي يحمل عنوان: «1989-2009، مصائب الحرية».
إن المؤلف يعود للحديث عن أحداث الفترة الواقعة بين سقوط جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر-تشرين الثاني من عام 1989 ونشوب الأزمة المالية العالمية. في خريف عام 2008 ومرورا بتوحيد الألمانيتين، الغربية والشرقية وتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي.
وكذلك مرورا بما يسميه المؤلف بـ «سقوط الإمبراطورية الأميركية» وبوادر «النهوض» الروسي.ويحدد المؤلف إحدى السمات الرئيسية لفترة «ما بعد الحداثة» المدروسة بوجود «فوضى ليست سياسية فحسب ولكنها أيضا فكرية».
ومن السمات الأخرى للفترة هناك أيضا «احتضار» النزعة المحافظة الجديدة التي كانت قد دفعت جورج دبليو بوش إلى الاعتقاد بإمكانية «تعميم وجود مجتمعات حرّة ومنفتحة في جميع قارّات العالم».ويحدد المؤلف القول أن «القرن الأميركي» لم يستمر عمليا سوى مدة عقد واحد ما بين انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وتفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن.
ويرى دانييل فيرنيه أن أحد الأخطاء الكبرى للأميركيين قد كمن في «مبالغتهم بالنفوذ الأخلاقي للقيم التي قالوا أنهم يحملونها وبالوقت نفسه قللوا من الآثار المخرّبة لسياستهم حيال هذه القيم ذاتها».
أما بالنسبة لروسيا فيحدد المؤلف القول أنها أضاعت إمبراطورية كبيرة لكنها لم تجد لنفسها مهمة محددة سوى الغرق في الحنين إلى تلك الإمبراطورية.
وبالتوازي مع هذا استمرت حالة من سوء الفهم بينها، أي روسيا، وبين البلدان الغربية. إنه سوء فهم قديم وجد صداه في المنافسات التي خلقتها قضية توسيع إطار الحلف الأطلسي وصولا إلى التخوم الروسية ما اعتبره الروس تهديدا لأمنهم القومي.
هكذا عندما يتحدث الغربيون عن «القيم» و«الاندماج» و«التكامل» الأوروبي، لا يزال الروس يفهمون ذلك كـ «رغبة في التوسع الحدودي والبحث عن القوة».
لكن المؤلف يرفض بالوقت نفسه مقولة «صدام الحضارات» الشهيرة، كما يرفض التفسيرات التي تعطي «اتجاها واحدا» للتاريخ.
ويقدم المؤلف توصيفا للآمال التي بعثها سقوط جدار برلين وعودة توحيد الأمة الألمانية. ويرى في ذلك منعطفا حاسما لم يعرف مثله العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهو أيضا منعطف حاسم من حيث أجواء السلام التي خلقها فضلا عن التغيير الكبير الذي أوجده على الصعيد العالمي بإنهاء الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين.
إن أحد الخطوط الناظمة لتحليلات هذا الكتاب تتمثل في محاولة المؤلف شرح الآليات والعوامل التي أدت إلى التحوّل الكبير من آفاق السلام والحرية التي انبثقت عام 1989 إلى ما يعرفه العالم اليوم من حروب طاحنة وبؤس وأزمات.
ويركز المؤلف تحليله في الصفحات الأولى من الكتاب على تقديم توصيف للخطوط العريضة التي عرفتها «المسألة الألمانية» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى سقوط جدار برلين عام 1989. ويناقش المؤلف في أحد الفصول مسألة «تدويل حقوق الإنسان» وشرعيتها.
ويؤكد بهذا الخصوص على الدور الذي لعبه الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، الذي أكد أنه «لا يمكن التسامح حيال جرائم ترتكبها الدول نفسها».
ويوجه المؤلف النقد للولايات المتحدة التي تلجأ إلى «التدخل العسكري» عندما تتعرض هي، أو مصالحها، للخطر. والنتيجة هي أنه «بدلا من الحلم المنتظر بعد عام 1989 يسود اليوم في العالم كابوس»، وحروب وجوع ومرض، الخ.
ويصف المؤلف الحالة الذهنية التي سادت لدى الطبقة السياسية الأميركية بعد سقوط المنافس السوفييتي بحملة تقول: «الحلف الأطلسي هو أداة النظام الدولي الجديد الذي ينبغي أن يقوم على مبدأ توسيع رقعة الديمقراطية واقتصاد السوق». أما أوروبا فقد وجدت نفسها تعاني من «عقدة الدونية» فيما يتعلق بالقوات المسلحة والردع العسكري بمواجهة روسيا أو الولايات المتحدة. هاتان الدولتان تتصرفان وكأنهما «أبطال متفوقون في البلدان المتحاربة».
يتم التأكيد في هذا السياق أن «الإمبراطورية الأميركية» قد فقدت الكثير من مصداقيتها بعد نهاية الحرب الباردة وحتى لو كان الأميركيون يعتقدون أنهم خرجوا منتصرين من المنافسة مع المعسكر السوفييتي.
ويشير المؤلف إلى النقاشات التي طرحتها، وتطرحها، الحرب في العراق وفي أفغانستان على رجال السياسة وعالمه والمتعلقة أيضا بالقرارات التي أدت إلى نشوبها بينما هناك غياب شبه كامل لأي نقاش حول حرب الخليج الأولى عام 1991.
ويسأل المؤلف: هل روسيا هي ديمقراطية جديدة؟ ويستعرض في محاولة الإجابة أشكال «الإفلاس الديمقراطي» الذي لا تزال روسيا تعاني منه في سياق «تضاؤل» قوتها على المسرح الدولي بالقياس إلى الفترة السوفييتية.
يتم التأكيد في هذا السياق على الصعوبة التي واجهتها روسيا في «صدمة» الانفتاح على العالم الخارجي. لكنه يركز على ما يسميه «القدر الكبير من السذاجة» الذي أبدته البلدان الغربية حيال روسيا وحيال قدرتها الديمقراطية.
والجديد هو أن روسيا تستعيد قوتها أكثر فأكثر على المسرح الدولي، خاصة بفضل ثروتها من مصادر الطاقة.
وأين أوروبا من هذا كله؟ .يشرح دانييل فيرنيه أن الاتحاد الأوروبي «يقترح حلا ناقصا ولكن قابلا للتطبيق» من أجل استمرار السلام في القارة القديمة، بعد تجربتين داميتين تمثلتا في الحربين الكونيتين خلال القرن العشرين. ويصل المؤلف إلى القول أن هدف السلام قد تحقق فعلا في القارة «باستثناء منطقة البلقان»، ويتم التذكير هنا بالمأساة التي عرفتها يوغسلافيا السابقة خلال عقد التسعينات الماضي.
إن أوروبا هي «الموديل الديمقراطي» الذي ينبغي الاقتداء فيه... هذه هي الرسالة النهائية التي يصل إليها مؤلف الكتاب.
المؤلف في سطور
دانييل فيرنيه، صحفي فرنسي ومدير سابق لصحيفة «لوموند» الباريسية وهو أخصائي بالمسائل الجيوسياسية الدولية، وخاصة بالشأن الألماني. عمل لفترة مراسلا لصحيفته في موسكو.
الكتاب: 1989-2009، مصائب الحرية
تأليف: دانييل فيرنيه
الناشر: بوشيه شاستيل باريس 2009
الصفحات: 252 صفحة
القطع: المتوسط
1989-2009, les tribulations de la liberté
Daniel Vernet
Buchet-Ch astel Paris2009
252p.
