يتفق الجميع على أن أميركا هي في طليعة البلدان المصنّعة في العالم وهي التي تحققت فوق أراضيها أكثر منجزات الثورة الصناعية، بكل مراحلها، تقدما، و«دانييل بيندير»، الأستاذ في جامعة تورنتو الكندية، يطرح مسألة «الهمجية والحضارة في العصر الصناعي» بكتاب تحت عنوان: «هاوية أميركية».

إن المؤلف ينقّب في أعماق التاريخ الأميركي الحديث، وفي السياسة والثقافة الأميركيتين المعاصرتين، كي يحد الروابط بين عملية التصنيع التي شهدتها أميركا وبين تطور المجتمع الأميركي. ويحاول أن يبيّن كيف أن المثقفين والناشطين الاجتماعيين في إطار النقابات وغيرها قد فهموا التصنيع ك«تعبير بليغ عن الحضارة»، وأنه كان له آثاره المباشرة على مسائل حاسمة مثل الهجرة والعمران، وعلى ظهور الأفكار الجديدة ذات النزعة الاشتراكية، والتي كانت النقابات من بين تعبيراتها الأكثر وضوحا.

كذلك يتم التأكيد على أن التصنيع كان ذا أهمية مركزية في رفع مكانة الولايات المتحدة في العالم. لكن بالمقابل بدت النهضة الصناعية الأميركية، وكأنها «في تناقض» كبير مع «البربرية» و«المستوى البدائي» اللذين جرى «زعم» اكتشافهما في المناطق التي جرى استعمارها.

أما نمط الحياة الذي فرضه التصنيع فقد قلب العلاقات داخل الأسرة وفي إطار العمل وأتاح دخول العنصر النسائي إلى المصانع. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على التداخل الكبير الذي خلقته الصناعة بين الأقوام والأجناس والانتماءات المتنوعة.

ويحدد المؤلف القول أن عملية التصنيع في أميركا يتم النظر إليها على أنها نتيجة رؤية عقلانية للعالم. وبالتالي رؤية «منافية للبربرية» ولأنماط المجتمع «البدائية».

لكن التصنيع بقي نفسه «بدائيا» في أميركا خلال القرن التاسع عشر بأكمله، لتبدأ عملية التصنيع الحقيقي، بالمعنى الحديث، منذ بدايات القرن العشرين. وبالطبع كان للاختراعات الجديدة وللاكتشافات دورها الكبير في ذلك، وخاصة اختراع «الآلة البخارية» من قبل جيمس وات.

وقد كانت لعملية التصنيع على المجتمع الأميركي آثار عديدة، مثلما كان عمليا بالنسبة لمختلف المجتمعات في العالم، وذلك خاصة على صعيد ثلاثة مشارب أساسية تتمثل في «توزيع الأعمال» و«التخصص» و«إدخال الآلة» في حياة البشر وفي ممارساتهم اليومية.

ويرى المؤلف أن العديد من الإجراءات التي أدخلها التصنيع على علاقات العمل في المجتمع الأميركي من حيث عدد ساعات العمل وتوزيعه كان لها في بعض الأحيان نتائج كبيرة «ذات طابع ثوري».

ونفس الأثر تقريبا نجم عن تعميم بعض «ثمرات» التصنيع. هكذا مثلا وجدت السيارة «حماسا» شديدا لدى الأميركيين بسبب الميل إلى استخدام وسائل النقل الفردية، التي كان من أوّلها الدراجات الهوائية منذ نهايات القرن التاسع عشر.

كما بدت السيارة بالنسبة للمزارعين «المعزولين» وللمستهلكين في المدن بديلا جيدا للاحتكار الذي كانت تمارسه شركات النقل العام، وعلى رأسها شبكة الخطوط الحديدية.

ثم إن الولايات المتحدة الأميركية بواقع مساحتها الشاسعة فيها الكثير من المناطق البعيدة والقرى «النهائية» غير المربوطة بشكل جيد مع شبكات النقل العام. بهذا المعنى زادت السيارة من هامش حرية اختيار مواقع السكن وأماكن العلم وممارسة مختلف نشاطات ورياضات أوقات الفراغ.

ومن المظاهر «الحضارية» التي أدخلها التصنيع على المجتمع الأميركي، يتم التأكيد على أنه صنع منه مجتمعا حديثا مع زيادة إمكانيات تأقلمه مع التكنولوجيات الجديدة.

كما أن النساء «التحقن»، بفضل التصنيع، ب«اليد العاملة» مما ساهم في التطوير العام وفي زيادة الإنتاج. والمدن تطورت واتسعت بسرعة من أدى إلى تغيّر، كبير هو الآخر، في مختلف جوانب الحياة بالمجتمع عامة.

وبالإجمال يتم التأكيد على أن المجتمع الأميركي عرف، كنتيجة للتصنيع، تبدّلا ذا مظاهر إيجابية، ولكن أيضا تبدلا له جوانبه «السلبية».

فالمرأة العاملة تضاءل دورها كأم بسبب «نقص حضورها» في المنزل. و«الجيران» لا يمكنهم أبدا أن يقوموا مقام الأهل. كذلك واجهت المرأة العاملة ضغوطا جديدة إذ بقيت مكلّفة بأداء «واجبها» في الأعمال المنزلية بعد نهاية عملها «المهني».و وكان عمل النساء في بدايته هو في قطاع «الألبسة».

تتم الإشارة إلى أن هذا القطاع كان هو الذي شهد أولا منذ بدايات القرن العشرين «انتفاضة ال000 20» صانع للملابس في نيويورك. تلك الانتفاضة التي شكّلت «أول إضراب» كبير، جماعي في تاريخ الأميركي، بل وأصبح «علامة فارقة في تاريخ النضال النسائي الأميركي»، كما نقرأ.

وإذا كانت المدن قد تطورت واتسعت بفضل التصنيع، فإنها عرفت بالمقابل أوضاعا «سكنية» سيئة بل وغدت مصدرا لانتشار بعض الأمراض والأوبئة. ووصل الفساد إلى عالم السياسة. ذلك خاصة من خلال تقديم المعونات للمهاجرين الوافدين الفقراء الجدد من أجل كسب ولائهم «الانتخابي» والسياسي.

في المحصلة العامة يتم التأكيد أنه كان للتصنيع في أميركا آثاره «الحضارية» ولكن كان له بالمقابل آثاره «الحضارية» ولكن كان له بالمقابل آثاره «العشوائية»، و«البربرية» في إطار «الثقافة» الجديدة التي أرساها.

المؤلف في سطور

دانييل بيندير، هو أستاذ التاريخ ومسؤول مركز الأبحاث الكندية عن التاريخ العمراني والثقافي في مدينة تورنتو الكندية. نال شهادة الدكتوراه من جامعة نيويورك. من مؤلفاته: «عمل مرهق وأجساد ضعيفة» و«الأشغال الشاقّة في أميركا».

الكتاب: هاوية أميركية، همجية وحضارة في عصر الصناعة

تأليف: دانييل بيندير

الناشر: جامعة كورنيل 2010

الصفحات: 336 صفحة

القطع: المتوسط

American abyss

Daniel E. Bender

Cornell University Press- 2010

336P.