«صورة للهند، فكرة عن أمة متجددة»، هذا هو عنوان كتاب رجل الأعمال في الهندي الشهير «ناندان نيلكاني»، وأحد أشهر رجال الأعمال في العالم. إن المؤلف يقدّم في هذا العمل، الذي غدا في رأس قائمة الكتب الأكثر انتشارا في الهند للسنة المنصرمة 2009، صورة عن الهند اليوم.

وهو يبدأ باستعراض سريع للتاريخ الهندي القريب ولمجمل الأفكار والمواقف التي تطوّرت خلال فترة زمنية قصيرة وساهمت بدرجة كبيرة في تطور الهند، وخاصة في تطور «السياسات الاجتماعية» التي يحتاج لها المواطنون الهنود. ولا تغيب عن تحليلات هذا الكتاب مسائل يعتبرها المؤلف في صلب التقدم الهندي الكبير وخاصة دور الشباب وكفاءاتهم العالية في ميدان تكنولوجيا المعلومات والإصلاح التربوي الكبير وسنّ قوانين جديدة خاصة بالعمل، إلخ.وما يؤكده المؤلف هو أنه تمكن مقارنة الازدهار الاقتصادي الذي عرفته الهند خلال السنوات الأخيرة بتلك التي كانت عرفته الولايات المتحدة في مطلع عقد التسعينات الماضي أو أوروبا في سنوات السبعينات.

وقد ترتب على الازدهار الهندي تغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية هائلة، وهذا ما يشرحه ناندان نيلكاني مؤكدا أنه بالتوازي مع تحقيق النمو الاقتصادي تزايد دور الهند على المسرح الدولي، وتعاظم «وزن» صوتها فيما يتعلق بتسيير شؤون العالم.

ويشير المؤلف إلى أنه اكتسب شهرة كبيرة في الخارج بفضل الجملة التي كان قد قالها ذات يوم من شهر فبراير-شباط 2004 لكتاب الافتتاحيات والاقتصادي الأميركي الشهير توماس فريدمان، وجاء فيها:

«توم، إن أرض الملعب هي بصدد أن تنبسط». فمن هذه الجملة استوحى فريدمان عنوان وموضوع كتابه الشهير «الأرض مسطّحة»، الذي بيعت منه ملايين النسخ.

وناندان نيلكاني يقدم في «صورة للهند» نوعا من الرؤية الهندية لتاريخ العولمة. إن المؤلف يكرس فصلا من الكتاب ل«العولمة» وفصلين ل«تكنولوجيا المعلومات». أما الفصول الباقية فهي مكرسة لشرح تاريخ النمو الهندي، وشرح «العلاقات المعقدة» بين بنية المجتمع الهندي التقليدية وحاجة الإصلاح، وهكذا يحاول شرح بالهند من خلال «تصارع الأفكار» والنقاشات.

وفي القسم الأول من الكتاب المؤلف من أربعة أقسام يستعرض المؤلف مجموعة من الأفكار «التي كانت تلقى الرفض الكامل» سابقا. لكنها أصبحت اليوم قابلة للتداول.

ويشير هنا إلى نسيان فكرة كانت ثابتة لدى الكثير من الهنود ومفادها أن الحواسيب «آكلة للبشر»، وأن ممارسة النشاطات في عالم الأعمال عبارة عن «تسلية ذهنية». وأن الهند التي تتحدث اليوم عن «نعمة الديموغرافيا» التي لا تمتلكها كانت تخشى حتى عهد قريب «القنبلة الديموغرافية». وما يؤكده المؤلف هو أن الطريق التي قادت إلى تبنّي الأفكار الجديدة كانت شديدة الوعورة.

وفي قسم آخر من الكتاب يتعرض المؤلف لمجموعة من الإشكاليات ونقاط الضعف التي لا تزال الهند تعاني منها والتي كانت بدرجة ما، كما يقول، نتيجة لأخطاء كان روّاد التصنيع في الهند قد اقترفوها، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة التقليدية، خاصة البترول وتبني منظومات غير جدية للضمان الصحي وللتقاعد.

ويتم تقديم بعض هذه الإشكاليات ك«آثار جانبية» للتنمية، مثل ما تتم تسميته ب«أمراض الثروة»، حيث تدل الإحصائيات على أن 60 بالمائة من المهددين بالموت نتيجة أمراض في القلب عام 2010، سيكونون من الهنود، وأيضا مثل الآثار السلبية الناتجة عن حركة التصنيع الجديد في الهند على البيئة والزيادة الكبيرة في التلوث.

وفي مواجهة أشكال النقص العديدة والمتنوعة يعلن المؤلف عن خشيته من التأخر الكبير في اتخاذ القرارات بالوقت المناسب. وذلك بمعنى أن لا يتحرك القادة السياسيون سوى أمام ضغط الواقع. وينقل عن رئيس الوزراء الهندي السابق «راو» قوله: «من السهل اتخاذ القرارات عندما لا يكون هناك أي خيار آخر».

إن المؤلف يتبنّى التقديم لكل فصل من فصول الكتاب بجملة أو قول مّأثور أو حكاية كي يعلن من خلالها عن مضمونه. ذلك مثل الإشارة إلى أن أحد الأطباء حصل على «صاحب الرقم القياسي» في «دليل غينيس» الشهير لأصحاب الأرقام القياسية، وذلك عبر إجرائه 000 35 عملية جراحية تؤدي إلى «العقم»، هذا في منظور طرح المسألة السكانية «الديموغرافية» في الهند عبر مسارها التطوري. الانتقال من اعتبارها «نقطة ضعف» إلى اعتبارها «ورقة رابحة».

وفي الخط العام يؤكد المؤلف على أهمية الأفكار و«سلطتها» فيما ستؤول إليها المسيرة الهندية. هذا إلى جانب تأكيده أن الوقائع «على الأرض» تتغيّر غالبا بسرعة أكبر من العقول.

ويشير إلى أن أصحاب الأجور «مالوا نحو تبنّي التكنولوجيات الجديدة عندما أدركوا فائدتها الاقتصادية. والقسم الثاني من الكتاب مكرّس بمجمله ل«الأفكار التي انتصرت نظريا، لكن عمليا لم يعد هناك أمام دعاة الإصلاح ما يقولونه بل الكثير مما ينبغي عليهم أن يفعلوه».

إن الإصلاح ممكن، هذه هي الرسالة التي يريد المؤلف التأكيد عليها، وهو يرسم بنفس الوقت «خريطة الأفكار» التي يراها حاسمة من أجل الوصول ب«الثورة» التي شرعت فيها الهند منذ سنوات إلى نهاياتها «المأمولة»، الهند التي تكشّفت عن أنها «أمة فتية» و«يقظة» حيال ما يدور في العالم الذي أصبحت قوة هامة على مسرحه.

المؤلف في سطور

ناندان نيلكاني هو رجل أعمال هندي. من مواليد بانغالور. تفوق ثروته، حسب التقديرات المتفق حولها، مبلغ 3,1 مليار دولار. يشغل منصب رئيس السلطة المكلفة بالتعريف بالهند وتصوّر سبل تقدمها. نال العديد من الجوائز والألقاب من بينها «رجل أعمال عام 2007» و«رجل عام 2007» في آسيا حسب تصنيف مجلة «فورب» الشهيرة.

الكتاب: تصور للهند، فكرة عن أمة متجددة

تأليف: ناندان نيلكاني

الناشر: بنغوان برس لندن 2009

الصفحات: 528 صفحة

القطع : المتوسط

Imagining India: the idea of a renewed nation

Nandan Nilekani

Penguin Press

London 2009

528P.