لا يتم حل المشاكل السياسية حول طاولة المفاوضات دائما، ولكن عبر اللجوء أحيانا إلى العنف وإلى إزالة الخصم جسديا، وكان نصف القرن المنصرم حافلا بالاغتيالات السياسية. وهذا ما دفع الصحفيين والكاتبين الفرنسيين جان لاكوتور وجان كلود غيبو إلى التساؤل: «هل ماتوا عبثا»؟
كما اختارا لعنوانهما مع توضيح مغزاه بإضافة نصف قرن من الاغتيالات من الاغتيالات السياسية خلال العقود الأخيرة طويلة، وقد اختار مؤلفا الكتاب عددا من الذين كانوا بين ضحاياها للحديث عنهم ومحاولة الإجابة عن سؤال: «هل ماتوا عبثا»؟. ومن بين هؤلاء العديد من المشاهير مثل جون كندي والدو مورو وأنور السادات وبشير الجميّل مارتن لوتركنغ وانديرا غاندي وأولف بالم وإسحاق رابين ومن الأقل شهرة مثل توماس سانكارا ولويس منتباتن وغيرهما.النتيجة المباشرة التي يتم استخلاصها من هذه الاغتيالات كلها هو أن الاغتيال السياسي قد احتل منذ نصف قرن من الزمن مكانة كبيرة في العلاقات الدولية. هذا إلى جانب ما يرافقه دائما من هيجان وانفعال وتعاظم لمشاعر القلق ولو أن أغلبية الاغتيالات المعنية قد حوّلت ضحاياها إلى نوع من «الرموز»، كما يشير المؤلفان.
إن مؤلفي هذا الكتاب لا يبحثان عن «إلقاء أضواء جديدة على هذا الاغتيال السياسي أو ذاك، ولا التنقيب عن عدالة هذه القضية أو تلك أو عن أسباب الحقد الذي استهدف ضحايا السياسة.
ثم «إن خنجر بروتوس لا يصنع من قيصر إنسانا عادلا». ولكن المسألة المطروحة أولا وأساسا هي تقييم ما ترتب على «الجرائم» المقترفة من مردود على صعيد الحياة العامة للبلدان المعنية بها، ولقضاياها الوطنية أو حتى على مستوى العلاقات الدولية.
ومن خلال عملية إعادة توصيف دقيقة للمسارح التي عليها جرائم الاغتيال السياسي والإشارة إلى «مناطق الظل» التي لم يتم توضيحها حتى الآن، يقوم المؤلفان بربط زيادة تواتر الاغتيالات السياسية خلال نصف القرن المنصرم وكأنها «تعويض» عن تباعد المواجهات العسكرية بين القوى الكبرى وانحطاط الإيديولوجيات ذات النزعات الأكثر نضالية ونهاية الحروب الاستعمارية.
إن المؤلفين يدعوان في الواقع قارئهما للعودة السريعة إلى التاريخ المعاصر عبر مجموعة من «المحطات» المتمثلة في اغتيال قادة سياسيين بارزين في ظروف غامضة إلى هذه الدرجة أو تلك. ولكن كان لاغتيالهم جميعا عواقب كبيرة على «التاريخ المباشر» للسياق السياسي الذي انتهجوه وأحيانا عواقب أيضا على التاريخ الشامل بصورة عامة.
وهذا ما يصوغه المؤلفان بأسئلة من نوع: «كيف خرّب اغتيال إسحاق رابين منظور السلام في الشرق الأوسط وكيف كشف اغتيال الدو مورو النقاب عن جنون الإرهاب الأحمر اليساري المتطرف- في أوروبا خلال سنوات السبعينات الماضية»؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلفين «تقاسما» البحث في اغتيال ال16 شخصية عالمية التي يتعرضون لها.
العديد من الاغتيالات السياسية المدروسة لا تزال تحيط فيها هالة من الغموض. إذ بعد 50 سنة تقريبا مثلا من اغتيال جون كندي لا أحد يستطيع أن يقول ما هو اسم القاتل ولماذا جرى اغتياله. وتتم الإشارة هنا إلى أن «لي اوزوولد» الذي يدلّ عليه كُثر أنه القاتل ليس برأي مؤلفي هذا الكتاب سوى نوع من «التمويه» على القاتل الحقيقي.
أو القتلة الحقيقيين، ثم أنه قتل بعد ساعات فقط من وقوع الجريمة ضد رئيس الولايات المتحدة الأميركية.وتتم الإشارة بهذا الصدد أيضا إلى أن الرئيس جون كندي كان قد أعرب عن نيّته، قبل أيام من اغتياله، تقليص عدد القوات الأميركية المتواجدة آنذاك في فيتنام الجنوبية. وكان أخوه روبرت كندي قد اغتيل هو الآخر للأسباب نفسها، كما يبدو.
والقس الأسود مارتن لوثر كنغ لم يكن قد واجه البؤس والفقر حقيقة في حياته إذ كان ينتمي إلى الطبقة الوسطى الميسورة، كما يشرح المؤلفان، ولم يعرف التمجيد الذي عرفه إلا بعد اغتياله، من قبل أحد البيض ليصبح نوعا من القديسين.
والصحفية والكاتبة الروسية آنّا بوليتكوفسكايا التي اغتيلت قبل فترة وجيزة في موسكو، يتم تحميل قتلها النظام الروسي بسبب رفضها الخضوع لما يطلبه منها. ولكن هذا لا يمنع فلاديمير بوتين من التصريح، كما ينقل المؤلفان، قائلا: «إن مقتلها سيسبب من الأذى إلى روسيا أكثر مما تسببه مقالاتها». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن سنوات 2000-2006 شهدت حوالي 35000 عملية قتل في روسيا.
ومن الملاحظات أن الاغتيالات السياسية التي يتم التعرض لها تنتمي إلى مختلف قارّات العالم، مع ملاحظة المؤلفين، أن عمليات الاغتيال حدثت كلها في فترة كانت المناطق المعنية بها تمرّ في مرحلة دقيقة.
هكذا يتم ربط اغتيال الرئيس الجزائري لفترة قليلة- محمد بوضياف بصعود الحركات المتطرفة في الجزائر وربط اغتيال إسحاق رابين بانفتاح الأفق أمام مسيرة السلام في الشرق الأوسط واغتيال الصحفية الروسية بسيطرة الكرملين على وسائل الإعلام في منظور كسب الرأي العام.
المؤلفان في سطور
جان لاكوتور صحفي وكاتب سيرة فرنسي، حاز عام 2005 جائزة التاريخ للأكاديمية الفرنسية من أجل مجموعة أعماله التي بلغت عدة عشرات من بينها: «سيرة حياة ديغول» و«ميتران، تاريخ فرنسي» و«جمال عبد الناصر»، الخ.
وجان كلود غيبو هو كاتب وصحفي وناشر فرنسي، صدر له حوالي 30 عملا من بينها سلسلة من سبعة أجزاء حول «القلق المعاصر» والتي نال عليها عدة جوائز عالمية.
الكتاب: هل ماتوا عبثا؟ نصف قرن من الاغتيالات السياسية
تأليف: جان لاكوتور جان كلود غيبو
الناشر: سويل باريس 2010
الصفحات: 270 صفحة
القطع : المتوسط
Sont-ils morts pour rien ?
ean Lacouture, Jean-Claude Guillebaud
Seuil - Paris 2010
270P.

