تتناول روايات جوزيفين هارت الخمس السابقة الموضوع المثير للقلق المتعلق بقوة الحب، وهي تعود في روايتها الصادرة مؤخراً بعنوان «الحقيقة في ما يتعلق بالحب» لتناول الموضوع نفسه بكثير من التوفيق وأيضاً بغير قليل من الإخفاق في آن.

تفتتح هارت الرواية بآخر ما يمكن أن نتوقعه، بتيار الوعي لفتى مراهق، حيث سرد الحادثة القاتلة التي تعرض لها في أيرلندا عام 1962، قبل الانتقال إلى رواية آخر هو توماس ميدلهوف الملقب بالألماني والذي يمضي لحضور جنازة الفتى الراحل. ويقرب توماس بصورة متزايدة من عائلة أوهارا، فتوم والد الفتى الراحل يرغب في شراء شيء عائلي متوارث من توماس، الذي يلتقي بأوليفيا، أخت الفتى أغرب لقاء، وذلك من خلال حادث سيارة تخرج منه بالعديد من الخدوش، وبسيسي والدة الفتى، التي تكشف لها عن حزنها العميق، الأمر الذي يدفعه نحو تأملات في أسراره وقصص رعبه.

وبعد مقطع يعيد لنا أصداء جيمس جويس يروي على لسان الأم سيسي يصور علاجها بالصدمات الكهربائية في مستشفى للأمراض النفسية، تهيمن أوليفيا على الرواية، وعلى الرغم من نجاحها الظاهري، فإنها ترفض إطلاق العنان لغضبها حيال موت أخيها.

هكذا فإننا ندرك أن الرواية تسرد من خلال أربعة رواة، هم أولا الفتى الراحل و«الألماني» وسيسي وأوليفيا، حيث تختلط أوصافهم لمرحلة ما بعد موت الفتى المراهق مع تأملات وحوارات حول قصص حب أخرى ملتوية أو مفقودة على امتداد أربعين عاماً، حيث تجاهد الشخصيات للخروج بمعنى من المأساة، مأساة الفتى، مأساتهم ومأساة أيرلندا.

وفي حالة الأم، سيسي، نرى كيف أن حبها اليائس لزوجها وشجاعة ابنتها يجتذبانها بعيداً عن حزنها العميق.

وفي حالة توماس، الملقب ب«الألماني» ـ الجار العتيد للعائلة ـ فإننا نرى رجلاً يعرف حق المعرفة أنه: «بعد المأساة، يضيع الكثير من الناجين».

وفي حالة أوليفيا، شقيقة الفتى الراحل، نرى فتاة تظل شديدة الحرص على معانقة ما يمكن وصفه ب«سلاح الذاكرة».

ونلاحظ أن هذه الأصوات تتحدث بعاطفة وذكاء نافذين، وتصف حياتها بأسرها.. ولحظة إثر أخرى نصل إلى إدراك كيف أن موت الفتى يشكل حياة الجميع، جنباً إلى جنب مع ما يتعلمونه أحدهم من الآخر حول الحب والفقدان وما يقتضيه الأمر لتحمل الأمرين معاً.

وعلى الرغم من أن هذه الرواية القصيرة تعد من أبرز أعمال جوزيفين هارت، وحظيت على نحو ما سنرى حالاً بإشادات العديد من الكتّاب والنقاد البارزين، إلا أنها لا تخلو من عيوب لا يمكن أن تخفى على عين القارئ، حتى من الوهلة الأولى.

وربما كان أبرز هذه العيوب في الرواية أن ما يكشف عنه النقاب في النصف الثاني منها يوحي بالتعجل على نحو يفوق ما ينبغي في رواية من هذا النوع.

ومن عيوب الرواية أيضاً أن ميول الشخصيات إلى التأمل والاستبطان لا تساهم مساهمة حقيقية في إثراء الإنطلاق السردي.

ويتصدر الكاتب جون بانفيل الكتاب والنقاد الذين أشادوا بهذه الرواية، حيث يقول عنها: «رواية (الحقيقة فيما يتعلق بالحب) نسيج شعري طموح لمأساة عاذلية حدث قبل وقت طويل يدرج في تاريخ مأساوي وتواريخ زماننا. لقد عادت جوزيفين هارت إلى وطنها متوجة بالنصر».

ونقرأ في «تايم ليتراري سابلمنت» عن هذه الرواية أن: «في هذا الكتاب الملهم والمميز كتبت هارت تواحاً مؤثراً على ؟.. واستهلاك الرواية إنجاز شديد التميز.. وهناك أصداء من بيكيت وجويس في كتابة هارت، وخاصة في النسيج المقسم على نحو رائع».وبالمثل نقرأ في صحيفة «أيريش إندبندنت» القول عن هذا العمل: «مؤشر بعمق.. وهو يتجاوز حجمه بكثير.. إنها حكاية لا تعرف الحلول الوسط تستكشف آفاق الحزن، الخلاص والذاكرة».

وبدورها تقول صحيفة «تايمز» إن هذه الرواية: «حكاية قائمة، رويت بصورة جميلة، حول عبء لابد لنا جميعاً من أن نتحمله باعتبارنا بشراً. وهارت تمضي بنا إلى مكان كان حتى الآن، بالنسبة لمعظمنا، غير متخيل وليس بالإمكان تخيله».

وتتوقف صحيفة «إندبندنت» عند جانب محدد في الرواية، حيث تقول: «إن حوار هارت في هذه الرواية شيء فذ حقاً، يمزج بين الشعر والنزعة الطبيعية، مثل كتاب المسرح الأيرلنديين العظام. وهذا الكتاب عمل شديد الثراء حقاً».

وتبادر صحيفة «غارديان» إلى القول: «رواية شجاعة.. وشخصيات هارت تعيش في ما وراء نثرها الناري المتألق، ومن المستحيل نسيانها بعد الالتقاء بها».

وتقول صحيفة «ديلي ميل» عن هذه الرواية بإيجاز بالغ إنها «قصة أصيلة تحمل شعوراً عميقاً بالحب والفقدان».

أياً كان الأمر فإن «الحقيقة في ما يتعلق بالحب» تظل رواية على قدر كبير من الثراء، الذي ربما يظنه البعض تعقيداً، وليس من قبيل الصدفة أن نرصد التركيز الكبير فيها على الجوانب الأخلاقية، فالمؤلفة نفسها تشدد في أكثر من مقابلة أجريت معها على أن رواياتها «حكايات أخلاقية جميعها، وأنا أعرف أنها كتب حضارية ومثيرة للقلق، فأنت تفعل هذا، وهذا هو ما يحدث، وبمعنى آخر فإنها كتب تدور حول الإهمال الأخلاقي.

وأنا مهتمة أشد الاهتمام بالحاقة الأخلاقية للحياة وكيف نفلح في العيش، وعندما يعلو بك العمر، فإنك تعرف روحك، وفي بعض الأحيان فإنك تجدها شيئاً من المفزع أن تعرفه، وليس هناك مهرب من ذلك، ومن هنا فإنه في كل عام ينبغي عليك أن تفكر في ما تفعله بمزيد من العناية، لزنه في وقت لاحق لن يكون هناك مهرب من معرفة الذات».

وليس من قبيل الصدفة أن رواية هارت تبدأ بمأساة عائلة في أيرلندا، حيث يقوم فتى مراهق بنسف نفسه في حادثة بالمواد الكيماوية، ومن المهم أن نتوقف عند تشديد هارت على أن هذه الرواية لا تدور حول حياتها ولا تردد أصداء حياة عائلتها.وهي تقول في هذا الصدد: «يتعين أن يقف الكتاب منفصلاً عن أحداث حياتي، وإلا لو كان الزمر بخلاف ذلك فلماذا لا أكتب سيرتي الذاتية؟».

ومن المهم أيضاً أن نلاحظ تشديد هارت على أن القصة السائلية ليست إلا جزءاً يسيراً من «الحقيقة في ما يتعلق بالحب»، ذلك أن الكتاب يتسع نطاقه من خلال السرد عبر الرواة المتتابعين، حتى يتخيل للقارئ أن هارت تريد أن تثبت من يقرأ روايتها أمام جدار، عبر القصص الهادرة المتتابعة في الرواية.

وتظل في هذه الرواية مع عمل يحلق عبر نثر مثير للقلق وحاد وموجز، بلا أدنى قدر من الترهل اللفظي، يؤكد بصرامة أن المؤلفة لا تتعامل مع الحقائق المريحة في الحياة.

الكتاب: الحقيقة في ما يتعلق بالحب

تأليف: جوزيفين هارت

الناشر: نوف نيويورك 2009

الصفحات: 224 صفحة

القطع: المتوسط

The Truth About Love

Josephine Hart

Knof,N.y.2009

224P.