يعد استعراض الصحافة اليهودية الصادرة في مصر والوطن العربي في فترة ما قبل إنشاء دولة إسرائيل مدخلاً مهماً للقارئ العربي وغير العربي لملاحظة مقدار الحرية التي كان يتمتع بها اليهود العرب في طرح ما يشاءون من أفكار.
وذكر ما ينتقون من أخبار، للتعبير عن طموحات لم تكن مشروعة من وجهة نظر الكثير أو حتى مقبولة عند أهل البلاد التي كانت تخاطبهم تلك الصحافة اليهودية. كما أن عرض وتحليل تلك الموضوعات يبين حجم التناقض بين ما كان يعلن على صفحات الجرائد، وبين ما كان يبيت له في الخفاء مما كشفت عنه الأيام فيما بعد.
يتخذ الدكتور عبداللطيف في هذا الكتاب من جريدة إسرائيل التي أنشئت في 6 يناير عام 1919 الموافق 8 طبت عام 5693 العبرية نموذجاً للصحافة اليهودية باعتبارها من أقدم المطبوعات اليهودية التي كانت تصدر باللغات العربية والعبرية والفرنسية ذات الإطار التنظيمي الأقرب للمؤسسات الصحافية عن غيرها من المطبوعات اليهودية الأخرى.
في مقالاتها الافتتاحية كانت تركز باستمرار على دورها الطليعي في الدفاع عن الحق والحرية وإنصاف المظلومين والمطالبة بالإخاء البشري والسلام العام الذي تنشده الإنسانية.
مع التذكير باستمرار بآلام الشعب اليهودي ومعاناته بل واضطهاده وكفاحه في سبيل البحث عن وطن قومي يضم يهود الشتات من جميع أنحاء العالم.
وفي السياق نفسه، كان هناك محاولة لإيجاد رابطة معنوية بين يهود الشرق الذين لا يعرفون عن أحوال بعضهم البعض شيئاً، وصار اليهودي الشرقي على دراية بأحوال اليهود الشرقيين، إضافة إلى اطلاعه على أنباء العالم الإسرائيلي. وشددت افتتاحيات الجريدة، وباستمرار، على تحويل تلك الرابطة المعنوية إلى رابطة حقيقية عن طريق الدعوة لإنشاء مجالس يهودية مختلفة سواء ثقافياً أو اجتماعياً أو سياسياً، وبالطبع اقتصادياً.
وعن أحوال اليهود في فلسطين تنوعت الموضوعات التي تناولتها تلك الجريدة، غير أن متابعتها لكل الأمور التي تجري في فلسطين، وأن كانت صغيرة، يعطي فكرة عن التزام الجريدة بالخطة التي وضعتها وهي التعريف بيهود فلسطين وأحوالهم اليومية، وتقديم تلك المعلومات ليهود مصر على وجه الخصوص واليهود الشرقيين بشكل عام. والتزمت الجريدة حتى في نشر الأخبار الصغيرة المتعلقة بيهود فلسطين أو بمشروع فلسطين اليهودية بالخط الصهيوني الذي طبع الجريدة في مسيرتها الطويلة.
غير أن الأمر الذي كانت تؤكد عليه هذه الصحيفة، وباستمرار، هو التطور الزراعي والصناعي والعمراني الحادث في فلسطين والذي يستوجب ضخ المزيد من قوة العمل إلى السوق الفلسطيني وهو ما يعد مبرراً للهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين.
وبالغ اليهود في تضخيم حجم الضرر الذي سيلحق باقتصاد فلسطين بسبب عدم إطلاق الهجرة اليهودية لأن فلسطين كانت في أشد الحاجة إلى العمالة وإلى رؤوس الأموال، حتى أن مجلس اتحاد الصناعات الفلسطينية الذي كان يسيطر عليه اليهود اجتمع في 23 نوفمبر هام 1934.
وألقى باللوم على الحكومة الفلسطينية لأنها لم تشجع الصناعات المحلية وتركت سوق العمل للواردات الأجنبية، ولم تراع الحاجة الشديدة إلى الأيدي العاملة مع التأكيد باستمرار على ضرورة إزالة القيود المفروضة على المهاجرين والسماح لأصحاب المصانع ليستقدموا ما يحتاجون إليه من العمالة الصناعية.
كما اهتمت جريدة إسرائيل كثيراً بأخبار وأحوال اليهود حول العالم، خاصة في ألمانيا بعد وصول الحزب النازي إلى الحكم، وفي أوروبا باعتبارها معقل الأغلبية اليهودية خارج فلسطين.
كما أنها كانت ساحة مفتوحة للمؤتمرات والنشاطات الصهيونية. وتابعت الجريدة تحركات زعماء الصهيونية والتجمعات التي كانوا يلتقون بها في الدول الأوروبية سواء لحشد التأييد والدعم للبرامج الصهيونية أو لمساعدة يهود ألمانيا والعالم في هجرتهم إلى فلسطين وتهيئة الظروف المناسبة لتوطينهم اقتصادياً وسياسياً.
كما تابعت أخبار الأسر اليهودية واسعة الثراء في أوروبا الشرقية خاصة بلغاريا وبولندا والمجر ورومانيا والنمسا، وبداية الصعود اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية وتنظيماتها المختلفة خاصة نيويورك.
وعن أوضاع اليهود في مصر، لم ينصب تركيز الجريدة بشكل مناسب على أوضاع الطائفة المصرية من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بقدر تركيزها على أخبار وأوضاع اليهود في فلسطين والعالم.
المؤلف في سطور
الدكتور محمد عبداللطيف عبد الكريم باحث أردني، وزميل المعهد الدولي للتربية بباريس، والباحث بالمعهد الملكي للدراسات الدينية بعمان.
الكتاب: الصحافة اليهودية في مصر فيل عام 1948
الكاتب: د. محمد عبداللطيف عبدالكريم
الناشر: دار وائل للنشر والتوزيع عمان 2009
الصفحات: 160 صفحة
القطع: الكبير
محمد جمعة
