يسعى كتاب «تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج» الذي شارك فيه نخبة من الباحثين الأتراك والعرب، إلى دراسة التطورات والتغيرات البنيوية التي حدثت في تركيا على مستوى الدولة والمجتمع منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم منذ عام 2002 حتى الآن، والى معرفة ما إذا كانت التغيرات التي شهدتها تركيا خلال السنوات السابقة شيئاً طارئاً معرضاً لأن يزول بزوال هذا الحزب، أم أن ما حدث من تغيرات هي من العمق والمتانة بحيث لا يؤثر فيها تغير السياسات التي تتغير بتغير الأحزاب المتداولة على السلطة.
يجري الكتاب إطلالة على تركيا، الدولة والمجتمع، كتبها الباحث علي باكير الذي ألقى الضوء فيها على مكونات المجتمع التركي حيث يغلب الطابع العمري الشاب على التركيبة السكانية، وهذا يعني أن تركيا دولة فتية تتمتع بديناميكية شابة مقارنة بشعوب أوروبا، التي أصبحت تعاني من انخفاض كبير في هذه الفئة العمرية حتى وصفت ب«القارة العجوز».
حيث يبلغ تعداد القوة العاملة الشابة في تركيا حوالي5,23 مليون نسمة أي ما يفوق التعداد السكاني لسوريا على سبيل المقارنة، مما يؤهلها لأن تكون بالنسبة لأوروبا كالصين بالنسبة للعالم لاسيما في مجال الصناعات الخفيفة والمتوسطة واليد العاملة الرخيصة.
بعد ذلك حاول أستاذ الاقتصاد في جامعة مرمرة إبراهيم اوزتورك إلى فهم وتحليل التحولات التي طرأت على الاقتصاد التركي، فقد بدا اقتصاد البلد بسلسلة من الإصلاحات في اتجاه اقتصاد السوق سنة 1999 وفق رؤية صندوق النقد الدولي، لكن هذه الإصلاحات انتهت بأزمة اقتصادية عميقة سنة 2001م كان من نتائجها زيادة معدلات التضخم والعجز في خزينة الدولة.
في هذه الفترة سقطت حكومة بولند اجاويد ونجحت حكومة حزب العدالة والتنمية التي تعلمت الدرس، فغيرت جملة معتبرة من الافتراضات والمبادئ الأساسية التي اعتمد عليها صندوق النقد الدولي في وصفته لعلاج الاقتصاد التركي.
وكانت نتيجة هذا التحول أن زاد الناتج القومي من 300 مليار دولار إلى 750 مليار دولار، ولتحتل تركيا المرتبة السادسة عشر في ترتيب الاقتصاديات على المستوى العالمي.
ويدرس، طارق عبد الجليل، الأستاذ في جامعة عين شمس، دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية التركية.
ولعل أولى الإرهاصات تبدأ مع اتجاه الدولة العثمانية في فترة التحديث في مؤسساتها إلى محاولة تطويره باقتباس أحدث ما توصلت إليه العقلية العسكرية الغربية، ما أدى إلى اضطلاع الضابط العثماني على مفاهيم الثقافة الغربية والثورة الفرنسية، الذي دفعه إلى تشكيل منظمات عسكرية تمكنت من القيام بانقلاب عسكري على تحت مسمى (حزب الاتحاد والترقي) وزجوا بها في أتون الحرب العالمية الأولى، وكانت النتيجة تفكك الدولة العثمانية ووقوع الأناضول تحت الاحتلال.
وبمجرد أن تحقق النصر في حرب الاستقلال، قام مصطفى كمال بثورة سياسية داخل البلاد، اعتمد فيها على الجيش كدعامة أساسية له. وقد استمر الجيش يمارس سيطرته التامة على الحياة السياسية مكررا أكثر من مرة انقلاب عسكريا بدعوة الحفاظ على علمانية الدولة حتى وصلنا في عام 1997 إلى الإطاحة بأبناء حركة الرفاه.
ويرى عبد الجليل أنه ليس هناك ما يدفع إلى القول بان عهد تدخل الجيش في السياسة قد ولى، بالرغم من أن عهد الانقلابات العسكرية في تركيا بات في ذمة التاريخ، لأن حق تدخل الجيش في الحياة السياسية لا يزال مكفولا له في دستور1982م الحالي لحماية مبادئ الجمهورية.
ولذلك فإن جهود حزب العدالة والتنمية لسن دستور مدني جديد، يهدف إلى وضع المؤسسة العسكرية في مكانها الدستوري الصحيح وفق معايير النظم الديمقراطية الحقيقية.
وبخصوص السياسة الخارجية التركية، يرى د. محمد نور الدين بان تطورات تسعينيات القرن العشرين أخذت توفر بداية تحول في بعض السياسات الخارجية التركية من بعض القضايا.
فالأحداث في البلقان ولا سيما المجازر في البوسنة وكوسوفا خلقت مزاجا تركيا، إسلاميا في العمق، ضد سياسات الغرب المتساهلة مع جزاري البوسنة من الصرب، وفي العراق كان الوضع الأكثر خطورة هو الوضع الذي اتخذته منطقة شمال العراق، والذي أفضى إلى نمو كيان كردي يتمتع بكل خصائص الدولة المستقلة.
إلا أن هناك حدثان بارزان شكلا بعد ذلك ركائز لاهتمام تركي واسع وعملي بمنطقة الشرق الأوسط، وهما صدمة الحادي عشر من سبتمبر 2001 وغزو العراق.
أما العلاقات التركية الإيرانية، فيعتبر الباحث التركي حقي لوغور، أنه ربما من المفيد فهم طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، لأن تركيا تمثل تجربة مهمة سواء بالنسبة للإنسان العادي في الشارع الإيراني، أو بالنسبة لمسؤولي الثورة الخمينية، خاصة أن تجربة الحداثة التركية قد أثرت في إيران، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، منذ بدايات القرن التاسع عشر. كما يمكن ملاحظة أن الجوانب الايجابية في العلاقة بين البلدين تطغى على الجوانب السلبية.
العثمانية الجديدة
ان مناخ قرارات 1997 قد انعكس ايجابيا على مراجعات قيادات الإسلام السياسي، التي تمخض عنها ذلك الجناح التجديدي المعتدل بقيادة اردوغان، والذي يمثل رؤية عرفت ب«العثمانية الجديدة»، التي تعد امتدادا لرؤية الرئيس التركي الراحل توغوت اوزال وتقوم على الانفتاح تجاه مختلف التيارات والقوى الوطنية.
الكتاب: تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج
تأليف: مجموعة من المؤلفين
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم -بيروت 2010
الصفحات: 240 صفحة
القطع : الكبير ة
محمد تركي الربيعو
