تبدأ الباحثة «نجاة علي» كتابها «المفارقة» في قصص يوسف إدريس القصيرة بالبحث عن دلالة المصطلح الذي أرخت له فى القاموس اللغوي والنقدي العربي، والكثير من الدراسات الأجنبية.

فقد أوردت المؤلفة بعض الكتاب ممن تناولوا «المفارقة».. تعرفها «نبيلة إبراهيم» بأنها تعبير بلاغي يرتكز أساسا على تحقيق العلاقات الذهنية بين الألفاظ أكثر مما يعتمد على العلاقة النغمية أو التشكيلية.. وللمفارقة أربعة عناصر: وجود مستويين للمعنى (المستوى السطحي والمستوى الكامن). لا تدرك المفارقة إلا من خلال إدراك التناقض أو التعارض بين الحقائق على المستوى الشكلي للنص. غالبا ما ترتبط المفارقة بالتظاهر بالبراءة، أو حتى السذاجة أو الغفلة. لابد من وجود ضحية.فيما أتاحت دراسة «المفارقة فى روايات نجيب محفوظ» ل«حسن حماد»، فرصة تبرير تعدد التعريفات والرؤى للمفارقة، مع صعوبة تحديد تعريف شامل عام لها. ويرجع «حماد» صعوبة تعريف المفارقة إلى عدة أسباب:

أن هذه التعريفات تأتى دفعة واحدة، دون إيضاح لتطورها الدلالي.. أنها تأتى منزوعة من سياقها الفكري والتاريخي على نحو يجعلها ملتبسة.. أن هذه التعريفات تأتى من حقول معرفية مختلفة.. لأن المفارقة أصبحت جسدا كبيرا من المرايا البلورية المتعددة (متعددة الرؤى).

ويؤكد «ميوك» أنه لا يوجد تحديد واضح للمفارقة، ويؤكد أن سبب الصعوبة يرجع إلى وجود نوعين من المفارقة: «مفارقة الموقف» وهى الناتجة عن موقف ما، ولا تشترط وجود شخص ما يقوم بالمفارقة، بل هي حالة أو نتيجة أحداث يتم إدراكها كنتيجة للمفارقة.. بينما «مفارقة اللفظ» لابد أن تتضمن وجود شخص «صاحب المفارقة» أو يقوم بها وينفذها.

لذا ذهب «ميوك» إلى وجود ثلاث عناصر للمفارقة: تضاد المخبر والمظهر (أي أن الشخص يقول شيئا، لكنه يعنى شيئا آخر).. العنصر الكوميدي (المتمثل فى التضاد والتنافر بالإضافة إلى الغفلة).. عنصر التجرد (وهو يوجد أحيانا فى أسلوب صاحب المفارقة، أو فى الموقف الفعلي لصاحب المفارقة).

أما «يوسف إدريس» الذي يثير مباشرة قضية «القارئ الضمني» فيقول: «أكتب كي يتمثلنى القارئ وهو يقرأ، لا أن أتمثله وأنا أكتب»، وهو بذلك يلعب على فكرة استثارة الوعي عند القارئ.. لذلك ابتعد «إدريس» عن التأثير العاطفي، ونقل القارئ إلى منطقة تحليل النص أو القصة.. وبذلك تتحقق المشاركة بين القاص والقارئ.

وتظهر رغبته فى التواصل مع القارئ من خلال: استخدام أشكال التخاطب المباشرة، باختيار اللغة السهلة ويرى أن فى اللهجة العامية استعارات ثرية..

كما يستخدم ضمائر المخاطب (المفرد والجمع) والمتكلم.. وهو ما أطلق عليها «صلاح عبدالصبور» اسم «الفصاحة الجديدة». وهو ما دافع به «إدريس» عن نفسه ذات مرة قائلا: «أنا ملتزم فى كتاباتي بقواعد الحياة، وليس بقواعد النحو.. لذا تعودت أقول عن مجموعتي «أرخص ليالي» وليس «أرخص الليالي».

وتعكس الساخرة اللفظية عند «إدريس» وعيا ضديا، حتى وصفها النقد فى مرحلته الأولى بالبعد التعليمي، وهو البعد الذي جعله يقول: «القصة وسيلة سهلة ومهمة للمعرفة تفوق في رأيي وسائل المعرفة العقلية المجردة».

بينما تمكن وظيفة المفارقة عنده، فى مرحلة تالية، فى أنها تقوم ببعد فلسفي، فهي تقوض تيار الواقع الفعلي كله، وتقوم بهدم الوان اليقين الموضوعي الفلسفية والاجتماعية.

فى قصة «أكبر الكبائر» يتواصل مع القارئ، ويخلق معه علاقة حميمة، كي يتمكن من التواصل معه، فيقول: «لا يخيفكم الاسم، القصة نفسها تميت من الضحك» ص55(مجموعة بيت من لحم).

وفى تلك القصة أيضا يستخدم الكاتب عدة ضمائر، وتتعدد صيغ المخاطب. فهو ينتقل من ضمير المخاطب ل«أنتم» إلى ضمير الغائب، وهو يطرح السؤال حول «محمد حسين» الذي مارس الجنس مع «صابحة» زوجة خطيب المسجد «إن كان ما فعله ولا يزال يفعله حراما، وهل ممكن أن يدخل النار بسببه؟».

والواقع انه لا يطرح السؤال للإجابة عليه المعروفة سلفا وحتما، لكنه بنظرة ساخرة يدعو إلى إعادة منظومة القيم فى المجتمع والبحث فيها. وفى آخر مقطع من القصة ينتقل الراوي من ضمير (هو) إلى ضمير (نحن): «ومن ناحيتنا كثيرا ما تداولنا نحن الصغار...».

وفى الانتقال إلى ضمير المتكلم (أنا) يبرز رأى الراوي الفعلي الساخر، يقول: «ربما هذا الإجماع الغريب هو الذي جعلني أفكر فى الأمر بيني وبين نفسي، وأكاد أضحك على هاتف ساخر عربيد أمامي، يؤكد لي ويقسم أن الشيخ «صديق» هو داخل النار، ومن أوسع الأبواب»

(القصة نفسها ص66.

يتضح من المثال استعانة الكاتب بالمفارقة الساخرة، حتى بدت القصة وكأنها مجموعة من المفارقات الجزئية، وهى مثلا واضحا للمفارقة عند «يوسف إدريس».

المؤلفة في سطور

شاعرة وباحثة مصرية، حصلت على درجة الماجستير من كلية الآداب ـ جامعة القاهرة عن «المفارقة في قصص يوسف إدريس القصيرة»، وفازت بجائزة «طنجة» في المغرب أخيراً.أصدرت ديوانين، «كائن خرافي غايته الثرثرة» عن «المجلس الأعلى للثقافة» و«حائط مشقوق» عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب».

وترجمت قصائدهما إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وقيد الطبع ديوان «مثل شفرة سكين» ودراسة نقدية بعنوان «بلاغة المفارقة في قصص يوسف إدريس القصيرة».

الكتاب: المفارقة فى قصص يوسف إدريس القصيرة

تأليف : نجاة على

الناشر: المجلس الأعلى للثقافة 2009

الصفحات: 225 صفحة

القطع: الصغيرة

السيد نجم