يهدف كتاب «إشكالية بناء الثقافة المشاركة في الوطن العربي» لمؤلفه حسين علوان، للتأكيد على أن بناء ثقافة المشاركة السياسية يساعد على تكريس الممارسة الديمقراطية، ويشجع على تكوين مؤسسات المجتمع المدني.

وبالمقابل فإن غياب تلك المشاركة يعرقل عملية التحول الديمقراطي، ويبقي المجتمع تحت سيطرة «الزعامات الفردية» و«السلطة التقليدية » و«الأنظمة الدكتاتورية».أما الهدف الآخر للكتاب، فيتمثل في تحليل أزمة الدولة العربية وأثرها في بروز إشكالية بناء ثقافة سياسية مشاركة، وذلك من خلال تناول الأسس المطلوبة لهذه الثقافة ودوافع العمل على بنائها، والأهداف المرجوة منها، فضلاً عن الكوابح المعرقلة لهذا البناء.فأزمة أنظمة الحكم العربية التي لازمت الدولة العربية حتى الوقت الحاضر تعود في جوهرها إلى استفراد تلك الأنظمة بالساحة السياسية ورفضها لتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، الأمر الذي أدى إلى بروز «ثقافة سياسية رعوية متخلفة» تنمي الدكتاتورية وتحرض على «التسلط السياسي».

ومازاد الأمر تعقيداً استمرار رفض النخب الحاكمة العربية، لمطالب القوى والأحزاب والحركات السياسية، في إعادة بناء الثقافة السياسية على أساس ديمقراطي يضمن المشاركة السياسية للمواطني من خلال «التحول الديمقراطي المؤسسي»، بحيث بقيت هذه الأنظمة تعيد إنتاج «أسباب الإخفاق السياسي» و«عوامل الأزمة السياسية».

وتقوم الرؤية التي يقدمها الكاتب لتفعيل دور المشاركة السياسية في الوطن العربي على تحديد الأسس والدوافع والأهداف وتشخيص الكوابح.

بالنسبة للأسس المحددة لبناء الثقافة المشاركة فتقوم على سعي الدولة ل« توحد الجماعات السياسية » والكف عن دعم العصبيات الفردية والزعامات التقليدية. فالدولة اليوم عامل تفرقة في المجتمع على النقيض مما هو مطلوب منها في إدماج وتوحيد المجتمع. أما المعضلة الأخرى فتتمثل في «انفصال الدولة عن المجتمع»، وهذا الأمر يعود بحسب تأويل المؤلف إلى أن الدولة مرتبطة بنشأتها المدعومة من قبل القوى الاستعمارية.

فالدولة العربية جاءت لتكريس التجزئة في المجتمع العربي، لأنها خرجت إلى الوجود بعملية قيصرية خارجية، ولم تنشأ في محيطها الاجتماعي بنشأة طبيعية، ولذلك فإن هذه الدولة لا تستطيع أن تلعب دوراً «خلاصياً» ينجز التقدم المنشود.

أما دوافع بعض الدول العربية لتبني سياسات ديمقراطية، فإن المؤلف يرجعها، إلى مجرد إجراء سياسي لاحتواء الأزمة الضاغطة عليها، وتفادي مخاطر تصاعدها واحتمالات تحولها إلى أعمال عنفية.

ولذلك فإن المؤلف يرسم للدولة طريقا للتحديث السياسي، يقوم على إيجاد حلول لأزمة الطبقات الوسطى المهددة بالسقوط جراء الفشل الذي لازم مشروعاتها. فالطبقات الوسطى تريد المشاركة في السلطة لتحمي نفسها من خطر السقوط، وذلك عن طريق المطالبة بالديمقراطية لكسب تأييد «النخب الشعبية» في هذا الصراع.

ولذلك يؤكد المؤلف على ضرورة تحقيق «التوافق» بين طموحات ومصالح الطبقات الوسطى والنخب الشعبية لأن هذا التوافق هو الكفيل بتفعيل عملية التغيير الديمقراطي وتواصلها، وهو الكفيل بتحقيق أكبر قدر ممكن من الضغط على «الدولة الغير شرعية»، التي لا تتخلى عن تسلطيتها بهذه السهولة.

أما الأهداف التي يسعى المؤلف لوضعها لرؤيته حول تفعيل الثقافة المشاركة فهي التأكيد على المواطنة، المجتمع المدني، التداول السلمي للسلطة. وفيما يتعلق بالمواطنة فلا بد من الانتقال من النظرة إلى الأفراد والجماعات من موقع الرعايا التابعين إلى موقع المواطنين المشاركين.

وبالرغم من أن معظم الدساتير العربية تنص على حقوق المواطنة لأفراد الشعب، فإن هذه الحقوق مباحة ومنتهكة من الناحية العملية.

وتكمن القيمة الحقيقية لمؤسسات المجتمع المدني، بنقل العملية السياسية إلى مستوى العمل المؤسسي، فوجودها هو العمود الفقري للممارسة الديمقراطية. أما من الناحية الواقعية فإن هذه المؤسسات ما زالت تعاني من «تسلط» الدولة.أما الحل الذي يدافع عنه المؤلف للخروج من تلك الأزمات، فهو « تداول السلطة » بشكل سلمي وديمقراطي. وهذا أمر أيضاً نفتقد إليه، لأن القلق المتزايد الذي يسيطر على النخب الحاكمة بشأن شرعيتها وأمنها، قد انعكس تلقائياً على مسار التغيير الديمقراطي.

أما أهم القوى المناوئ للتحول الديمقراطي وتفعيل ثقافة المشاركة فهي ـ بحسب المؤلف ـ الزعامات الفردية لشيوخ العشائر والزعماء المحليين ورموز السلطة التقليدية من رجال دين وطوائف، بالإضافة إلى الأنظمة الديكتاتورية.

وتعود معارضة تلك القوى للديمقراطية لأن هذه الأخيرة ستنال من مكانتها ومصالحها، وستهدد انفرادها المطلق بالسلطة، ولذلك ستبقى هذه القوى من أكبر العقبات أمام التحول الديمقراطي.

المؤلف في سطور

د. حسين علوان، أستاذ العلوم السياسية المقارنة في كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد. له بعض الاهتمامات الأدبية والتي أسفرت عن تأليفه لمسرحية (سوناتا الركام 2004).

الكتاب : إشكالية بناء الثقافة المشاركة في الوطن العربي

تأليف : د. حسين علوان

الناشر : مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت 2009

الصفحات: 160 صفحة

القطع : المتوسط

د. رشيد الحاج صالح