مع صدور الرواية السادسة للروائية والشاعرة الأيرلندية جوزيفين هارت بعنوان «الحقيقة فيما يتعلق بالحب» أجرى موقع «ليفينج سكوتسمان» الثقافي الالكتروني هذا الحوار معها.

حيث أوضحت الأسرار الكامنة وراء اشتغالها على كل كلمة في هذه الرواية القصيرة على امتداد سبع سنوات كاملة، مشيرة إلى أن جانباً من صعوبة نص هذا العمل الذي وصفته بأنه الأكثر تحققاً من بين أعمالها يرجع إلى أنه يتم سرده على لسان أربعة رواة مختلفين. وفيما يلي نص الحوار:

فيما تنطلق رواية جوزيفين هارت الجديدة نحو نهايتها المخلصة عبر الموت، تحكي أوليفيا، الرواية الرئيسية فيها كيف أن أمها اعتادت أن تقول: «إنك تعيشين الآن بتلك البركة العظيمة، حياة خاصة مفعمة بالحب». وتقول أوليفيا: «لقد أحببت تلك العبارة آنذاك، وما زلت أحبها الآن».

وهي عبارة تحبها جوزيفين هارت نفسها، وهي تسلم بأن هذه السطور ربما كانت أكثر السطور ارتساماً بالطابع الشخصي وطابق سيرة الحياة الذاتية في «الحقيقة في ما يتعلق بالحب»، التي يعتقد الكثيرون أنها ستفوز بجائزة بوكر لهذا العام.

تقول هارت لدى اللقاء معها في شقتها في الباني، وهو مبنى يعود إلى القرن الثامن عشر في بيكاديلي بلندن، والذي يتمتع هو نفسه بارتباطات أدبية شديدة الثراء، حيث أقام فيه لورد بايرون، كما أنه يشكل الخلفية للفصل الأول من أعمال أوسكار وايلد الشهير، تقول: «إنني لا أستطيع تصديق أن سبع سنوات قد انقضت على صدور روايتي الأخيرة، وذلك على الرغم من أنني قمت أيضاً بإعداد مجموعتين شعريتين بما فيهما ديوان «الكلمات التي تحترق» الذي صدر في نوفمبر الماضي.

وتوضح هارت السر في أن الانتهاء من روايتها «الحقيقة في ما يتعلق بالحب» قد استغرق منها كل هذا الوقت الطويل، مشيرة إلى أن الرواية تتناول الحب بكل أشكاله العديدة، من الحب الرومانسي إلى حب العائلة.

وكذلك من يقتلون من أجل حب بلادهم، وتقول: «لقد اقتضى مني هذا الكتاب، على الرغم من أنه ليس طويلاً، العمل على كل كلمة فيه. وربما كان العمل الأكثر تحققاً من بين كتب كلها، ومن المؤكد أنه كان كتاباً صعباً للغاية في تأليفه».

وهذه الرواية هي الأولى التي جعلت هارت خلفيتها أيرلندا، وربما كان من الممكن جعل عنوانها «الحقيقة في ما يتعلق بالحزن»، فهي تستهلك على نحو صادم بالأطلال على ذهن فتى مراهق يحتضر بعد أن أقدم على عمل أخير من أعمال الحب يخترق القلب اختراقاً.

وتحكي هارت بنثرها الموجز والمميز كيف أن هذه المأساة تترك بصمتها على والدي الفتي، اللذين يتعرض حبهما أحدهما للآخر للاختبار وصولاً إلى نهايات جحيمية للقدرة على الاحتمال، وعلى أخته أوليفيا، التي تعد الصوت الرئيسي بين الرواة الأربعة للكتاب.

حيث يشكل موت أخيها على صدر حياتها، ثم تتابع ما يجري في ما يتداعى جارهم الألماني، المثقف والأديب، تحت ثقل علاقة حب قدر لها أن تصل إلى نهايتها المحتومة.

ويكاد الحزن على الابن الميت يقضي على الزم، سيسي، التي سبق لها بالفعل أن فقدت ابنه. وهي تقول في ما زوجها يحاول إعادتها إلى الحياة على جناحي الحب: «إنني لست جذعة لشيء إلا إلى ما لا يمكنني الحصول عليه، ولسوف أتضور جوعاً داخلياً وخارجياً، من دونه». وبالفعل تتم معالجة سيسي من حزنها عن طريق الصدمات الكهربائية في مستشفى للأمراض النفسية.

وتوافق هارت على أن هذا الكتاب هو الأكثر اتساماً بالطابع الشخصي من بين أعمالها ذات الطابع الأخلاقي الذي لا يعرف الحلول الوسط، وهي تشير إلى أن حياتها قد تأثرت بمأساة على نحو مماثل، فعندما كانت في السابعة عشرة من عمرها كان اثنان من أخوتها الثلاثة وأخت لها قد ماتوا. وهارت هي الكبرى من بين خمسة أخوة.

وهي تتحدث بتردد عن تاريخها الغريب، فقد مات أخوها تشارلز بعيد عيد ميلاده الأول، ثم تلته شيلا، وهي في عامها الثامن، والتي كانت قد أصيبت بالشلل. أما إيون فقد قتل في حادثة وهو في السادسة عشرة من عمره، وتحرص هارت على التزام الصمت حيال تفاصيل الحادثة، مكتفية بالقول:

«لا يمكنك أن تمتلك موت شخص آخر».وقد انتقل ديرموت، شقيق هارت الذي بقي على قيد الحياة إلى أستراليا وهو لا يزال شاباً، بينما بقيت هي في الدار مع أبويها إلى أن بلغت الثانية والعشرين من عمرها، مؤثرة ذلك على الذهاب إلى الجامعة. وقد توفيا وبقي منهما حبهما الكبير الذي تقاسماه، وعلماها فضيلة الحب، حسبما تقول، مضيفة إنها بالتأكيد لم ترسم صورة قلمية لهما في روايتها.وهي تقول في هذا الصدد: «سيسي على وجه التحديد شخصية مختلفة تماماً عن أمي، ولكنني بعد أن رأيت ؟

المذهلة بالحياة، فإنن لا أزال حتى اليوم أحس بالذهول حيالهما، حيث أن الكيفية التي حققا بها هذذه الصلة تتجاوز الإدراك بالنسبة لي. ولذا فإنني آمل أنه على الرغم من أن الكتاب يقول إن الحب خطير، فإنه يقول أيضاً إنه نبع فضيلة عظيمة، وإنه يعيش في أعماق هذين الزوجين اللذين تم اختبارهما على نحو يتجاوز أي شيء، واللذين لم يحنيا رأسيهما في استسلام، وإنما تواصلا مع الحياة، على نحو ما فعل أبواي».

وهي تأمل أن القراء سيمعنون التفكير في روايتها بمزيد من العناية وزن يدركو مدى جمال الحب وروعته وقدرته على الانتصار في مواجهة الظروف.

وقالت: «من المؤكد أنني كنت خلال شبابي شاهدة على هذا الحب، ولكنني لم أعالجه في أعمالي من قبل. وقد اتخذت قراراً بأنني لن أكتب أبداً عن عائلتي، حيث لم أر أن هناك هدفاً أخلاقياً يمكن تحقيقه في غمار ذلك كله، وقد اعتقدت أن تمحيص هذا الجزء من حياتي في كتاباتي سيكون شيئاً فظيعاً».

توضح هارت أن هذا هو السبب في أن كتبها السابقة قد اتخذت مسرحاً لأحداث بيئات غريبة بكل المعاني، وغالباً ما كتبت على لسان رواة من الرجال.

وقد جعلت أحداث عديدة هارت تغير رأيها. وقد قال كاتب أيرلندي رفضت هارت الكشف عن هويته لأحد أصدقاذها يوماً: «لست ألهم السر في أنها لا تتناول هذه المادة، لأن هذه المادة مهمة بالفعل. وتقول هارت إنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر: «عرفت أنه في رماد ذلك اليوم سيتتبع الجيش الجمهوري الأيرلندي النمط العام لهزيمته، وقد كانت قوة الحادي عشر من سبتمبر عميقة على الاتفاقية الأيرلندية».

وتتابع: «كتابي له هذا التاريخ المزدوج، التاريخ العائلي لمأساة والتاريخ المأساوي لأيرلندي. كان عليّ أن أكتب عن الذاكرة الوطنية.

وأردت أن أوضح هذا الحب العنادي لبلد أو لإنسان، الذي ننظر إليه باعتباره قوة حميدة، بحسبانه قوة خطرة إلى حد كبير فعلاً، لأنه بالنسبة للكثيرين تكمن في أعماق ذلك الحب الغفران التام لما ربما يكونون قد أتوه».

وقد تلقت هارت تعليمها في ديرين، وفازت بمنحة تؤهلها للدراسة في سانت لويس، وهي مدرسة داخلية في كاريكما كروس عرفت بصرامتها الأكاديمية البالغة.

وهي تقول: «إنني أعرف زنه لم يعد هذا زمان الإشادة بالراهبات ولكن هاته النسوة علمتني تعليماً متألقاً حقاً، وقد تميزن بعشقهن للأدن، وكان ذلك زمر ملهماً. وكنت طفلة محبة للكلمة، وترك لي تعليمي ذهناً منضبطاً وقدرات كبيرة على التركيز والكثير للغاية من الذكريات الجميلة».

وتضيف: «لكنني أيضاً تأثرت على نحو عميق بفكرة التضحية. وكان أبطال أيرلندا قريبين زمنياً بالنسبة لنا، وكنّا على وجه التقريب في حالة عشق لهم. وها نحن الآن نتابع الشيء نفسه في حالة التوتر المحتدم التي يشهدها العالم حالياً، وخاصة في الشرق الأوسط».

وعن كونها أيرلندية تقول إنها ميزة كبيرة، فرد فعل الناس حيال الأيرلنديين إيجابي عادة، وعندما تسمع صوتها مسجلاً على شريط فإنه يبدو لها فظيعاً، ولكن الناس يقولون دوماً إنهم يحبون اللكنة الأيرلندية.

وعن الموت تقول هارت: «إننا نولد لنموت، ولكن في أعماق تلك الحقيقة أيضاً شيء من الجمال العظيم. فلأن الحياة تجربة لها نهايتها يكمن في قرارة ذلك توقيرنا لها ولحياة الآخرين، وذلك بالنسبة لي هو على وجه التقريب بداية سلوك أخلاقي تجاه الآخرين».

المؤلف في سطور

قدمت الروائية الأيرلندية جوزيفين هارت للساحة الأدبية العالمية ست روايات شهيرة، أولها رواية «ضرر» التي أصدرتها عام 1990 حول سياسي يقع في حب خطيبة ابنه، وقد تصدرت قائمة أفضل الكتب مبيعاً في إنجلترا لفترة طويلة وتم تحويلها إلى فيلم لعب بطولته جيرمي أبرنز وجولييت بينوشيه، ومنها روايات «الخطيئة» و«نسيان» وأحدثها رواية «الحقيقة في ما يتعلق بالحب» وقد ترجمت أعمالها إلى سبع وعشرين لغة مختلفة.

منى مدكور