تعتبر مسرحيات الكاتب البلجيكي «موريس ميترلينك» ثورة على المذهب الطبيعي الذي أرسى قواعده في المسرح أميل زولا؛ هنري بيك.. وغيرهم.

بدأت هذه الثورة في ميدان الشعر في فرنسا؛ عندما أعلن شعراء الرومانسية الجديدة تمردهم على شعر «البارنسيين» الرسمي والبارد. وحين أعلنوا أنهم رمزيون من أمثال ملارميه وبول فيرلين؛ فقد وجدوا أن الحياة لا يمكن تصنيفها أو تحديدها وأن هناك الكثير من العواطف والأحاسيس التي قد لا تخدم علماء الاجتماع في شيء ومع ذلك فهي ترمز للوجود كله. وعلى صعيد المسرح وجدت هذه الحركة صداها عند ميترلينك.تنظر الفلسفة الرمزية إلى الإنسان والحياة من حيث أن الذات هي الأصل ومن خلالها نرى مظاهر الوجود .. وأن هذه المظاهر لا تنكشف لنا حقائقها إلا من خلال الحلم. فالمذهب الرمزي يربط بين عالمين.. العالم المادي والعالم الغيبي في وحدة الرمز.. ويضيء كل جانب ضوءه على الآخر.

يقول بودلير: ليس كل ما في الأرض إلا وجود جزئي؛ وما الحقيقة الحقة إلا بالحلم.

أعمال ميترلينك

تأثر ميترلينك بالفلسفات الروحانية والميتافيزيقية؛ ورغم أن تعليمه الديني لم يهبه إيماناً قوياً بالله وبالكنيسة ؛ إلا أنه آمن بالروح إيماناً عميقاً. بعد أن قدّم الشاعر الشاب ؟ وهو «فلندري» يتكلم الفرنسية ؟

مجموعته الشعرية الأولى؛ وكان قد استقر في باريس؛ سلسلة مسرحيات من فصل واحد؛ ذات مضمون رقيق ومن هذه المسرحيات «العميان» (عام 1890) و« الدخيلة» (عام 1890) و«موت تانتاجيل» (عام 1891).

وقد مثلت هذه المسرحيات فرادة وإدهاشا إبان تقديمها؛ لأنها أنشأت علاقة جديدة بين الشخص والمناخ؛ وأعطت المناخ الأولوية؛ في سياق من التعبير واللاتعبير ومن الأبدي والحاضر.

وتتوضح طريقة مترلينك جزئياً؛ في تحريض الخبرة الصوفية وحالة اللاوعي بشكل مسرحي من خلال نظريته عن المسرح (السكوني) فقد أعلن في مقالته «تراجيديا كل يوم» من كتابه «كنز المتواضع» 1896 أن مهمة الشاعر هي كشف الخصائص الخفية واللامرئية في الحياة أي عظمتها وبؤسها اللذين لا علاقة لهما بالواقعية.

فإذا ما بقيا عند المستوى الواقعي سنظل جاهلين لهذا العالم الأبدي؛ وبالتالي للمعنى الحقيقي الموجود في القدر أي الحياة والموت يجب على الشاعر أن يتعامل مع الامرئي؛ ما فوق الإنساني اللانهائي.

وقد استعان ميترلينك بأعمال اسخيلوس كنماذج للدراما التي لا تتضمن حركة أو حادثة ؛ وإنما حدث «سايكولوجي» فقط . وبهذه النظرة تتسع الدراما الرمزية لتلتقي مع كل التجليات المسرحية للحلم والخيال. وفي نهاية المطاف؛ أليست الأحلام هي المادة التي تُكون المسرح؟ حسب تعبير ج.ل.ستيان .

كان المشهد في مسرحية «العميان» عبارة عن جزيرة. حيث نرى غابة قديمة جداً؛ أبدية المظهر تحت سماء مليئة بالنجوم وعلى الخشبة ست نساء مكفوفات واحدة معها طفل.

وهذا الطفل مبصر إلا أنه لا يستطيع الكلام والجميع ينتظرون ؟ ولكن بشكل يختلف عن شخصيات صموئيل بيكيت في «انتظار غودو» ؟ شخصياً إلهياً يأتي ليقودهم؛ ولسوء الحظ ؛ فإن القس الذي ينتظرونه موجود بينهم مسبقاً؛ مستند على جذع شجرة سنديان ضخم أجوف.

وجهه شاحب بشكل مخيف ؛ تعلوه زرقة شمعية لا تتغير. عيناه ساكنتان ثابتتان ماعادتا تحدقان إلى الجانب المرئي من الخلود وكأنهما تترفان تحت أحزان مخاوف يستحيل تذكرها أو حصرها. وهكذا يجلسون تلفهم ظلال أشجار الطقوس والصفاف المتهدل وأشجار الأرز.

العصفور الأزرق

لقد ذهب الطفلان الصغيران في مسرحية «العصفور الأزرق» في رحلتهما العجيبة للبحث عن العصفور الأزرق الذي يرمز عند ميترلينك إلى السر الأكبر للأشياء والسعادة.

فتتكشف لهما أثناء رحلتهما كل سرائر الأشياء؛ وضمائرها بفضل ماسة سحرية كانت قد أعطتها لهما إحدى الحوريات (بسمة النور) فزارا كل البقاع..

وكل الممالك: بلاد الذكرى، مملكة الليل، موطن السعادة، موطن الموتى، مملكة المستقبل.. بحثاً عن الطائر الأزرق دون جدوى؛ وفي كل هذه الأماكن التي ذهبا إليها كانا يريا العجائب والغرائب ما يخيف ويروّع ما يفرح ويبهج وفي كل مرة يمسكان فيها بالطائر الأزرق يتغير لونه أو يموت بين أيديهما.

وفي نهاية المطاف يتبدد الحلم .. ويستيقظ الطفلان من نومهما ليجدا نفسيهما مازالا في منزل أبيهما الحطاب الفقير المتواضع. وعندما يتفقد الطفل عصفوره الذي طلبته منه جارته لابنتها المريضة؛ يلاحظ أنه أصبح أزرق شديد الزرقة فيقول: «لقد ذهبنا بعيداً وهو موجود هنا».

ويكتشف أن جارته التي كان يراها عجوزاً دميمة؛ ما هي إلا تلك الحورية (الجنية التي تحولت إلى جميلة) التي أعطته الماسة السحرية والتي من خلالها سرائر الأشياء. ويرى في ابنتها الصغيرة تلك الروح البريئة النورانية التي رآها في حلمه خلال رحلته العجيبة. والدلالة هنا هي السعادة التي لن نجدها إلا في أعماقنا عندما يغمرنا ذلك الفيض العاطفي وتتفتح أنفسنا نحو الآخرين.

لقد انطلق الطائر الأزرق في الهواء إلى غير رجعة ليقول الطفل لجارته الصغيرة «لا تبك سأمسكه مرة أخرى» وهذا له دلالة رمزية أيضاً إذ أن السعادة لا يمكن الإبقاء عليها إلا للحظات قلائل. فيجد الإنسان نفسه أمام القدر.. وهنا يبرز العنصر القدري المرمّز في تلك الحادثة. وجوهر الإنسان يتمثل في هذا البحث الدائم الذي لا يعرف له نهاية.

تجربة الإنسان

يصور ميترلينك في مسرحيته الشهيرة «العصفور الأزرق» (عام 1908) تجربة الإنسان في بحثه الدؤوب عن السعادة؛ وحقائق الحياة؛ تلك السعادة التي يجوب بحثاً عنها ليكتشف في نهاية الأمر أنها لا توجد إلا في أعماقه.. وهو فقط تعوزه تلك القوة والروابط المعنوية التي تصل الإنسان بالآخرين والأشياء.

د.وانيس باندك