تقول الأمثال العربية «رب ضارة نافعة»، هذه المقولة تنطبق قولاً وعملاً على الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة المصري، بعد أن خسر معركة انتخابات منظمة اليونسكو، فإذا كان حسني قد خسر معركة سياسية، فإنه في المقابل قد فاز، ولكنه فوز من نوع آخر، رأى فيه بعض النقاد أن الفن التشكيلي قد كسب من جديد عوداً حميداً لحسني من خلال لوحاته وألوانه، التي استضافها معرضه السنوي بالقاهرة الذي ضم 28 لوحة من أحدث لوحات حسنى التي أبدعها عام 2009.

من اللافت للنظر ـ ولأول رؤية عين لهذه اللوحات أن اللون الأصفر قد غلب على ظلالها وألوانها، ويبدو أن هذا اللون جاء معبراً عن الأحداث التي مر بها حسني في انتخابات معركة اليونسكو وخسارته التي مر بها، على الرغم من تبرير الفنان نفسه بأن اختيار اللون لا يعبر دائماً عن حالة معينة، وضرب الفنان مثلاً باللون الأسود الذي اعتاد كثير من الناس ارتداءه في أفراحهم وأتراحهم. والأمر ينطبق أيضاً على لونه الأصفر الذي لا ترتاح إليه العين والروح معاً، وحتى يقنع الفنان حسني، زائر لوحاته وألوانها بهذا الرأي يؤكد مرة أخرى أن من يقف أمام هذه اللوحات ويحاول فهمها، فإنه يفهمها في إطار تجريدي كانعكاسات لظواهر مرئية في العالم الحقيقي، مثل المباني والمناظر الطبيعية وحتى الفضاء الخارجي.

ثمان وعشرون لوحة أفرغ فيها فاروق حسني شحنة من المشاعر المتصادمة على مدى فترة قاربت خمسة أشهر، لم يدخل فيها مرسمه وعالمه الفني الخاص، هو نفسه وصف هذه الشهور الخمسة بمرحلة الجوع، لكنه جوع فني غابت فيها ريشته عن مرسمه باستثناء لوحة أو لوحتين.

يبرر حسني ابتعاده لأسباب يراها مقنعة تارة بالسفر وأخرى بعمله بالوزارة إلا أنها عند البعض الآخر قد يرى فيها تبريراً لا وجود له، فهو في الأصل فنان له إلهاماته ومشاعره وأحاسيسه حتى أثناء مزاولته العمل العام وحتى خلال سفره، خاصة في هذا النوع من الفن الثقافي الذي يحمل أسلوب حسني الذي عبر عنه مستر (بيتر مارزيو)، المدير العام لمتحف الفنون الجميلة بمدينة هوستن، بأنه أسلوب تغير تدريجياً من الواقعية في بداية مشواره الفني عندما كان مولعاً برسم البحر والطبيعة إلى الغنى والجمال، حيث قل استخدامه للرموز والأيقونات..

أما الناقد الإيطالي الشهير الزودي مارتينو فقد كتب هو الآخر في أغسطس العام الماضي أن فاروق حسني يعرف جيداً أن الرسم في وقتنا الحاضر ليس أداة بصرية من أدوات التعبير، بل إن الرسم هو التعبير بعينه، وبرؤية فنية أخرى يرى بييرو متيداريس دي كامبو، المدير الفني لدار دافنشي، أن حسني فنان معاصر غارق في المحلية، رغم مكانته الدولية المرموقة، ورغم أنه تخرج في العديد من أفضل أكاديميات الفنون العالمية حتى أصبح وزيراً للثقافة في بلده «مصر».

إن لوحات فاروق حسني هي أعمال لفنان غير عادي وفي وقت غير طبيعي خرجت في حالة امتزجت فيها أحداث معركته مع اليونسكو، وقد وصفها فنانون تشكيليون بأنها حالة من الاستقرار وليس الحزن، على حد تعبير الفنان التشكيلي فريد فاضل، الذي قال إنه من الواضح أن أكثر لوحات المعرض أنجزت بنوع من التفاؤل وليس الحزن، رغم كثرة استخدامه للون الأسود،.

وهذا النوع من الألوان يراه حسني ويصفه بـ «الشيك«، وليس تعبيراً عن الحزن. الجديد في لوحات الفنان أنها تعتمد على مساحات لونية جريئة وغير متوقعة..

ولكي تقترب أكثر من لوحات حسني تعود الذاكرة البصرية لمعرضه السابق حين نراه يتعامل مع اللوحة وكأنها فضاء مفتوح إلا أنه الآن في معرضه الحالي ينقلنا إلى الأرض دون أن يشعر مشاهده، ويضعه في السماء ينظر إلى الأرض ليرى ويشاهد مساحات لونية محددة قد تكون من نفس درجة اللون، ولكن هناك لونا وسطا يحدد اتجاه اللون وكثافته.

إنه فاروق حسني في شكله الهندسي الهرمي، الذي عبر عنه نظيره التشكيلي فريد فاضل بأنه الهرم، ذلك الشكل الكوني الأزلي الذي يمتلئ بكمية لا محدودة من الأسرار، ويعتقد فاضل أن استخدام حسني لهذا النوع من الشكل الهندسي إنما يمثل حالة من الخلود وتحدي الزمن ويمنح العمل قوة الهرم الداخلية السرية،.

وكما الحال في آراء النقاد، هذا يتفق وذاك يختلف، وكل له أسبابه ودوافعه، نرى في المقابل عكس ما يراه فاضل، حيث ينظر الناقد التشكيلي المصري الدكتور سيد هويدي نظرة مغايرة يرى حسني من خلالها أن لوحاته قد أفرزت حالة من القلق، خاصة استخدامه اللون الأصفر الذي جاء تعبيراً عن انعكاسات خلفتها انتخابات اليونسكو، التي أثرت على عمله بشكل نسبي، بالإضافة إلى مناخ بلده مصر الذي يمر هو الآخر بأزمة ثقافية..

ومما يؤكد صدق ذلك ما قاله فاروق حسني نفسه خلال افتتاح المعرض أن المشاعر تحتاج ألوانها، ومن المؤكد للمشاهد أن مشاعر اليونسكو قد ظهرت جلية في انفعالات اللون الأسود. وعلى الرغم من مشاعر حسني إزاء معركة اليونسكو، فإنه يرى أنه قد عاد للرسم وبقوة، مؤكداً أن معرضه في ميعاده لم يتغير ولوحاته هي الأخرى بمثابة «سكة جديدة».

دار الإعلام العربية