140 عاماً ولا تزال دار الكتب والوثائق المصرية تمارس دورها الحمائي والإحصائي والتوثيقي ـ ليس للمخطوطات العربية والشرقية وأوراق البردي ولوحات الخط العربي فحسب، إنما لكل ما وصل إلى الأيدي من فكر مكتوب أو مخطوط، فلم تتوقف الدار منذ أسسها الرائد علي مبارك وجمع فيها شتات الإبداع من المساجد والمدارس والمكتبات القديمة.
والأكثر من ذلك ما تقوم به الدار حالياً من مشروعات إلكترونية لخدمة القراء والباحثين باستخدام أحدث تكنولوجيا العصر.. تعالوا بنا نبحر في نحو 140 عاماً من عمر «كتبخانة» مصر..يعرف عن دار الكتب والوثائق المصرية ـ مؤسسة حكومية بحثية ثقافية لا تهدف إلى الربح، تعنى بتقديم الخدمات المكتبية لأبنائها في مصر والعالم العربي ـ أنها واحدة من أهم دور الأرشيف في العالم لاحتوائها على كم هائل من المصادر الوثائقية، أسست بمبادرة من الرائد التنويري «علي مبارك» بدعم من الخديوي إسماعيل.
- والي مصر آنذاك - بتاريخ 20 ذي الحجة سنة 1286هـ الموافق 23 مارس 1870م، وجمع فيها الإنتاج المشتت في المساجد والمدارس ودور الكتب القديمة، واستقرت الدار آنذاك في قصر الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديوي إسماعيل في حي السيدة زينب، وافتتحت رسمياً للجمهور للقراءة والاطلاع والنسخ والاستعارة في الرابع والعشرين من ديسمبر من العام نفسه 1870م.n مسميات وأماكن شهدت الدار عبر مشوارها العديد من التطورات سواء في المكان أم المحتوى أم المسمى، فقد تعددت مسميات الدار، من «الكتبخانة»، وهو اسم تركي يعنى بالعربية «دار الكتب الخديوية» ، إلى دار الكتب السلطانية عام 1916، ثم دار الكتب المصرية 1927، ودار الكتب والوثائق القومية عام 1956، والهيئة العامة للكتاب عام 1971.
وأخيراً دار الكتب والوثائق القومية بداية من عام 1994م، بعد صدور قرار جمهوري بإنشاء هيئة مستقلة تضم دار الكتب والوثائق القومية وفصلهما عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
.. وكما تعددت المسميات تعددت أيضاً الأمكنة،حيث بدأت «الكتبخانة الخديوية» في الطابق الأرضي بسراي الأمير مصطفى فاضل، ومع ازدياد نموها وضع لها حجر أساس مبنى جديد في ميدان باب الخلق - المتحف الإسلامي حالياً - انتقلت إليه الدار عام 1903م، وفتح المبنى للمترددين عليه في أول عام 1904م.
ونتيجة لتنامي رصيد الدار ضاق المبنى مرة أخرى برصيده، لذلك وضع في شهر يوليو عام 1961م مبنى جديد لدار الكتب على كورنيش النيل في منطقة «الرملة» بولاق، وبدأ الانتقال إليه عام 1973م، وتم افتتاح المبنى رسمياً عام 1977م، وفي العام قبل الماضي تمت إعادة افتتاح مبنى الدار بباب الخلق بعد إعادة تطويره بدعم من الإمارات العربية المتحدة.
وعلى الرغم من كل هذه المتغيرات فإن الدار منذ اليوم الأول لتأسيسها وإلى الآن وهى تقوم بدورها المهني من خلال دراسات وبحوث ومشروعات علمية أساسية وتطبيقية تشتمل على تطوير أدوات العمل «الببلوجرافي» الوطني؛ منها تقنين نظام رءوس الموضوعات، ونظام التكشيف، وأدوات الضبط الاستنادي الوطني للأسماء الشخصية، والهيئات، والأماكن الجغرافية والعناوين المقننة، والسلاسل، والموضوعات.
وإنشاء مرصد لأعلام المفكرين والعلماء والمبدعين المصريين، إلى جانب المشاركة الفعالة على المستوى الدولي باسم مصر، من خلال الانضمام إلى الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات، وأيضاً الاتحاد الدولي للتوثيق ئة والمجلس الأعلى للوثائق ة، إلى جانب تنشيط التبادل مع الدول العربية، ودول وسط آسيا، والدول الأفريقية، ودول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية.
كما تشارك الدار في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وفى معرض«فرانكفورت» الدولي، وفى عدد من المعارض المحلية والعربية، بهدف إتاحة إنتاجها الفكري للباحثين .
كما توجد بدار الكتب والوثائق المصرية قاعة تقام بها الندوات وحلقات البحث، والأمسيات الشعرية، واللقاءات الفكرية، وقد تناوب على هذه الدار العديد من القيادات المصرية والأجنبية حتى قررت مصر عام 1993 بأن يكون لدار الكتب والوثائق القومية مجلس إدارة، وقد تناوب على هذا المنصب د. محمود فهمي حجازي، ثم د. جابر عصفور ود. د. ناصر الأنصاري وسمير غريب، ثم الدكتور محمد صابر عرب الذي يترأس الدار الآن.
60 ألف مخطوط
والزائر لدار الكتب والوثائق القومية يجدها تضم العديد من الإدارات الفرعية منها، الإدارة العامة للشئون الفنية، الإدارة العامة لخدمات القراء، الإدارة العامة لتبادل المطبوعات، إذ يعتبر التبادل مصدرًا مهما لتنمية رصيد الدار.
وإمدادها بالجديد من الإصدارات المختلفة، وتقوم بتبادل المطبوعات مع المؤسسات المثيلة على المستوى الداخلي والخارجي مثل مجمع اللغة العربية، والمجالس القومية المتخصصة، ومركز الدراسات الاستراتيجية، والمراكز الثقافية لكل من فرنسا، ألمانيا، إسبانيا، إندونيسيا، والجامعات والوزارات المختلفة، ويتم التبادل خارجيًّا مع أكثر من 108 جهات على مستوى العالم.
وبالطبع لا يفوتك أن تزور الإدارة العامة للمخطوطات والميكروفيلم والبرديات والمسكوكات، حيث تضم قاعة المخطوطات، التي تحتوى على مجموعة من المخطوطات العربية والشرقية يزيد عددها على الـ 60 ألف مخطوط تمتاز بتنوع موضوعاتها وقيمتها العلمية، والمادية، وعلى كثير من النسخ الوحيدة على مستوى العالم، أو التي كُتِبت بخطوط مؤلفيها، أو بخطوط مشاهير العلماء، أو بخطوط الخطاطين الذين يمثلون الجانب الجمالي في الخط العربي.
غير أن أحد أهم المقتنيات التي تضمها هذه الإدارة المصحف والمحضر من جامع عمرو بن العاص وهو مكتوب في أوائل القرن الثاني للهجرة، كتاب الحجة في قراءات الأئمة السبعة لأبي عبدالله ابن خالويه سنة 396 ه، وكتاب «ما ينصرف وما لا ينصرف» للزجاج وعليه قراءة مؤرخة سنة 351 ه.
مخطوطات متخصصة
فضلاً عن ذلك تقتني دار الكتب مجموعة من أندر وأثمن المخطوطات كتبت باللغات العربية، التركية، الفارسية؛ في مختلف العلوم «دين، أدب، فلك، طب، تاريخ، جغرافيا، لغة»، ومن أهم المخطوطات العربية مجموعة المخطوطات الطبية التي تؤكد مساهمة الحضارة العربية والإسلامية في العلوم الطبية منذ القدم، منها على سبيل المثال مخطوط يشتمل على 8 رسائل في أمراض العين وتركيبها وعلاجها، بخط عبدالرحمن بن يونس بن أبي الحسن الأنصاري؛ نسخ عام 592 ه..
ومخطوط خاص بالأدوية القلبية من تأليف أبو الحسين بن عبدالله بن سينا المعروف بالشيخ الرئيس المتوفى عام 428 ه، مرتب على حروف المعجم، وأيضا مخطوط علاج الأمراض بالأغذية من تأليف أبو بكر محمد بن زكريا الرازي؛ يشتمل على 37 باباً ذكر في كل باب علة من العلل وعلاجها، إلى جانب القانون في الطب.
وهو مخطوط من تأليف أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا - صاحب التصانيف في الطب، المنطق، الطبيعيات، الإلهيات - ويعتبر هذا المخطوط أهم مرجع في العلوم الطبية، وظل يدرس في جامعات أوروبا لمدة ثلاثمائة سنة؛ حيث كان المرجع الوحيد في ذلك الوقت، والنسخة الموجودة بدار الكتب مذهبة ومزينة بالذهب والألوان.
ومن المراجع العربية النادرة التي تضمها الدار مجموعة من المخطوطات المختصة بالطب البيطري مثل: مخطوط «كتاب البيطرة» الذي ركز مؤلفه على ذكر الخيول ونشأتها وعلاجها، ويقع في ثلاثين باباً، وبه سبع وثلاثون صورة لدواب مرضى، وعلامات المرض، وعلاجها، كما تضم المخطوطات العربية مجموعة من المخطوطات الجغرافية منها: «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»،.
ويعتبر من أعظم الكتب العربية في وصف بلاد أوروبا من تأليف محمد بن محمد بن عبدالله إدريس الصقلي؛ يبدأ المخطوط بصورة الأرض وهيئتها، ومقدار المسكون منها، وما تشتمل عليه من المسالك والطرق، ومقدار أميالها ومجاريها وأنهارها، ومن أندر المخطوطات الفارسية:
مخطوطة «بستان سعدي» في مجلد أثري ثمين مزين بنقوش هندية مذهبة، من عشرة أبواب تشتمل على: حكايات ونوادر أخلاقية، ومواعظ سياسية تتخللها لوحات ست للرسام كمال الدين بهزار؛ فرغ من نظمها مشرف الدين بن مصلح الدين السعدي الشيرازي عام 655 ه.
توثيق التاريخ
أما إذا كنت من هواة توثيق التاريخ، فلن تجد ما تبحث عنه إلا في دار الكتب والوثائق القومية، حيث تضم الدار وثائق تتعلق بتاريخ مصر منذ العصر الفاطمي حتى الوقت الراهن، بالإضافة إلى احتفاظها بوثائق تتعلق بتاريخ السودان وبلاد الشام والجزيرة العربية بشكل أساسي، كما تحتفظ بوثائق تتعلق بتاريخ كريت وتركيا والمغرب العربي والعراق وإيران وأثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي وأوغندا وكينيا والمنطقة بصفة عامة.
أما فيما يتعلق بالمجموعات الوثائقية الخاصة بتاريخ البلاد الأخرى، فمنها وثائق خاصة بتاريخ السودان من شتى جوانبه، كما تحتفظ الدار بعدد كبير من الوثائق الخاصة بتاريخ بلاد الشام منها ما جمع وصنف تحت اسم «محافظ الشام»،.
ومنها ما هو مفرق في الوحدات الأرشيفية الأخرى مثل وثائق الجيش المصري، خاصة في فترة الحكم المصري للشام، وتضم أيضا وثائق خاصة بتاريخ الجزيرة العربية: أهمها وثائق الحجاز، وثائق كريت واليونان اللتين خضعتا لحكم مصر فترة من الزمن.
وكانت كريت محطة مهمة بين مصر واليونان، وتحتفظ الدار بوحدات أرشيفية عن كريت، كما توجد كثير من الوثائق الخاصة باليونان في فترة حروب المورة، كما توجد كثير من الوثائق التي تغطي تاريخ بعض البلاد العربية الأخرى مثل العراق وبلاد المغرب العربي، كما تقدم وثائق وزارة الخارجية المصرية معلومات مهمة عن علاقات مصر مع العالم الخارجي.
ترقيم الكتب
ومسايرة للعصر، تبنت الدار مشروعاً لترقيم الكتب التراثية التي تمتلكها الدار، ويهدف المشروع إلى إتاحة المحتوى الفكري لهذه الكتب على البوابة الإلكترونية، وأيضاً مشروع معمل المسح الرقمي بالاشتراك مع مكتبة الكونجرس الأمريكية.
حيث تتم عملية تبادل 60 ألف مخطوط موجودة بمكتبة الكونجرس وإتاحتها على شبكة الإنترنت من خلال موقع دار الكتب وموقع مكتبة الكونجرس الأمريكية، ويهدف المشروع إلى ترقيم المخطوطات الثمينة في الدار للحفاظ عليها وعلى تراث مصر وحضارتها لكي تظل باقية مدى العمر للأجيال القادمة وعرضها في صورة رقمية ونشرها على صفحات الإنترنت لإتاحتها للعالم لكي يرى حضارة 7000 عام من الزمن.
وتهدف عملية الترقيم في المرحلة الأولى لإتاحة المحتوى على الإنترنت بنقل الكتاب من صورته الورقية إلى صورة رقمية، تليها مرحلة إنشاء قواعد بيانات عربية وفهارس إلكترونية لتسهيل عملية البحث، مما يرسخ مبدأ القيمة المضافة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، للمساعدة في نشر الثقافة العامة وخفض تكلفة القراءة والاطلاع.
برديات و ميكروفيلم
تضم وحدة للميكروفيلم نحو 62605 مواد ميكروفيلمية، فضلاً عن آلاف البرديات التي تمثل دوراً بالغاً في كشف العديد من الجوانب لتاريخنا وحضارتنا؛ وذلك لأن البرديات تضم موضوعات على درجة كبيرة من الأهمية، منها ما يتعلق بالنظم الإدارية في الدولة الإسلامية، ومنها ما يتعلق بأعمال الدواوين، من مكاتبات، ومراسلات بين الخلفاء والولاة في أمور الدولة، وأيضًا العقود بشتى أنواعها.
خدمة/ (دار الإعلام العربية)


