لا يعترف الشاعر والباحث الإماراتي بمصطلح الحداثة في الشعر أو ما بعدها كي لا يقع في لبس الخلط بين المفاهيم ومنابعها والظروف النظرية والعملية التي ولدت من رحمها، لكن ذلك يبقى عند حدود التعريفات والتحديدات الشكلانية والنظرية التي لا تعني أن من يقف على هذه التجربة الإبداعية النقية إنما يقف على روح شعرية وشاعرية مرهفة الإحساس تواقة دوما إلى سبر أغوار الجديد والحديث.

الحديث مع أحمد راشد لا يستقيم إلا بالخروج عن المألوف والذهاب مباشرة إلى الهدف وإلى المضامين الفعلية للمطروح على بساط البحث شعرا أو بحثا في التراث أو التاريخ أو حتى في تفاصيل الحياة اليومية.«مسارات» التقى الشاعر وأجرى معه هذا الحوار:كيف ينظر الشاعر أحمد راشد ثاني إلى تجربة الحداثة العربية في الشعر على ضوء تجربتك الشعرية الخاصة التي خضتها في هذا الميدان الإبداعي الشائك وإلى أين تسير هذه التجربة في الإمارات؟بداية يجب التنويه إلى أنني أتحسس من ذكر مصطلحات من قبيل حداثة أو ما بعد حداثة، وهي مصطلحات محملة بالنقدي الذي ليس لديه بعد سجلا تراكميا يوضح لنا مدى حداثة هذه التجربة من عدمها كما أنه ليس لدينا سجل نقدي يوضح لنا ما هي الحداثة وفق فهمنا الخاص لها، هل هي ذلك التحول الذي يحدث في مجتمعاتنا؟

أم هي ما يرتبط بالحداثة وفق المفهوم الغربي؟ الحداثة الغربية واضحة المعالم وكذلك ما بعد الحداثة رغم وجود الكثير من الاختلافات بين المفكرين حولها، لكنها تبقى واضحة في السياق الغربي في حين لا توجد معالم لها عندنا، لأنه لا توجد قراءة نقدية قادرة على تحديد معالم ما هو حديث.

وما هو غير ذلك، لكن لا شك بأن التجربة الشعرية في الإمارات انتقلت، خلال السنوات الأربعين الماضية،انتقالات مفصلية ليس بالإمكان العودة عنها، ما يؤسس لنظرة جديدة في الشعر ولتصورات جديدة حول الشعر وهذه التجربة بدأت منذ ما قبل جيلي، بدأت مع أحمد أمين المدني، لكنها وجدت انطلاقتها الأساسية في جيلي ولا سيما في تجربة ظبية خميس وحبيب الصايغ وعارف الخاجة وخالد البدر ونجوم الغانم من بين آخرين.

وبالتالي فإن هذه التجربة يبدو لي أنها أحدثت نقلة على مستوى النظرة للشعر برزت من خلالها حساسية شعرية أخرى جديدة، وهذه الحساسية يمكنني أن أسميها وأنا مطمئن القصيدة الجديدة في الإمارات وهي قصيدة تتمتع بحساسية مختلفة ولديها تصور مختلف للعالم.

أين موقع قصيدة النثر في هذا المشهد الشعري المتشابك والحساس في آن؟

قصيدة النثر لا تختلف من حيث الشكل فحسب، بل إنها حساسية مختلفة وتفكير مختلف في العالم، والخلاف هنا لا يدور حول أشكال مثل التفعيلة والوزن أو خارج التفعيلة وخارج الوزن، فالقضية هنا تتعلق بوجود حساسية أخرى وطريقة تفكير مختلفة أكثر من ارتباطها بشكل محض.

ويبدو لي أن هذه التجربة باتت تجربة محورية وأساسية ولا يمكن اجتثاثها أو إنكارها، يمكن تجاهلها، يمكن إدارة الظهر لها،لكن لا يمكن اجتثاثها أو إلغاءها وهذا لن يحدث وهو أمر صعب لأنه أصبح لهذه التجربة تراكم في الخبرة والكتب.

وهناك جيل جديد يخوض هذه التجربة منذ التسعينيات وهذا الجيل لديه محاولات متفاوتة آخذة في التبلور، والسؤال هنا لا يتعلق بكيف نصل إلى أحكام جاهزة تجاه هذا الجيل، بل أعتقد أن التركيز يجب أن ينصب على متابعة تجربة هذا الجيل. ومما يؤسف له أن هناك مشكلة بهذا الخصوص، مشكلة في النقد لجهة عدم وجوده.

لكن ضعف الحركة النقدية لا يقتصر على الشعر فقط، بل يشمل كافة ميادين الإبداع من فن وتشكيل وأدب ومسرح..

صحيح، لكننا نتحدث عن جيل واحد متقارب وعن تجربة جديدة في الشعر ممتدة منذ تأسيس الاتحاد تقريبا، والتي يتعين علينا أن نمعن النظر فيها بدل أن نتبرع ونطلق أحكاماً متسرعة حولها وأن نسمي الأشياء بسمياتها الحقيقية ونقول إننا نقف على قصيدة جديدة وحركة شعر جديدة في الإمارات، لكن ثمة موجات في تلك الحركة.

وإذا كنت تتكلم عن الموجة الأخيرة منها، فلا بد من القول إن هذه الموجة متعددة، لكن لا يمكن إطلاق أحكام مسبقة حولها خاصة وأنها لا تلقى متابعة نقدية، أي أن هؤلاء الشعراء الشباب مثل أحمد العسم واحمد منصور يحتاجون عندما يكتبون إلى أحد يتابع نتاجهم ويطرح الأسئلة حوله، بمعنى آخر إن هذا النتاج لم يرفد بحركة نقدية قادرة على مواكبته،.

فالجانب النقدي في الإمارات متأخر جدا عن المنجز الإبداعي، فضلا عن أنه يتصف بالإطناب والمديح والوصف والاحتفالية وهذا ليس نقدا. وهذا ينسحب على كل التجربة الأدبية سواء القصصية أو الروائية أو الشعرية أو التشكيلية التي تفتقر لحركة نقدية مواكبة.

لكن عندما نتحدث عن حساسية جديدة واختلاف وموقف مختلف عن العالم، فإننا نتحدث عن حداثة أيضا، وفي أفق الحداثة الشعرية العربية بما فيها الإماراتية هناك العديد من الأسماء اللامعة؟

أنا أتحدث عن إشكالية المصطلح، محمد الماغوط شاعر كبير، لكن ترى هل هو شاعر حديث؟ وهو قروي مثلا وهو ليس بودلير قطعا، هل نستطيع القول إن الماغوط شاعر حديث؟ إن إطلاق هذا المصطلح جزافا خطأ كبير وأعتقد أن المجتمعات العربية لم تصل بعد إلى الحداثة، فكيف لمجتمعات لم تصل إلى الحداثة أن تنتج شعرا حديثا؟

التجربة الشعرية العربية الحديثة انطلقت من مجموعة عوامل تتعلق ببنيتها الأساسية وقامت على مجموعة من الشعراء النافرين عن المجتمع مثل بدر شاكر السياب وسعدي يوسف وأنسي الحاج..

طرفة بن العبد شاعر نافر عن المجتمع وكان من الشعراء الصعاليك، لكن هل يمكن القول إن أولئك الشعراء حديثون؟ ثم ألم يضع أدونيس كتابا تحت عنوان «الثابت والمتحول»؟، ألا يعتبر أمرؤ القيس شاعرا حديثا وجاهليا في آن. فالحداثة تعني جدة الرؤية الشعرية والتصور الشعري للعالم، لكن هذا مختلف عما يسمى بالحداثة الأوروبية، التي جاءت نتاج المجتمع الصناعي ورأسمالية المجتمع.

ولذلك فإننا عندما نتحدث عن ما بعد الحداثة نقول إنها تبدأ من النقطة التي انتهت عندها الحداثة نفسها وانتهت معها الأخلاقيات التي تتحدث عن وضع رأسمالي معين وراحت تمزق تلك الصورة وأصبح هناك رؤية جديدة للعالم شبه معتمدة على عولمة العالم وأحادية القطبية.

هذا هو الفهم الغربي للحداثة وما بعد الحداثة، أما عربيا فإن الصورة السائدة تشي بأنه عندما يكون هناك جدة في الصورة الشعرية وعندما يكون الشعر محمل بحساسية جديدة، فإننا نصفه بالشعر الحديث.

لكن من ينكر وجود قامات شعرية عربية دخلت معترك الحداثة؟

هنا تأخذ الحداثة مفهوما مختلفاً في الثقافة العربية.

ما هو هذا المفهوم؟

المجتمع العربي لا يزال شفاهياً ومحافظاً وتقليدياً حتى في الرؤية الثقافية والشعرية وأثبتت العقود الأخيرة أن المجتمعات العربية تمر في حالة نكوص مستمرة نحو ما هو شفاهي وكلمة الحداثة هنا تعني قوى مضادة للمحافظ والتقليدي والمجتمعات العربية تمر في حالة نكوص نحو هذا التقليدي والمحافظ وذلك يعود لعامل رئيسي يتمثل في تحالف السلطات القائمة مع التيارات الدينية، ما أدى إلى نكوص المجتمع العربي نحو محافظة أشد أو نحو علاقة مضطربة تجاه الحداثة أو ما يسمى بالحداثة، علاقة مضربة تجاه الجدة.

في هذا الأفق المحدد يبرز اسمك واسم عبد العزيز وميسون وخالد البدور وهؤلاء وغيرهم من شعراء الإمارات هم جزء من النسيج الاجتماعي ولا يمكن فصلهم عنه.

بالطبع، فأنا جزء من هذا المشهد إن لم أكن في عمقه وتجربتي الشعرية وتجارب الآخرين كذلك تعكس هذا التناقض وهذا التصادم، الذي ينسحب على تجارب أدبية تقليدية أيضا.

لكنك خضت تجربة الكتابة بالعامية..

تجربتي العامية تعبر عن مجمل ما تحدثنا عنه، أولا أنا كتبت العامية في وقت مبكر في خورفكان وواصلت حتى منتصف الثمانينيات عندما تخرجت من الجامعة وحينها كنت أقرأ كثيرا فراحت تتغير لهجتي ولم أعد قادرا على أن أكون «لهجويا»، لكن ثمة رؤية أخرى للشعر العامي فبوسعك أن تصنع منه أغنية.

والشعر العامي النبطي والشعبي كان له الدور الأساسي في المجتمعات الشفاهية، لكن هذا المجتمع راح يتحول نحو الكتابة والكمبيوتر فلم يعد للشعر الشعبي والعامي تلك الأدوار المهمة التي كانت منوطة به وكانت حيوية وجوهرية فهو الذي يحكم وينقل الأخبار.

إلام تعزو عودة الروح إلى الشعر النبطي وانتشاره الواسع هذه الأيام عبر شاشات التلفزيون؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى هذا التردد بين الشخصيتين، هل أريد أن أبقى بدويا كما أنا؟ أم أريد أن أكون معولما؟ من أنا؟

هل أنا البرج أم الخيمة؟ لكن يجب التمييز بين تجربة النبطي والعامي والشعبي، فلقد بدأ الشعر العامي في شبه الجزيرة العربية حوالي القرن السادس أو السابع الهجريين وذلك عندما انفصلت جزيرة العرب عن المراكز الإسلامية الكبيرة وعندما انفصلت عادت من جديد إلى شفاهية جديدة .

وأنتجت الشعر النبطي، الذي عاد ليصبح من جديد «علم قوم لا علم لهم» وهناك تجارب مهمة جدا ظهرت منذ تلك الفترة وحتى ما قبل ظهور الدول الحديثة وانتشار التعليم في دول الخليج الحديثة، وأصبح الشعر النبطي والعامي «علم قوم لا علم لهم» تماما كما كان الشعر الجاهلي قبل الإسلام.

أي أن هناك ما هو أصيل وما هو طارئ..

لا، الحديث هنا لا يدور حول ما هو أصيل وما هو طارئ، بل أن تاريخ الشعر العامي شهد حركتين جوهرتين، وهناك من عايشهما معا على غرار راشد الخضر عاش مرحلة التحول، لكنه يعتبر تجربة أصيلة وهي تجربة أساسية ومرهفة الإحساس وهذا حدث في مجتمعات عديدة، لكن الاختلاف يكمن في نوعية الرسالة، في نوعية الشعر، فقبل ظهور الدولة الحديثة في الخليج كان للشعر النبطي دور وبعد ظهورها أصبح له دور آخر مختلف.

أي من الأسماء الشعرية في الإمارات تستهويك؟

كل قصيدة جيدة تستهويني بغض النظر عن اسم صاحبها. وأنا تعلمت كثيرا من جيلي، أنا كونني جيلي؛ أكثر مما كونني جيل سابق أو آخر لاحق.

كيف ترسم صورة للتجربة الشعرية الإماراتية في يومنا هذا؟

أراها اقل جرأة وأقل تماسكا من التجربة السينمائية والروائية القصصية، علما بأن التجربة الشعرية كانت متقدمة في وقت آخر سابق على القصة والتشكيل، الآن التشكيلي والسينمائي والقصصي متقدم على الشعري.

ما الذي جرى؟

أولا، إن الموجة الجديدة من الشعراء كانوا تحت وطأة اضطهاد ما واستجابوا له ولم يقاومونه ولم يدافعوا عن مشروعهم، لكن أحس خلال السنوات الخمس الأخيرة أن هناك شعراء يدافعون عن مشروعهم وأعتقد أن هذه التجربة آخذة بالتبلور وسيكون لها صوت واضح والمسألة هنا لا تتعلق بأن أكتب قصيدة بل يجب أن أدافع عن مشروعي بدون أن أنتظر من الآخرين تطويبي؛ فهؤلاء لن يطوبونك أبدا. هذا خلل اجتماعي، لكنني أرى أن هناك محاولة للاستيقاظ من هذا الخلل وأنا اقدر تلك المحاولة.

أين تصب كل الجهود التي تبذل من أجل توثيق تراث الإمارات والمنطقة؟

في الورقة التي قدمتها في الندوة التخصصية عن الشاعر والعالم اللغوي أو بكر بن دريد الأزدي، التي استضافتها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي، مؤخرا، أقول إن شبه جزيرة عمان وعموم جزيرة العرب تعوم على تفكير شفاهي متفاقم والقلق على الهوية.

لكن يجب التنبه إلى أن عملية جمع الشفاهي يجب أن يرافقها ويتبعها قراءة نقدية منفتحة على العلوم الإنسانية وعملية تحديث واستنباط له على غرار البنيوية والتفكيكية اللتان تكونتا من كتاب ألفه بروك تحت عنوان «الشكلانية» ويتناول الحكاية الشعبية الروسية. يتعين علينا القيام بعملية جمع دقيقة ومدروسة للشفاهي ليس في مجتمع الإمارات فحسب وإنما في كافة المجتمعات العربية لأنه أساسي وإقصاؤه هو إقصاء للذات على أن يصاحب ذلك انفتاح الجامعات على العلوم الإنسانية الحديثة.

بين الجديد والقديم

هناك تناقض مستمر عند العربي بين ما هو جديد وقديم وهنا تتولد الحساسية الجديدة من هذا الاحتكاك بالذات بين المحافظ والجديد، والحفاظ على نوعين من التفكير في آن معا و الاحتفاظ بالحساستين نفسيهما وبأخلاقية الخيمة وأخلاقية الشقة السكنية، أريد المحافظة على قرويتي وريفيتي وبدويتي وأريد في الوقت نفسه الانفتاح على العالم كله وعلى العولمة والاختلاط به والإيمان بالآخر، أريد أن أحكي عن هوية واحدة بينما أغرق في هويات متعددة وممزقة، هذا التناقض قائم عندنا نحن العرب.

حوار: باسل أبو حمدة