المفصل: مؤاخي الأضداد تلك التي تشملنا وتتجاوزنا المفصل: مؤاخي الأضداد تلك التي تشملنا وتتجاوزنا، حيث يكون هناك واهب الحركة الأعظم فينا وخارجنا، ومن حولنا، أي ما نعجز عن فهم المحرّك الخاص فيه، لأن ثمة ما يعلو المفصل الحركي للزمان والمكان.

للمرء، أي امرئ، أن يمعن النظر في حكمة الجامع بين الأضداد كما هو الظاهر له ولنا أيضاً، وهي إحدى الحقائق الكبرى كونياً، لأن ليس في عالمنا ما هو خارج عن محيطه وهو في تنوع أسمائه وتحولاته.

فما نسميه ينتمي إلى كوننا الذي يحوطنا بينما نعيش نحن سؤال الحكمة هذه، حكمة الأضداد وما يصل فيما بينها وهي في غاية التنوع، والتنوع مدار الحكمة، لعبتها، مسرحها المفتوح ونحن في صميمها، نحن منها، وإليها يكون انتسابنا!

هنا ينبري المفصل مباشرة، وهو الرابط بين اتجاهين، أمرين، وضعين، شيئين، عضوين، كائنين...، لكل منهما مساره المختلف، وهذا هو أول حكمة اللامرئي، لا بل المرئي لمن يمتلك الحد الأدنى من البصيرة في تبين عالمه.

تلك«ميم» المودة،، كما هو شأنها العريق في تسمية العلاقة بين المتباعدين ظاهرياً ، إنها ال«ميم» التي تستبطن كل ما يشغلنا ونتوق إليه، أو ما نسهو عنه، ما يركّبنا جسداً وروحاً، حيث الفصل تباعد، والميم تقريب فيه.

بدءاً من مفاصل الباب ومروراً بمفاصل الشباك، وليس انتهاء بمفاصل الجسم، والعلاقات الاجتماعية، وما أكثرها، ومفاصل النص الحركية العصية على الحصر.. تترى مشاهد المفصل، أدواره، براعة المفصل الواحد ورعبه إن تعرض لخلل ما. تصوروا انتفاضة المفصل على جسمه عبر داء معين، أو علة ما، وليس هناك ما هو بمنجيً من العطب وهو درجات! عندها ماذا يبقى في الجسم في عالمنا، هل يعود الجسم جسماً في الحالة هذه؟!

لا حركة دون مفصل! نحن جمهرة مفاصل لا تتوقف عن الحركة، والحياة في أصلها وفصلها مفاصل متدرجة، وما نسعى إليه، يتم عبر مفاصل حركية، ولكل منا مفصله الحركي في الربط بينه وبين نفسه، بين وبين العالم، أو الآخرين. نحن إذاً محكومون أو مأخوذون بالمفصل، وهو جمع، وهو يذلل الصعاب، في التأليف بين الأضداد.

المفصل: مؤاخي الأضداد تلك التي تشملنا وتتجاوزنا، حيث يكون هناك واهب الحركة الأعظم فينا وخارجنا، ومن حولنا، أي ما نعجز عن فهم المحرّك الخاص فيه، لأن ثمة ما يعلو المفصل الحركي للزمان والمكان.

. يحيلنا المفصل وهو في مفهومه المركَّب إلى النظر في المبسَّط أمامنا، حيث تتداخل الأشياء بمفاصل شتى، إذ ليس من شيء إلا وللمفصل فيه دمغة أو رابط، إن ما لا معنى فيه، وما هو مبهَم، يعني انفراط عقده المفصلي!

لا سكون أو لا حركة بالمطلق، لأن المفصل يقوم على مبدأ التراضي نوعاً ما بين العناصر، وهي تتفاوت بقدر ما يكون التفاوت هذا محفّزاً على الترابط، وأن ما يثير استغرابنا يحثنا على ضرورة تحرّي أمر المفصل، وكيف يجري الشد من نقطة معينة بين طرف وآخر، أو عنصر وآخر، أو كائن ما وخلافه.

وربما يعني ذلك أن أي خلاف يوتّرنا، ويوقعنا في فصل ما، يؤول إلى أننا نتغافل عما يصدمنا حسياً، ويعلمنا بواقعه، وهو تجاهلنا لذلك المفصل الذي يتولى مهمته الدائمة في تعزيز العلاقات الفعلية، ولا علاقة إلا بوجود مفصل مهما ضؤل دوراً.

وفي بنية المفصل يأتي اختلافنا الأثير، يكون التنوع مميّزاً للطبيعة الجزئية لكل منا، في الفصل بين من يعجز عن تركيب مفصل بسيط، ومن يبدع في إيجاد مفاصل غير مسبوقة في الإبداع وفي العلاقات الاجتماعية.. أوليس العظيم ذاك الذي يمتلك مرونة جلية؟

وهو ذائع الصيت في مجتمعه، وهو في كرسي السلطة في التنوع الهائل لمفاصله الحركية بحسب عالمه، وهو المتفاني في خدمة مجتمعه، حيث خروجه من الذات ليس أكثر من استدعاء طاقة احتياطية فيه، هو أهل لها كمفصل اجتماعي وثقافي متنور، وعلى قدر عزيمته تكون مؤاخاته بين الأضداد. نعم، إن كلاً منا يمثّل مفصلاً في تاريخه، ومجتمعه، وفي بيته، وله اسمه وعلامته الفارقة!

للعباقرة وحدهم، وقبل غيرهم، يكون الحق في الكلام، ولعلهم أقل الناس حباً في الكلام، كونهم عباقرة، بما أنهم يعنون بما هو مختلف، بتلك المفاصل الخفية بين العوالم، والوقوف على حقيقتها، فالإبداع في أبسط مفهوم له، ليس خلقاً من عدم، وإنما تلمس المجهول في المعلوم.

وما لا معقول العقل، إلا جانب العقل الذي لم يسمَّ بعد، كما يعلمنا بذلك تاريخه، أي ما يقودنا إلى مكاشفة مفصله الحركي، ما العمل البارع إلا أقصى تجليات المواءمة بين مختلفين على الأقل، ما النص المبدع إلا بروز الكم المتنامي في مفاصله الحركية، أي قدرته في نقلنا من عالم إلى آخر، من صورة إلى أخرى، عبر انعطافات تشعرنا بمتعة روحية، والانعطافة مفهوم مفصلي، ما دهشتنا إلا حركة لافتة في مفصل لم نتهيأ له، ما نهاية كائن إلا تلف المفصل الأخير فيه.

وأخيراً وليس آخراً، ما البرزخ إلا المفصل الضخم والمذهل في جمعه بين المرئي واللامرئي، بين الحياة والموت، ووحدهم الذين تهمهم حقيقة ذلك المفصل وجانب اللاتناهي في حدوده بالنسبة لهم، على وعي اعتقادي تام سعداء ب«الضدين»: الحياة والموت، كونهم على بيّنة وهي أن الموت انعطافة الحياة الكاملة أرضياً، لهذا تكون الروح المفصلَ الدائم الحركة فيهم..

ابراهيم محمود