أكثر روايات الكاتب الألماني هيرمان هيسه هي روايته «لعبة الكريات الزجاجية»، التي عبر فيها، وهي سيرة حياة متأملة أكثر مما هي رواية بالمعنى المعروف، عن أفكاره الجوهرية، وقد ترجمها إلى العربية الدكتور مصطفى ماهر، ووضع لها مقدمة تقرب القارئ من هذه الروعة.

لقد بنى روايته هذه على هيكل موسيقي، يحركها التأمل، إذ يلحظ القارئ أن الروائي في هذه الرواية طور أسلوبه ومفاهيمه الفلسفية والجمالية من خلال الاهتمام بغوتة، العلم الذي تعلق بأفكاره منذ طفولته. مما لا شك فيه، أن روايته «لعبة الكريات الزجاجية»، التي حازت على جائزة نوبل للعام 1946، تُبرِز اهتمامَه الفائق بالطبيعة، وتمجيد البساطة والفطرة، ونقد المجتمع، والسعي إلى إيجاد الانسجام مع الطبيعة، والاهتمام البالغ بالموسيقى ووضعها في أعلى مكانة. وتشهد حياته اتصالات كثيرة مع أدباء وفنانين مشهورين في عصره، منهم شتيفان تسفايغ وأوتمار شوك، ملحِّن أوبرا الهاربون، التي وضع هِسِّه كلماتها ولحَّن بعض قصائده، وكذلك فولكمار أندريه وفيرتِس براون وإدفِن فيشر، الذين لحَّنوا الكثير من قصائده. وكان هِرْمَن هِسِّه يتقن العزف على الكمان منذ نعومة أظفاره؛ كذلك كانت زوجته تتقن العزف على البيانو في مهارة عالية. وكل ذلك له دخل في تأليف روايته هذه.

إنها آخر رواية كتبها الروائي الألماني هيرمان هيسه، بدأ بكتابتها في عام 1931 ونشرها في سويسرا في عام 1943 بعد أن رفضت نشرها دور النشر الألمانية.

«لعبة الكريات الزجاجية» هي الترجمة الحرفية عن الأصل الألماني ولكن هذه الرواية نشرت أيضاً تحت اسم «ماجستر لودي» وتعني «سيد اللعبة» وهو عنوان مخيف مُنح إلى الشخصية الرئيسية في الرواية. تقع أحداث الرواية في تاريخ غير محدد، تذهب إلى قرون مقبلة، بداية القرن الخامس والعشرون.

ويوجد في الرواية مدينة متخيلة تقع في أوروبا الوسطى تدعى «كاستيليا»،

وهي تشتهر بالنشاط الفكري والتكنولوجيا والاقتصاد. وكانت هذه المدينة تهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين أولهما: إدارة مدارس الأولاد والثاني إجادة لعبة الكريات الزجاجية، وقواعد اللعبة ليست سهلة أو متاحة للجميع، بل تتطلب دراسة جادة للموسيقى والرياضيات والتاريخ الثقافي.

وهي لعبة تجريدية لجميع الفنون حيث يقوم اللاعبون بالربط بين الأحداث غير المروية. وتتبع الرواية حياة أحد الأعضاء البارزين، جوزيف كنيشت، ومعنى الاسم «خادم» أو«يد الفلاح» وقد تعني «فارس» أو «ذليل». والرواية مكتوبة بطريقة السيرة الذاتية حيث يتقدم اللاعبون لكي يصلوا إلى مرتبة أفضل لاعب يسمى آنذاك «سيد اللعبة».

وتبدأ الرواية بـ «سيد الموسيقى» الساكن في كاستيليا الذي يطلب من الشاب كنيشت المشاركة في هذه اللعبة، وهناك يتعرف على بلينو ديسينوري، وهو طالب آخر يأتي ضيفاً على كاستيليا. ويمتلك كينشت آراء حول النقاشات الدائرة ورؤيته عن كاستسليا التي يعتبرها مجرد «برج عاجي» لا يؤثر على العالم الخارجي.

ويمضي كنيشت سنوات طويلة من أجل الوصول إلى مرتبة «سيد اللعبة» حيث يذهب إلى خارج هذه المدينة لتزود بالمعلومات. وأولى تجاربه تعلمه اللغة الصينية.

ويتم ارسال كينشت في مهمات عديدة إلى الكنائس والأديرة ويصادق الأب جاكوب الذي يؤثر على حياته. ويتساءل كينشت عن مدى إخلاصه إلى نظام هذه اللعبة، وينسحب من العالم الخارجي. وتنتهي الرواية نهاية حزينة بموت كينشت، غرقاً في بحيرة الجيل بينما يحاول أن يتبع خطى صديق طفولته تيتو.

وفي الفصل لأخير، يقدم الروائي نماذج من شعر كينشت تحت عنوان «أسطورة». في نهاية الرواية، يسرد قصة كينشت الذي عاش «آلافاً عديدة من حياته».

إن اختيار المدينة المتخيلة كاستيليا كان رد فعل لنعوض النازية في ألمانيا ومواجهة الأوقات الصعبة. وتشبه كاستيليا مدينة طفولة الكاتب «سوابيا» من النجاحية المادية. وقد عاش حياته في سويسرا.

اشتغل الروائي الألماني بدأب لا مثيل له في كتابه «لعبة الكريات الزجاجية»، واحتاج لتأليف هذه الرواية إلى القيام بدراسات عميقة في ثقافة القرن الثامن عشر في أوروبا، وإلى دراسة الحركة التَّقَوية في شفاين، وإلى دراسة الموسيقى.

وكان يقدِّر القرن الثامن عشر تقديراً خاصاً. فهو عصر التنوير الفلسفي والتنوير الصوفي معاً: عصر باخ، الذي ارتقى بالموسيقى إلى قمة توشك أن تكون أسطورية.

وكانت فكرة اللعبة ـ لعبة الكريات الزجاجية ـ قد تملَّكتْ المؤلِّفين الموسيقيين والعلماء في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، ممَّن بنوا مؤلَّفاتهم الموسيقية على أساس من التأملات الرياضية.

ويقول هِسِّه على لسان أحد أبطاله في رواية لعبة الكريات الزجاجية: «إن الموسيقى الكلاسيكية، في رأينا، هي جوهر ثقافتنا ومضمونها العميق، لأن هذه الموسيقى الكلاسيكية هي أوضح تعبير لها. إننا نملك، بامتلاكنا لهذه الموسيقى، تراث العصور القديمة وتراث المسيحية، ونملك روح الإيمان إيمان شجاع مشرق ونملك أخلاقاً ذات فروسية لا يُعلى عليها.

إذ إن كلَّ ظاهرة ثقافية كلاسيكية هي مَثَل أعلى إنساني لسلوك إنساني يتلخَّص في ظاهرة ثقافية؛ وهي، بالتالي، أخلاق. والسلوك الإنساني الذي خرجت الموسيقى الكلاسيكية تعبِّر عنه هو سلوك واحد دائماً، لا يختلف، لا يتغير، ويعتمد دائماً على ضرب واحد من العلم، ويرمي إلى ضرب واحد من سيطرة الإنسان على المصادفة. وظاهرة الموسيقى الكلاسيكية تعني: العلم بمأساة الإنسانية وقبول مصير الإنسان والشجاعة والصفاء».