حتى سنوات متأخرة من القرن العشرين كانت المفردات التي تلهب خيال الشبان العرب هي: النهضة، التقدم، الحرية، الديمقراطية، الوحدة، الاستقلال، العلم، التنمية، الدستور، القانون، الدولة الحديثة، العدالة الاجتماعية، مقاومة الاستعمار... الخ. أما اليوم فقد عادت بعض المفاهيم إلى الانتعاش مثل: الجاهلية، الهجرة، الكفار، الجهاد، الحلال والحرام... وغيرها، وعاودت أفكار التبديع والتفسيق والتكفير حيويتها ثانية. ويعكس هذا الأمر انحداراً مروّعا إلى الخلف، أي نحو إعادة الاعتبار إلى الفكر التكفيري.

لقد تمكن الفكر الجاهل من التغلب على العقلانية رغم كل معطيات العلوم المعاصرة التي تم رصدها لصالح البشر، استغلها العقل الجاهل ليدمر منجزات البشرية، ويقضي على المشروع الإصلاحي شبه العقلاني الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وتمكن من قطع الطريق، إلى حد كبير، على الأفكار العقلانية وعلى إمكان تجدد العقل العربي، ومن حولنا توجد مئات الأمثلة التي أوصلت العقل التدميري إلى ما هو عليه، عقل يرى الحياة من تلك الزاوية الضيقة، وماعداها ظلام.

كيف يمكن أن تحدث التنمية في بلد عربي أو إسلامي إذا كانت مهددة بحروب أهلية، كما يحدث في العراق ولبنان والصومال وأفغانستان وباكستان وغيرها، وكيف تحدث تنمية ونصف المجتمع مشلول (المرأة ) وكيف تحدث تنمية في مجتمعات عربية يغلب على النظام التعليمي فيها سياسة التلقين والحفظ عن ظهر قلب، وتغيب عنها الفلسفة التي تخلق الأسئلة عن الحياة كمعنى ووجود، ناهيك عن ضعف التفكير لدى من توافقهم الرأي فيعمدون إلى تكفيرك أو تخوينك.

لقد تراجع فهم الحياة كثقافة واسعة فيها العيش المشترك والتقبل للآخر والانفتاح على العلوم والحضارات ونقد الذات، والاعتراف بالتعددية بكافة أشكالها، تلك ليست مطالبا تعجيزية لأنها كانت موجودة في عصر الامبراطورية الاسلامية.

ومازالت باقية في كثير من المناطق، ولكنها بدلاً من انتعاشها تتراجع في ظل تراجع الثقافة عموماً في المجتمعات، وليس أدل على ذلك أكثر من عدم التفريق بين الإمام محمد عبده التنويري مطلع القرن العشرين وبين محمد عبده المطرب السعودي، ويطال الأمر عشرات المفكرين والمتنورين الذين لم يمروا على برامج التلفزيون.

وهو ما يحيل تالياً إلى السؤال : هل توجد ثقافة بمعزل عن التلفزيون، وهل التلفزيون هو طريق المجتمع للثقافة، إذا لماذا نرسل أولادنا إلى المدرسة طالما يقوم التلفزيون بدورها، ألا يدعونا ذلك لمعرفة نوعية البرامج التي يقدمها وخاصة الموجهة للأطفال كم فيها من السموم الكفيلة بتراجع ثقافتنا إلى عصور حجرية.

hussain@albayan.ae