النظرية الأساسية في كتاب «الواقعي المتطرف» للأستاذ الجامعي الإيطالي ماريو ديل بيرو تقول إن هناك ثلاث فترات متمايزة في السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. الفترة الأولى تمتد من عام 1945 حتى منتصف سنوات الستينات. وهي فترة «الأممية» والإيديولوجيات. ثم الفترة الممتدة من نهاية الستينات وحتى نهاية سنوات السبعينات، وهي فترة صعود هنري كسنجر و«فلسفة الواقعية» والوفاق مع السوفييت والفترة الثالثة هي التي برز فيها المحافظون الجدد.
موضوع هذا الكتاب هو فترة كيسنجر. وهو يعود بداية إلى الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2008 كي يشرح أن الديمقراطي اوباما والجمهوري مكّين، جهدا كي يقدما نفسيهما من أنصار سياسة خارجية أميركية «واقعية» وذلك على قاعدة النهج الذي كان وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر قد أرسى أسسه في هذا المجال.
الصورة الشائعة عن كيسنجر هي أنه يسمو «فوق السياسات المتحزّبة جمهورية كانت أو ديمقراطية» ومن هنا جاء حذره دائما من نزعة التوسع لدى اليمين المحافظ الجديد ومن التطرف اللبرالي بسبب ما تحتوي عليه من سلوكيات «لا أخلاقية» وما بين هذه السلوكيات وتلك النزعة التوسعية يخالف مؤلف هذا الكتاب مثل هذا التقييم لدور هنري كيسنجر ويحاول أن يبرهن في كتابه «الواقعي المتطرف» على أن وزير خارجية أميركا الأسبق لم يكن «واقعيا» في نهجه، بل كان بالأحرى «إيديولوجيا» متزمتا في عمق توجهه، كما احتوت خياراته التي طبّقها في الواقع على الكثير من التناقضات والأحكام المسبقة.
وما يؤكده المؤلف بأشكال مختلفة هو أن «الواقعية» التي أراد هنري كيسنجر أن يصبغها على السياسة الخارجية الأميركية، إنما كانت ردا على السياسة الداخلية آنذاك بمقدار ما كانت نتيجة عملية تحليل وتقييم لمعطيات العلاقات الدولية. فعلى الصعيد الداخلي كان الجزء الأكبر من الأميركيين يميل في سنوات السبعينات إلى تركيز الانتباه على الشأن المحلّي الأميركي على خلفية «التعب» من المشاريع التوسعية «الإيديولوجية» في الخارج، والتي كانت الحرب في فييتنام هي أحد أبرز تعبيراتها البليغة.
ما فعله هنري كيسنجر هو أنه استجاب لذلك الميل الراجح لدى الرأي العام و«ترجم» العزوف الشعبي الأميركي «عن السياسة» فيما اعتبره «توجها واقعيا»، بمعنى الابتعاد عن المغامرات الخارجية أساسا، في السياسة الخارجية. لم يكن ذلك على خلفية خيار قائم على قناعات، ولكن إيمانا منه على أن تلك «الواقعية» تساهم في ذلك السياق بالفوز في الانتخابات.
ذلك من خلال الإجماع الذي كانت تحظى فيه. ولا يتردد المؤلف في هذا الإطار عن التأكيد أن «الواقعية» التي طبّقها كيسنجر خلال سنوات السبعينات كانت «جامدة» بنفس درجة «النزعة المحافظة الجديدة» التي كان يُفترض أنها قد جاءت لتحلّ محلها.وفي هذا الكتاب، يحلل المؤلف في نفس الإطار السياستين الداخلية والخارجية كما فهمهما ومارسهما هنري كيسنجر.
وفي المحصلة يبدو أن «الواقعي المتطرف» يبرهن عبر مجموعة من الأحداث والوقائع والقرارات أن «طبيعة الواقعية» لكيسنجر كانت «قليلة الواقعية». وأنها كانت ممهورة برؤيته للعالم على أساس الاستقطاب الثنائي بين معسكرين. كما يرى المؤلف أن تلك «الواقعية» قد آلت إلى الفشل النهائي حيث قامت القوى المحافظة الجديدة «الصاعدة» آنذاك في توظيفها لصالح مشاريعها.
ومن الملفت للانتباه أن ماريو ديل بيرو يجد الكثير من نقاط التشابه بين «الواقعية» التي قال بها هنري كيسنجر وبين التوجّه «الواقعي» الذي أعلن المرشحان للرئاسة الأميركية في انتخابات خريف عام 2008 أن سياستهما الخارجية سوف تستلهم منه. ذلك بحثا عن تأكيد الاختلاف عن السياسات التوسعية التي انتهجتها إدارة جورج دبليو بوش. وبهذا المعنى أصبحت السياسة الخارجية الأميركية في سنوات السبعينات هي نوع من «المرجعية» في هذا الميدان.
ويشير المؤلف أنه في حالة كيسنجر في الأمس، وحالة باراك اوباما اليوم يتم البحث عن الوصول إلى نوع من الالتفاف العام من قبل أغلبية عظمى من الأميركيين حول سياسة خارجية «تجمع» و«توحّد» الصفوف بعد الانقسامات والشروخ الاجتماعية التي سببتها حروب ذات كلفة باهظة ولا تحظى بالتأييد الشعبي لها. البارحة - في سنوات الستينات والسبعينات- في فييتنام واليوم في العراق.
يتم تقديم الحجج في نفس السياق على أن التحديات في الحالتين متشابهة والقول بـ «الواقعية» مرتبط بالظروف، المتشابهة هي الأخرى. هذا دون نسيان السياق العالمي المضطرب الذي خلقته حرب فيتنام وانعكاساتها على الداخل الأميركي والسياق العالمي المضطرب أيضا الذي أثارته حرب العراق.
صعود وهبوط
يرى ماريو ديل بيرو أن «مبدأ كيسنجر» في السياسة الخارجية عرف «الصعود والهبوط» خلال سنوات السبعينات المنصرمة. وقد بدأ دوره بالظهور كأحد صانعي السياسة الخارجية الأميركية، مع شغله منصب مستشار الأمن القومي لدى إدارة ريتشارد نيكسون وانتهى مع انهيار الوفاق مع الاتحاد السوفييتي وخروج كيسنجر من المسرح السياسي كوزير للخارجية في ظل إدارة جيرالد فورد. وفي كل الحالات كان «الوفاق» مع الاتحاد السوفييتي هو صلب توجهه.
المؤلف في سطور
ماريو ديل بيرو هو أستاذ التاريخ في جامعة بولونيا الإيطالية، وكان قد عمل في إطار جامعة نيويورك ثم في المعهد الجامعي الأوروبي بمدينة «فلورنسا».له العديد من الكتابات حول تاريخ الحرب الباردة والعلاقات الدولية، يساهم بانتظام بالكتابة في «المجلة التاريخية الأميركية»، من مؤلفاته: «الإمبراطورية والحرية، الولايات المتحدة والعالم».
الكتاب: الواقعي المتطرف، هنري كيسنجر وتكوّن السياسة الخارجية الأميركية
تأليف: ماريو ديل بيرو
الناشر: جامعة كورنيل ــ 2010
الصفحات: 193 صفحة
القطع: المتوسط
The eccentric realist
Mario Del Pero
Cornell University Press 2010
193P.
