«كواكبي السود»، هذا هو عنوان الكتاب الصادر في مطلع هذا العام 2010، ومؤلفه ليس سوى نجم كرة القدم الفرنسي الشهير خلال السنوات الأخيرة «ليليان تورام». أما «الكواكب السود» التي يقصدها «كواكبه» فهم أولئك الملونين «السود» الذي كان لهم أثرهم في حياته بل وساعدوه على أن يصوغ مفاهيمه، كما يشير في هذا الكتاب.
في هذا العمل لا يتحدث «تورام» عن الرياضة وعن ماضيه الرياضي، بل يذهب إلى حد الإشارة، شبه الصريحة، أنه يتولاه الإحساس في أحيان كثيرة، أنه لم يكن في أي يوم من الأيام لاعب كرة قدم. وعلى الأقل يتولاه الإحساس أن الملاعب قد «ابتعدت كثيرا» عنه، رغم أنه لم يعتزل اللعب إلا منذ فترة تعدّ بالأشهر. ويعيد هذه «القطيعة» مع عالم الرياضة إلى تمحور اهتمامه على المؤسسة التي أنشأها تحت عنوان «التربية ضد العنصرية». لكنه يعيد «القطيعة» أيضا إلى أنه وجد نفسه مرغما عليها بعد اكتشاف خلل في تكوين قلبه «سهّل» عليه التخلّي عن كرة القدم. «الكواكب السود» الذين يقصدهم ليليان تورام يشكلون قائمة طويلة تمتد من «لوسي»، باسم الهيكل العظمي الذي اكتشفوه في أثيوبيا واعتبره العلماء المختصون أنه أقدم البشر الذين تمّ التوصل إلى معرفتهم، وتصل إلى «باراك اوباما». وبهذا المعنى هذا الكتاب «تاريخي» بالدرجة الأولى من حيث تعرضه لسيرة حياة عدد من السود الذين عرفتهم المسيرة الإنسانية وليس أقلّهم شأنا محمد علي كلاي ومارتن لوثركنغ ومالكولم اكس وايمي سيزير وغيرهم.
المعروف أنه أُطلقت على ليليان تورام صفة «الفيلسوف» منذ تلك اللقطة التي خلّدتها عدسات التلفزيون أثناء المباراة نصف النهائية ضد كراوتيا، وذلك عندما سجّل هدفا قبل 20 دقيقة من النهاية ووضع يده على فمه متأملا كمن لم يفهم ماذا حدث. المؤرخ الفرنسي «باتريك ويل» كان قد وصف تورام بعد ذلك بالقول أنه «المثقف الذي مارس لعبة كرة القدم»، ذلك في مقابلة أجراها معه لمجلة «ايسبري»، أحد أقدم وأعرف الدوريات الفرنسية.
وفي معرض الحديث عن «الكواكب السود» الذي كان لهم أثرهم في حياته يتحدث ليليان تورام أيضا عن مسيرة حياته منذ أن قدم من جزيرة المارتينيك إلى فرنسا وعمره 9 سنوات. لقد ترعرع دون أي ولكن برعاية أم «استثنائية» كما يصفها. وهي تشكل أبرز أولئك «الكواكب السود» إذ قامت بتربية خمسة أطفال وحدها حيث عملت في خدمة المنازل وقطع قصب السكر قبل أن تغادر «غوادلوب» إلى فرنسا بحثا عن تحسين حياة أطفالها. لقد كانت «نموذجا للشجاعة»، كما يلخص رؤيته حيالها.
الشخصية «السوداء» الثانية من حيث درجة الأهمية في حياة ليليان تورام هي «مالكولم اكس». ويشير أنه كان يتمنّى لو أعطى اسمه لابنه. لكن المحيطين فيه منعوه من ذلك الذي نجح في الخروج من «دائرة العنف» التي كان خلقها أنصار التمييز العنصري حوله من أمثال مجموعة «كو كلوكس كلان».
أما اسم أحد أبناء ليليان تورام فهو «ماركوس»، ذلك تيمنا ب«كوكب أسود» آخر هو «ماركوس غارفي»، الذين كان أحد أولئك الذين حثوا السود من أجل التعرّف على تاريخهم، وبالتحديد أكثر تاريخ اضطهادهم. الابن الآخر للمؤلف يحمل اسم «خفرو»، ذلك الفرعون «الأسمر الغامق». ويقول تورام أنه أعطى ابنه هذا الاسم كي لا ينسى أن مغامرة الشعوب السوداء لم تبدأ مع العبودية، كما يريد أن يؤكد غالبية المؤرخين.
ومن بين الأسماء الكواكب التي يتوقف عندها ليليان تورام في كتابه محمد علي كلاي، ذلك الملاكم الذي أدهش أميركا والعالم واستبدل اسم «كاسيوس» باسم «محمد علي» بعد أن اعتنق الإسلام، ويكتب المؤلف عن محمد علي كلاي: «لقد أرغم المجتمع الأميركي أن يطرح على نفسه التساؤلات حول العنصرية المناهضة للسود. وعرف كيف يجعل من ثقله الإعلامي قوة سياسية. وإذا كان للتفرّد معنى، فإنه يجسد هذا المعنى».
ويشير ليليان تورام، لاعب كرة القدم السابق، أنه حرص على الدقّة في حديثه عن «الكواكب السود» ولم يتردد في البحث التقصّي واللقاء بالمختصين من «ايف كوبنس»، الأخصائي الشهير بالمكتشفات الأثرية البشرية (خاصة لوسي) وحتى ابنة «فرانز فانون»، الذي يعتبره أحد الشخصيات السوداء الهامة. هكذا جاء الكتاب في غاية التوثيق «الأكاديمي» إلى جانب «الحس الإنساني».
إن تولرام يحاول اليوم، بهذا الكتاب، أن يعيد ل«أبطاله» السود بعض ما كانوا قد تفضلوا عليه فيه. ولا يقتصر بهذا الصدد على أسماء المشاهير، ممن سبق ذكرهم، ويضاف لهم آخرون من بينهم باتريس لومومبا وتوسان لوفيرتور وغيرهما كثر، بل يضيف أسماء العديد من المغمورين الذين لم يعد يذكرهم أحد.
وحيال هؤلاء جميعا يقول تورام: «نحن أبناؤكم، وسوف نتابع الحديث والكتابة كي نشجب كل أشكال الظلم».
وإذا كان تورام يذكر بين كواكبه «فريديريك دوغلاس»، أول مرشح أسود للرئاسة الأميركية، فإنه يرى في باراك اوباما ذلك الذي رفض أن يكون «أسير لون بشرته». ويشير أن أمه كانت ترى «استحالة» انتخابه بينما كان طفلاه يستغربان كيف لم يتم من قبل انتخاب رئيس أميركي أسود.
«هذا هو التغيّر»، كما يقول حيث سيكون هناك «ما قبل» أو «ما بعد» اوباما. لكنه يرى أن انتخاب «اوباما» فرنسي لا يزال بعيدا والصعوبة لا تأتي من القاعدة ولكن من القوى السياسية.
السود والعبودية
جوهر اهتمام ليليان تورام الرئيسية يكمن في محاولته شرح ما معنى أن يولد الإنسان «ذو بشرة سوداء»، أي ما يعني بصورة آلية تلازم هذا مع الآلام المصاحبة للعبودية التي كان السود ضحيتها أكثر من غيرهم. وهو لا يتردد في هذا السياق أن يعلن أن أولئك الذين خاضوا معارك تحرير السود قد ساعدوه في فهم معاناة السود.
المؤلف في سطور
ليليان تورام، هو أحد أشهر نجوم كرة القدم في فرنسا خلال السنوات العشر الأخيرة. وهو أكثرهم اهتماما بالشأن الثقافي والشأن العام. اتخذ العديد من المواقف السياسية التي كان من أكثرها شهرة مناوءته للرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة. وأعلن باستمرار أن معركته الحقيقية هي ضد العنصرية.
الكتاب: كواكبي السود
تأليف: ليليان تورام
الناشر: فيليب راي ـ باريس 2010
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
Mes étoiles noires
Lilian Thuram
Philippe Rey - Paris 2010
400P.

