«الصقر والحمامة» هو عنوان كتاب الصحفي الأميركي «نيكولا تومبسون»، أما الصقر والحمامة فهما شخصيتان أميركيتان كان لهما دورهما الكبير في السياسة الأميركية في عدة إدارات جمهورية وديمقراطية خلال سنوات الحرب الباردة.

القاعدة السائدة في الولايات المتحدة الأميركية هي أن تقوم كل إدارة جديدة، خاصة عندما تكون الانتخابات الرئاسية قد أدت إلى تغيير «اللون السياسي» للقاطن الجديد في البيت الأبيض، بتشكيل فريقها من بين أولئك الذين كانوا إلى جانب الرئيس المنتخب أو من المقرّبين منه. ومثل هذه القاعدة يجد المؤلف ترجمتها عند الانتقال من إدارة بيل كلنتون الديمقراطية إلى إدارة جورج دبليو بوش الجمهورية، ثم من هذه الإدارة الأخيرة إلى إدارة باراك اوباما الديمقراطية. هناك عدد قليل من المسؤولين يحتفظون بمناصبهم، لكن هذا هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها. مثل هذه القاعدة في «التغيّر السريع» وجدت من خالفها في شخصيتين أميركيتين هما بول نيتز وجورج كينان اللذان استطاعا المحافظة على نفوذهما وموقعهما الاستراتيجي خلال خمسة عقود كاملة من الزمن وكان لهما وزنهما الراجح في صياغة السياسة الخارجية الأميركية خلال الحرب الباردة.

بول نيتز عمل في ظل جميع الرؤساء الأميركيين من فرانكلين روزفلت وحتى جورج بوش «الأب».وجورج كينان هو الذي صاغ مفهوم «الإحاطة» التي مارسته الولايات المتحدة الأميركية في علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي بشكل خاص منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وهو الذي سهر على «حسن تطبيق» ذلك المفهوم على مدى خمسة عقود تالية. ولا يتردد المؤلف في وصفه أنه قد يكون «المفكر الأكثر عمقا» الذي خدم في جميع الإدارات الأميركية.

بول نيتز وجورج كينان هما اليوم في عداد الأموات. لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد على «حضورهما» المستمر في الإدارات الأميركية. ذلك من خلال عدد من «الكوادر» الذين كانوا قد تدرّبوا سياسيا وإداريا في مدرستهما.

الأمثلة التي يتم ذكرها كثيرة وليس أقل رموزها بول وولفويتز وريشارد بيرل اللذين كانا من «المتدربين» على يد بول نيتز في أواخر سنوات الستينات المنصرمة.

أما أفكار كينان و«واقعيته السياسية» فيجدهما المؤلف في الكثير من توجهات إدارة الرئيس الحالي باراك اوباما.وكان كينان قد حرص على أن لا يكون في غرفة المؤتمرات الصغيرة التي كان يعقدها مع مساعديه سوى خريطتين معلقتين على الجدار إحداهما للولايات المتحدة الأميركية والثانية للعالم. ولم يكن يتوقف عن التأمل فيهما عندما يكون وحيدا وهذا ما نتج عنه مفهوم ضرورة «محاصرة» الاتحاد السوفييتي عبر الضغط السياسي عليه.

وهو صاحب الوثيقة الشهيرة ب»سبل الإحاطة بالاتحاد السوفييتي» والتي توزعت بين مشروع مارشال لإعادة تعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وإيجاد هيئة تابعة لوزارة الخارجية متخصصة بالعمليات السرية والدعم المحدود لـ «الوطنيين الصينيين» المناوئين للنظام الشيوعي ودعم إعادة البناء السلمي لليابان بعد أن دمّرتها الحرب العالمية الثانية أيضا. هذه الأمور كلها كانت، كما يحدد المؤلف القول، من «ثمرات» أفكار جورج كينان حول كيفية صد توسع النفوذ السوفييتي في العالم.

وكان كينان قد حاول وقف عملية تشكيل الحلف الأطلسي العسكري-الناتو- ذلك على قاعدة خشيته من أن يؤدي إلى تعزيز قدرات أوروبا الشرقية كرد مقابل. كما كان كينان يعارض الاعتراف بإسرائيل، وكان يرى أن منظمة الأمم المتحدة ليست ذات فائدة كبيرة فيما يتعلق بتسيير شؤون العالم. هكذا أطلقوا على جورج كينان في الولايات المتحدة الأميركية لقب «رجل جميع المعارضات».

بول نيتز كان أكثر شبابا من جورج كينان. وكان الرجلان قد التقيا ذات يوم من عام 1993 في القطار وأصبحا «صديقين».

وقد عملا معا فيما بعد على مشروع مارشال. وفي عام 1949 أصبح «نيتز»، مساعدا لكينان في «إدارة التخطيط السياسي». كانت قد بدأت تعمق لدى كينان آنذاك فكرة أن «يستريح» وأن نيتز يمكن أن يأخذ مكانه. هكذا لم يتردد في تسليمه مكتبه ومارس هو نفسه ؟

أي كينان- العمل في قاعة الندوات .كانت العلاقة بينهما في البداية، كما يصفها المؤلف، هي علاقة «الطالب المتحمس» ب«الأستاذ المعجب». وقد أبدى كينان إعجابه مرات كثيرة بقدرة نيتز على تقديم رؤية شاملة للأمور.

ويحدد المؤلف القول إنه منذ عام 1949 عندما اكتشف الأميركيون أن الاتحاد السوفييتي قد توصل إلى اختراع القنبلة النووية أصبحت لديهم القناعة أنه ما حدث قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ لمدينتي ناغازاكي وهيروشيما اليابانيتين يمكن أن يحدث فيما بعد لهوستن أو نيويورك.

كان على كينان ونيتز أن يواجها عواقب ذلك. وعندما التقيا لتدارس الأمر في منزل نيتز كانت تلك هي المرة الأخيرة التي اتفقا فيها حول المسألة الأساسية المتعلقة بالحرب الباردة.لقد كان كينان في صف الصقور عندما قصف الأميركيون هيروشيما بالقنبلة النووية.

وعندما اكتشف أن السوفييت اخترعوا السلاح النووي كتب في مذكراته «المهم هو النوايا وليس القدرات بين الأمم». أما نيتز فركّز على «القدرات قبل النوايا» على أساس أن نظاما سلبيا يمكن أن ينقلب في الغد إلى نظام «عدواني». والأسلحة التي لا تبدو مهددة يوم الثلاثاء يمكن أن تصبح خطيرة يوم الأربعاء.

حول هذه المسألة اختلف الرجلان واختلفت آراؤهما حول ضرورة أن تصنع أميركا «القنبلة الهيدروجينية» أم لا؟ وفي الوقت الذي أصبح فيه كينان مناهضا لها «من موقع الحمامة» دعا نيتز « الذي غدا صقرا» لضرورة تصنيعها. إنه الفرق بين «النوايا» و»القدرات». وكان هذا قد حدد مواقف الرجلين طيلة فترة الحرب الباردة. مما كان له تأثيره على صياغة السياسة الخارجية الأميركية.

العالم المتغيّر

»إن العالم يتحرك بسرعة اليوم»، كما يقول المؤلف وبسرعة أيضا تنتقل الأفكار. لكن الذهنية «الحزبية» لا تزال فاعلة على صعيد قمة السلطة في الإدارات الأميركية. ولم يعد مستبعدا أن يجد بعض أصحاب النفوذ والشهرة أنفسهم على الهامش خلال ساعات، وأحيانا خلال دقائق.

المؤلف في سطور

نيكولا تومبسون صحفي أميركي، يساهم بانتظام في النيويورك تايمز وواشنطن بوست وبوسطن غلوب. وهو مختص بالقضايا السياسية والتكنولوجيا في أميركا. ويشارك أيضا في لقاءات قناة «سي.ان.ان» التلفزيونية.

الكتاب: الصقر والحمامة

تأليف: نيكولا تومبسون

الناشر: هنري هولت وشركا ـ نيويورك 2009

الصفحات: 416 صفحة

القطع: المتوسط

The hawk and the dove

Nicolas Thompson

Henry Holt and compagny New York 2009

416P.