«بلا تحفظ» ـ «الطبل الرنّان» كترجمة حرفية ـ هو عنوان الكتاب الذي صدر أخيراً للمخرج الألماني الكبير «فولكر شلوندورف». وهو يعرّف نفسه بالقول انه «من مواليد ألمانيا ثم أصبح فرنسياً فأميركياً.

حالماً بطبيعتي لكنني جعلت من نفسي رجل فعل وعمل، وأميل للكآبة بطبيعتي، لكن سباق الماراتون جعلني أعتنق فضيلة الفرح. ولم أكن في يوم من الأيام حيث ينتظرني الآخرون. مع ذلك لم يسكنني أبداً الإحساس أنني ضائع». بهذه الكلمات يبدأ فولكر شلوندورف مذكراته التي يتحدث فيها عن حياته وعن أفلامه السينمائية. وهو كتاب عن 50 سنة من تاريخ السينما وعن مسيرة المؤلف الذي تعرّف خلالها على كبار المشاهير في هذا الميدان. الأسماء كثيرة والأحاديث تتشعّب. وهي تصل في هذا الكتاب - المذكرات إلى العديد من «المواقف واللحظات الحميمة» وإلى الأصدقاء والنساء الذين تركوا بعض الآثار لدى صاحب هذه المذكرات الذي يحدد مضمونها ـ جزئيا. بالجملة التالية: «سنوات طفولتي وذوقها وآثار القراءات الأولى وسنوات المدرسة الثانوية في فرنسا ودخولي إلى عالم السينما من الباب الصغير في مدرسة لويس مال وجان بيير ميلفيل، ونجاح فيلم- طبل الصفيح- بعد بدايات مشتتة، ومشكلات إعداد الأفلام واللقاءات التي لا تنسى مع برنار تافيرنييه.

المخرج الفرنسي- وارتر ميلر، الكاتب الشهير، وقصص الغرام الصغيرة والكبيرة. وهذا كله مثلما هو الحال في الغرف المظلمة ـ في صناعة السينما- حيث تختلط الظلال مع الأضواء». ويروي شلوندورف من ذكريات شبابه الأولى أنه عندما وصل إلى فرنسا ـ مدينة فان - بعمر 16 سنة اكتشف أن هناك فرنسيين «معجبون بألمانيا»، بأدبها وموسيقاها. كان ذلك في الفترة التي وصلت فيها إلى فرنسا سيارات «فولسفاكن» الصغيرة المعروفة ب«الخنفساء».

وفي تلك السنوات أيضاً عرف أول مواقفه «السياسية» بالتظاهر مع اليسار الفرنسي المتطرف ضد حرب الجزائر، وبتوزيع المناشير السرية. ومع تأكيد المؤلف لتأثره الكبير وإعجابه بالثقافة الفرنسية، فإنه يؤكد بنفس الوقت قوله: «لم يكن هناك أبداً ما يدلّ على أنني قد أتخلّى ذات يوم عن ثقافتي ـ الألمانية - بشكل كامل كي أتبنّى الثقافة الفرنسية».

ويعترف أنه وجد نفسه في أحيان كثيرة أمام الأسئلة أمام الأسئلة التي طرحتها عليه قضية الانتماء الثقافي. ولم يجد أبداً إجابات كافية شافية عليها. هكذا عندما تكون العقبات كبيرة، أو عندما تبدو للمعني بها أكبر من إمكانية تجاوزها، فإن الهرب يكون في أغلب الأحيان هو الرد الأكثر بساطة و«ربما الأكثر صحة»، كما يقول المؤلف.

وكان الهرب بالنسبة إليه يعني أن «يتمثّل الثقافة الفرنسية إلى حد لا يغدو معه ألمانياً»، بالمعنى التقليدي للكلمة، وهذا ما يعلّق عليه المؤلف نفسه بالقول ان «إرادة التمثل» هي سمة ألمانية بحتة. هكذا كانت نسبة تزيد على 40 بالمائة من المهاجرين في الولايات المتحدة بنهاية القرن التاسع عشر هم من الألمان، لكنهم اندمجوا حتى «النهاية» في المجتمع الجديد بحيث لم يبق شيء من «جرمانيتهم». قاموا بتحوير أسمائهم بحيث تبدّلت تسمية «مولر» إلى «ميللر» و«شميت» إلى «سميت».

ويشير المؤلف أنه إذا كانت أحداث الطلبة ـ ثورة الطلبة، يعبّر البعض- قد انطلقت في فرنسا خلال شهر مايو من عام 1968، فإن أجواءها كانت قد ظهرت في ألمانيا منذ مطلع عقد الستينات الماضي.

وكان السينمائيون الألمان قد حرروا في عام 1960 ما سُمي بـ «إعلان اوبرهاوسن» الذي أعلنوا فيه أنه ينبغي لأفلامهم أن تتحدث عن ماضيهم وعن أهلهم وعن مجتمعهم. ذلك في نفس الفترة التي كانت قد بدأت فيها ألمانيا المحاكمات الشهيرة للمسؤولين عن معسكرات الاعتقال بسبب الجرائم التي كانوا قد اقترفوها.

ويروي المؤلف في هذا السياق أنه كان قد تعوّد أثناء إقامته في فرنسا أن يذهب كل صيف إلى ألمانيا كي يقضي العطلة فيها. وكان يتولاه كل مرة الإحساس أنه أكثر اهتماماً بالسياسة، من أقرانه الألمان.

بل يشير أن هؤلاء لم يكونوا يستطيعون قبول، ولا فهم، أنه يمكن لألماني مثله أن يكون ذا ميول يسارية. ذلك أن ألمانيا الغربية كانت تعرّف نفسها على أنها «نقيض» ألمانيا الشرقية. ولم يكن الألمان الغربيون يترددون في القول لكل من يعلنون عن قربهم من الأفكار اليسارية: إذا كان الوضع هنا لا يعجبكم، فما عليكم سوى الانتقال إلى الجهة الأخرى».

ويشير شلوندورف هنا، إلى أنه عندما أعدّ فيلمه عن «التلميذ تورليس» وجد نفسه مضطراً للانتقال إلى «القسم الآخر» من أوروبا، هكذا ذهب إلى موسكو وإلى ألمانيا الشرقية وشاهد قبر لينين.

وما يؤكده هو أنه ذهل أمام «حقيقة الواقع الاشتراكي». وحيث كان المثقفون يدافعون عن أفكار لا يريدون لها أن تعرف طريق التطبيق. لكن هذه الأمور كلها لم يستطع المؤلف فهمها، كما يقول، إلا بعد سقوط سور برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989.

ألماني وفرنسي

يشير شلوندورف إلى إدراكه آنذاك أنه بمقدار ما كان يبحث عن «تمثّل الثقافة الفرنسية» كان يتعزز إحساسه الألماني. وفي مثل ذلك السياق قرر أن يلج عالم السينما كمساعد مخرج. وكان فيلمه الأول «مخاوف التلميذ تورليس»، الذي يصفه أنه «ذو طبيعة ألمانية مغرقة». والأمر نفسه بالنسبة لفيلمه الأكثر شهرة في العالم أي «طبل الصفيح».

المؤلف في سطور

فولكر شلوندورف من مواليد ألمانيا عام 1939. عاش سنوات طويلة في فرنسا، وهو أحد أكبر المخرجين السينمائيين الأوروبيين المعاصرين. سبق له وقدّم أكثر من 30 فيلماً من بينها «شرف كاترينا بلوم الضائع» و«طبل الصفيح» الذي حاز على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي لعام 1979 وجائزة «اوسكار» أفضل فيلم أجنبي.

الكتاب: الطبل الرنان بلا تحفظ

تأليف: فولكر شلوندورف

الناشر: فلاماريون ـ باريس 2009

الصفحات: 430 صفحة

القطع: المتوسط

Tambour battant

Volker Schlondorff

Flammarion - Paris 2009

430P.