توفي الفيلسوف الروماني الأصل، والفرنسي بالتبنّي، اميل سيوران في باريس عام 1990. وكان قد كتب في عام 1941 نصا عن «فرنسا»، واليوم تعرفه رفوف المكتبات. إن سيوران يرسم في هذه الصفحات صورة لفرنسا بما تبعثه من أمل وما تدفع إليه أحيانا من يأس وهو يبدو بكل الحالات «عاشقا» لفرنسا بما فيها من «مكامن العظمة» ومن «أشكال الصغر».
ومن أهم ملامح الصورة التي يرسمها لفرنسا قوله أنها «كانت عظيمة» جدا، خاصة من خلال حرصها على مكانة الفرد ودفاعها عن الحرية. إنها لم تتردد في «التضحية بدماء أبنائها» من أجل ذلك. لكنها لم تحتفظ من ذلك سوى بـ «المال والمتعة». إن سيوران يجد تفسير مثل هذا التوجه بكون أن فرنسا لا تشذّ عن القاعدة القائلة أنه عندما يزول الإيمان بأي شيء تغدو «الحواس» بمثابة «ملجأ» والمعدة «غاية». بهذا المعنى تغدو ظاهرة الانحطاط ملازمة ل«فلسفة الطعام». ويرى سيوران فيها «المطالب الدنيا» ترتفع إلى مصاف الطقوس. وبالتالي «حلّت الأغذية محل الأفكار». ثم إن «البطن كان مقبرة الإمبراطورية الرومانية». يقول سيوران: «ليس هناك ما هو أكثر إثارة للضيق رؤية أمة تم توصيفها بالأمة العظيمة والجيش العظيم وتحدثت عن عظمة فرنسا، تتردّى إلى مصاف قطيع الباحثين عن السعادة الآنية. إن فرنسا لم تعد تمتلك رؤية ثورية ذلك أنها لم تعد تمتلك أفكارا تدافع عنها».
ويعتبر المؤلف أن أكثر الفترات «فرنسية» تمثّلت في القرن الثامن عشر حيث أصبحت «الصالونات» عالما قائما بذاته. إنه قرن «السلوك المصطنع اللطيف والجميل» وحيث كانت «الزركشات» أهم من الثوب نفسه. لكنه كان بنفس الوقت «قرن الكسل» عبر امتلاكه الكثير من «الزمن الفائض» وحيث كان الناس يشتغلون «من أجل تمضية الوقت».
ومن لا يعمل لا بد أن يعتريه «الضجر» .
وهكذا يصف سيوران القرن الثامن عشر الفرنسي «مثير للضجر». وينقل عن فولتير قوله: «لقد وُلدت مقتولا»، رغم ما قدّمه من جد وإنتاج. وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير أنه كان من حظ فرنسا وجود «نساء ذكيات» أدخلن «اللطف إلى العقل والسحر المصطنع في كل المجرّدات».
هكذا أصبح كل ما هو عميق في فرنسا، لا يستطيع حسب رأي سيوران التعبير عن نفسه. كل ما هو سطحي يستطيع التعبير عن كل شيء. وهنا يطرح السؤال التالي: أليس من المهم أكثر قدرة التعبير وتحقيق الذات على السطح من فقدان كل الأسلحة في العمق. ضمن مثل ذلك السياق سادت في فرنسا في قرنها «الأكثر فرنسية» ثقافة سطحية.
وسؤال آخر: ماذا أحبت فرنسا؟ تقول الإجابة: أساليب التعبير، ومتع الذكاء والصالونات وبلوغ درجات الكمال في الأشياء الصغيرة. وهذا ما يوجزه المؤلف ب«ثقافة الشكل». ثم إن «الحياة عندما لا تكون ألما تكون لعبة. يقول سيوران: «لقد تعلّمت من فرنسا أن لا أعتبر نفسي مهمّا إلا في ساعات الوحدة أما في العلن فعليّ أن أسخر من كل شيء».
ومن السمات الأساسية التي يحددها المؤلف لفرنسا ويؤكّد عليها هناك صفة «الذوق، الذوق الجيد». ذلك على أساس أن العالم كي يكون مهما ينبغي أن يروق لمن يتأملونه. وتترافق هذه السمة، كي تتحقق، بضرورة القدرة على الوصول إلى ما هو جميل، امتلاكه. وهذا يعني محدوديته.
هكذا «لا يمكن لشعب الذوق الجيد أن يحبّ العالم المتسامي»، بل ويذهب المؤلف إلى حد القول: «إن فرنسا تعتبر كل ما يتجاوز الشكل تعبيرا عن مرض الذوق». من هنا يتم وصف ألمانيا أنها «بلاد الذوق الرديء». وفي معرض تشخيصه لنقاط قوة فرنسا وضعفها يحدد سيوران القول: «إن خطيئة فرنسا ومكامن رفعتها توجد في الميل إلى التواصل.
ويبدو أن وجود البشر غايته أن يلتقوا أو يتبادلوا الحديث». ومثل هذه الصفات تتم إعادتها إلى كون أن الثقافة الفرنسية لا تتأقلم كثيرا مع «التأمل» و«حوار الذات» المونولوج. ويكفي بالمقابل أن يُترك الفرنسيون وحدهم «كي يشرعوا بالتثاؤب». لكن «الخطورة» هي عندما يكون التثاؤب مصدره المجتمع كله. وتلك كانت مأساة القرن الثامن عشر، كما يصف سيوران.
ويرى المؤلف أن هناك نقاط تقارب بين الثقافة الفرنسية والثقافة اليونانية القديمة. إن لقيمهما جذورا، لكنها «تتمفصل» فيما بينها بحيث تغيب عنها نقطة الانطلاق والجذر الأصلي. وليس غريبا في مثل هذه الحالة أن تكون الفلسفة الفرنسية والفن الفرنسي ينتميان إلى «عالم ما هو مفهوم».
ذلك على عكس الشعر الانكليزي والموسيقى الألمانية. يقول سيوران: «عندما أكّد فاليري بول فاليري - أن الإنسان مكرّس للمحادثة مع الآخرين، فإن تأكيده بدا مفهوما في فرنسا، ولكن ليس في المناطق الأخرى». وهكذا يتم وصف الفرنسيين أنهم «شعب بدون أساطير». وبالتالي فقد الكثير من «بعده الروحاني»، وذلك نتيجة لإفراطهم في العيش «الدنيوي».
وفي مثل هذا السياق، يكتب اميل سيوران منذ عام 1941، ما نصّه: «عندما لا يعود لدى بلاد كاملة ما تؤمن فيه، فأي مشهد للانحطاط». وفي مثل هذا ليس غريبا، كما يقول، أن يكون هناك من الفرنسيين من يردد: «فرنسا لم تعد موجودة» أو «لقد انتهينا» أو «لم يعد لنا أي مستقبل» أو «نحن بلاد هي بصدد الانحطاط». وهذا بعد أن «كانت فرنسا طيلة قرون القلب الروحاني للقارة الأوروبية»، كما نقرأ.
ونص قديم بكتاب جديد وفي مرحلة تطرح فيها فرنسا التساؤلات حول هويتها.
بلاد تنميق الكلام
يرى سيوران أن أحد أهم خصوصيات الفرنسيين ميلهم إلى تنميق الكلام. ويقول بصدد مقارنتهم مع الألمان: «في الوقت الذي يعتبر فيه الألمان أن الأمور العادية تمثل جوهر الحديث الذي يتبادله الناس، يفضّل الفرنسيون كذبة جيدة الحبكة وجميلة القول على حقيقة سيئة الصياغة».
المؤلف في سطور
اميل سيوران من مواليد رومانيا. أصدر وهو في سن الثانية والعشرين كتابه الأول عن «ذروة اليأس» وأعقبه كتابه الثاني «الدموع والقديسون» الذي أثار فضيحة في بلاده. هكذا هاجر نهائيا إلى فرنسا عام 1941.
دافع عن أطروحة لنيل الدكتوراه حول «برغسون» ثم اهتم بفلاسفة كبار مثل شوبنهاور ونيتشه وقدّم العديد من الأعمال باللغة الفرنسية، كما ترجم الشاعر «مالارميه» إلى اللغة الرومانية. سيوران هو أحد أهم فلاسفة القرن العشرين.
الكتاب: عن فرنسا
تأليف: اميل سيوران
الناشر: هيرن ـ باريس 2009
الصفحات: 96 صفحة
القطع: الصغير
De la France
Emile Cioran
Herne - Paris - 2009
96p

