لم يكن من قبيل الصدفة أن تثير رواية «الفزاعة» للكاتب الأميركي مايكل كونيلي كل هذه الضجة المدوية لدى من يهتمون برواية الإثارة والحركة والجريمة، فهي ترصد خطى قاتل متسلسل للنساء درج على اختطافهن والاعتداء عليهن قبل خنقهن قبل التخلص منهن بإلقائهن في مخزن حقائب السيارات المهجورة. وهو يبدو لنا وحشاً شديد التعقيد بمعايير هذه النوعية من الروايات، ولكن هذه الجرائم ليست الجزء الأكثر إثارة للفزع في رواية «الفزاعة».
هذه الجرائم، في حقيقة الأمر، لاتعدو أن تكون جزءاً معتاداً من النسيج الروائي عند كاتب من نوعية مايكل كونيلي، وهي لا تعدو أن تكون أحداثاً عادية إذا قورنت بالمخاوف الأكثر فظاعة التي تستدعيها رواية «الفزاعة»، فالشخصية الرئيسية في الرواية هي الصحافي جاك مكفوي، الذي سبق لنا أن رأيناه في ذروة عمله المهني في رواية «الشاعر» للمؤلف نفسه الصادرة عام 1996 عندما كانت يعمل محرراً ميدانياً في صحيفة «روكي ماونتين نيوز».
وموت هذه الصحيفة والانهيار التدريجي لصحيفة «لوس انجلوس تايمز» الذي سينتهي بإشهار إفلاس سيشكلان الخلفية الحافلة بالنذر الرهيبة لهذه الرواية.
في رواية «الفزاعة» كما في سابقتها «الشاعر» فإن قوى تقنية الكمبيوتر الحفية هي جزء من الخطر الكلي الداهم الذي تعكسه الرواية. وهذه المرة نجد أن مصدر الشر يكمن في «المزرعة»، وهو مخبأ تحت الأرض في الصحراء يجعله كونيلي شيئاً محتملاً تماماً.
وهكذا نجد أن الأشباح الناهضة من الخيال العلمي التي رأيناها تنبعث من خيال المؤلف مايكل كريشتوف تتحول هنا لتغدو حقائق واقعية في عالم وحشي من التجسس والقرصنة الكمبيوترية وسرقة الهوية وغيرها من جرائم انتهاك الخصوصية.
البطل جاك في هذه الرواية هو واحد من أبرز أبطال الضد الذين أبدعهم كونيلي، والذي يصارع حشداً من القضايا المعقدة المتعلقة بضميره وزوجاته السابقات والسلطة، وعشقه للصحافة يجعله أقرب إلى عضو في فريق لا يكف عن الحركة ومحاولة التأثير في الحياة العامة، ولكنه يتلقى صدمة عمره، عندما يتعرض للفصل من عمله في صحيفة في إطار الانهيار الذي يسيطر على صناعة الصحافة الأميركية المطبوعة، ومن بينها صحيفة «لوس انجلوس تايمز» التي يعمل بها، والتي أبلغته بقرارها وأمهلته أربعة عشر يوماً قبل سريان القرار.
يستبد الغضب بجاك، ويعقد العزم على أن يخرج من الصحيفة بخبطة صحافية مدوية، وذلك من خلال مطاردة المجرم المعروف باسم « الفزاعة» وذلك عبر العمل الصحافي الشاق، ويمضي باقي الرواية في الاعراب عن حزنه وأساه لأن مثل هذا العمل قد غدا في ظل الظروف الراهنة شيئاً بلا طائل، ولا يريده أحد.
مع بداية الرواية، نجد أن هذه الأيام الأربعة عشر هي كل ما تبقى لجاك لكي يكشف سر جرائم «الفزاعة» الرهيبة، وهو يلتقط خيوط هذه القضية من خلال متابعته لتحقيق حول مجرم يعمل بتهريب المخدرات لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وهو يعترف للشرطة بما يفضي إلى اتهامه بجريمة قتل عمد، ولكن جاك، من خلال تحقيقه، يقتنع بأن هذا الاعتراف زائف، ويمضي لسبرغور الحقيقة، الأمر الذي يفضي به إلى الوصول إلى «المزرعة».
«المزرعة» هي أقرب إلى إمبراطورية مزودة بأجهزة تجميع المعلومات، ويقبع وراءها ويسلي كارفر، الذي يفترض أنه مهندس متخصص في تجميع المعلومات، بمعنى أنه يفترض بـ «المزرعة» أن تكون مكاناً لحماية المعلومات الالكترونية الخاصة بالمنشآت والمؤسسات البارزة ودعمها، ولكن كارفر سرعان ما ينغمس في كل أنواع الهوايات المريبة المتعلقة بجمع المعلومات من دون أن يعرف رؤساؤه بجلية الأمر.
هكذا فإن بمقدور كارفر التجسس على زملائه من العاملين في «المزرعة» وبإمكانه التحرك بصورة مجهولة عبر غرف الدردشة بحثاً عن ضحايا من النساء يتفقن مع الشروط والمواصفات العضوية التي بحث عنها بدأب وبلا هواية، ويمكنه أن يصطدم بجاك لدى معرفته بأن صحيفة تجري أبحاثاً كمبيوترية محاولة رصد أسرار الجرائم المتسلسلة التي تودع ضحاياها في مؤخرة السيارات المجهولة.
وفي غمار تحريات جاك يلتقي بإحدى العاملات في جهاز الاف. بي آي والتي تدعى انجيلا كوك، والتي تربطه بها علاقة رومانسية وتتيح له فرصة العودة إلى عمله بالصحيفة.
ويلفت نظرنا حقاً أن جانباً كبيراً من صفحات الرواية يدور حول الكيفية التي ينجز بها جاك عمله على الوجه الصحيح في مطاردة مرتكب الجرائم المتسلسلة، ولكن الكتاب في الوقت نفسه يفسح لنا المجال للتساؤل عن أسرار الوضعية الراهنة للصحافة المكتوبة في الولايات المتحدة وما تعكسه من انهيار يكاد يكون كلياً.
ومن المؤكد أن عشاق روايات والحركة والإثارة ستجتذبهم هذه الرواية بشدة، ولكن ذلك لا يعني خلوها من العيوب، بل ان هذه العيوب قد تبدو لنا أكثر تعدداً وخطورة مما تتصور للوهلة الأولى.
وربما كان من أبرز هذه العيوب أن الرواية تنقل أبطالاً سبق لنا أن رأيناهم في عمل سابق للمؤلف نفسه، وهو أمر قد يجتذب شريحة من القراء بالفعل، لكنه يثير ضجر شريحة أوسع من القراء.
ورواية «الفزاعة» يمكن أن تقرأ في أحد أبعادها باعتبارها مرئية لعالم الصحافة الأميركية المكتوبة واختباراً للطبيعة الرهيبة لتقنية الكمبيوتر التي يمكن أن يتحول الخيال العلمي الذي يدور حولها إلى واقع رهيب محتمل، ولكن هذه المرثية تمر بالقطاعات بين الأحداث والتأملات بشأن ما يجري في عالم الصحافة الأميركية.
وعلى الرغم من أن المنظور المزدوج للرواية، أي منظور جاك مكفوي والقاتل المتسلسل يضفي عمقاً لا يستهان به على الرواية، إلا أن بعض الشخصيات فيها تبدو لنا أقرب إلى الكليشيهات منها إلى بشر من لحم ودم.
أياً كان الأمر، فإننا نظل أمام رواية مثيرة وممتعة وداعية للتأمل، ومن المؤكد أنها ستستقطب اهتمام الكثيرين من القراء الذين يفضلون روايات الإثارة والحركة على غيرها.
كارفر
«مضى كارفر يذرع أرجاء غرفة التحكم ذهاباً وإياباً، وهو يطل على الأجهزة الأربعين الأمامية. وكانت الأبراج تمتد أمامه في صفوف كاملة الانتظام، ومضت تطن بفعالية وهدوء حتى أن كارفر على الرغم من كل ما كان يعرفه تعين عليه الإحساس بالدهشة حيال ما أنجزه العلم.
كل هذا القدر الهائل في مثل هذا الحيز الضئيل. لم يكن ما أمامه فيض من المعلومات وإنما نهر سريع ومتدفق منها يجري قربه كل يوم، متنامين أمامه في أجهزة تصنت عالية من الصلب، وكل ما يحتاج إليه هو أن يدنو منه ليتأمل ويختار.
كان الأمر يشبه غسل الرواسب للحصول على الذهب. ولكن الأمر كان أيسر من ذلك. دقق في أجهزة رصد درجات الحرارة. كان كل شيء على ما يرام في غرفة خادم الكمبيوتر، فخفض عينيه إلى الشاشات على محطات العمل أمامه. وكان مهندسوه الثلاثة يعملون بالتنسيق فيما بينهم عاكفين على المشروع الراهن، وهو محاولة اختراق أبدعتها مهارة كارفر، والآن حانت لحظة الصدق.
مقتطف من رواية «الفزاعة»
الكتاب: الفزاعة
تأليف: مايكل كونيلي
الناشر: ليتل، براون أند كومباني ـ نيويورك 2009
الصفحات: 448 صفحة
القطع: المتوسط
The Scarecrow
Michael Connelly
Little, Brown and Campany, N.Y. 2009
448P.
