لا تزال هناك العديد من الأسرار عن حرب أكتوبر 1973 لم يتم الكشف عنها حتى الآن رغم مرور ثلاثين عامًا على وقوعها، وقد هيّأ ظهور الترجمة العربية للوثائق السرّية الخاصّة بحرب أكتوبر عام 1973 والتي أفرج عنها مؤخّراً الفرصة لاستعادة هذه الذكرى.
وقد قام ويليام بيير ـ الأستاذ بجامعة جورج واشنطن ـ بتحرير الوثائق السرية التي أفرجت عنها الولايات المتحدة خلال الأعوام الماضية بمقتضى قانون حرية الاطلاع على المعلومات في شكل كتاب قام بترجمته خالد داود ـ مدير مكتب «الأهرام» في واشنطن ـ ويتناول هذا الكتاب تطورات حرب أكتوبر، بداية من الأسابيع الأخيرة التي سبقت تفجر الحرب وحتى نهايتها باتفاق وقف إطلاق النار في نهاية الشهر.
وتلقي الوثائق الأميركية الضوء على أمور وتطورات أساسية مثل الأهداف المصرية السورية، وعلاقات القوى العظمى مع أطراف النزاع، وإخفاقات المخابرات الأميركية والإسرائيلية، ودور موسكو وواشنطن في تصعيد الصراع أو إبطاء وتيرة العمليات القتالية، ومدى تأثير الشخصيات الرئيسية الفاعلة في ذلك الوقت مثل مستشار شئون الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي أثناء الحرب أو الرئيس السادات.
ولقد تم تجميع هذه الوثائق من قبل مركز أرشيف الأمن القومي في واشنطن وفقًا لترتيبها الزمني بحيث تتماشى مع مجريات الأحداث في ساحة القتال مع استثناءات قليلة.
ويبلغ عدد الوثائق المترجمة 88 وثيقة؛ وتغطي هذه الوثائق الفترة الزمنية ما بين شهر مايو 1973 وحتى انتهاء العمليات العسكرية وبدء مفاوضات فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل في مطلع شهر نوفمبر.
وإن كانت أغلبيتها الكبرى (أكثر من 93% منها) غطّت فترة الشهر الواحد بين 6 أكتوبر (تشرين الأول)، 7 نوفمبر، (تشرين الثاني) من السنة نفسها. والتي يظهر الكثير منها خفايا المواقف الأميركية خلال هذه الحرب، وهي عبارة عن مذكرات رسمية وتقارير سرية كتبها المسئولون في وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي وسفارات الولايات المتحدة في كل من مصر والسعودية والأردن وإسرائيل.
وكذلك محاضر جلسات رسمية ضمت نيكسون وبريجنيف وكيسنجر وحافظ إسماعيل مستشار الرئيس السادات للأمن القومي وجولدامائير وغيرهم من الشخصيات التي لعبت بدرجة أو بأخرى أدوارًا في حرب أكتوبر قبل ثلاثين عاماً.
ومن أهم ما كشفت عنه الوثائق في هذا الكتاب هو الموقف المشرف الذي وقفه العرب وراء مصر وسوريا والذي يتبين بشكل واضح من الوثائق التي تضم محضر الاجتماع بين الرئيس الأميركي في ذلك الوقت ريتشارد نيكسون ووزراء خارجية أربع دول عربية هي السعودية والكويت والمغرب والجزائر ممثلين لكافة الدول العربية وذلك في السابع عشر من أكتوبر 1973.
«ففي ذلك الاجتماع كان العرب يتكلمون في ثقة وفي كبرياء، وأكدوا للرئيس الأميركي وقوفهم خلف مصر وسوريا في حربهم المشروعة حتى جلاء إسرائيل من آخر شبر من الأراضي المحتلة».
وكذلك الدور الكبير الذي لعبه وزير الخارجية الأسبق ومستشار شئون الأمن القومي هنري كيسنجر في إدارة وتشكيل نتائج هذه الحرب، ويصفه مترجم الكتاب ـ خالد داود ـ بأنه كان مراوغًا في وعوده لإيقاف الحرب بعد اختراق الإسرائيليين لخطوط القوات المصرية وينطبق عليه وصف المؤامرة في السماح لإسرائيل بخرق موعد وقف إطلاق النار الذي كان قد اتفق عليه شخصيًا مع القيادة السوفيتية في العشرين من أكتوبر، وذلك لكي تتمكن من تحسين موقفها العسكري وتعزيز موقفها التفاوضي في مرحلة لاحقة.
وكذلك النظرة الدونية التي كان يرى بها كيسنجر العرب وقوله إن لديهم «نوعا من الرومانسية الغامضة التي تجعل من الصعب التعامل معهم. ولم يصدق كيسنجر أن عند العرب من الشجاعة أو القدرة ما يمكنهم من بدء الحرب».
ومثلت الوثائق الأميركية ردًا على كل الإدعاءات الغربية والإسرائيلية بأن العرب لم يتمكنوا من تحقيق انتصار في تلك الحرب، وذلك في محاولة واضحة لزرع الهزيمة في نفوسهم وجعلهم يفقدون الثقة في قدراتهم، وهي أكبر هزيمة يمكن أن يلحقها عدو بخصمه.
وتبين هذه الوثائق طريقة التعامل مع الأزمة في محاضر الاجتماعات المختلفة التي جمعت بين كيسنجر ومائير، وكذلك بينه وبين نيكسون. كما أن الولايات المتحدة الأميركية تبقى هي الدولة الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل وإجبارها على الانصياع، وكان هذا هو ما قام به كيسنجر حين أمر بالالتزام بوقف إطلاق النار بعد تصاعد الأزمة مع السوفييت وفك حصار الجيش الثالث.
والانقسام حول الأزمة حيث حدث انقسام حاد بين الولايات المتحدة ، وما يسمى بدول أوروبا القديمة، عندما عارضت فرنسا وألمانيا، وكذلك بريطانيا موقف كيسنجر المتحيز تمامًا لإسرائيل وهو ما أثار غضبه الشديد لدرجة دفعته للقول بأن هذه الدول تتخذ موقفًا معاديًا للولايات المتحدة.
وتعرض الوثائق دور السادات وحرب أكتوبر حيث بينت بما لا يدع مجالا للشك أن السادات اتخذ قرارًا شديد الصعوبة ببدء العمليات القتالية في وقت كان سيحاسبه فيه التاريخ بقسوة لو خسر هذه الحرب.
إن هذه الوثائق المفرج عنها تمثل الحقيقة كاملة فيما يتصل بمجريات الحرب ويومياتها. ولذلك فقد تمضي بعض سنوات أخرى قبل أن تتاح معلومات أرشيفية جديدة عن حرب أكتوبر وسيبقى الباب مفتوحًا أمام الكشف عن المزيد عن أسرار هذه الحرب الفاصلة. فما زالت هناك وثائق أميركية بالغة الأهمية عن حرب أكتوبر مفروض عليها حظر رسمي، خاصة تلك الموجودة في ملفات الأمن الوطني عن فترة نيكسون الرئاسية.
التخبط والإخفاق
ينشر الكتاب وثائق لأول مرة تكشف عن عدة أمور لعل من أهمها إخفاق وتخبط المخابرات الأمريكية في التنبؤ بالحرب، ووصول تحذيرات مبكرة لإسرائيل عن هجوم مصر، ونصيحة كيسنجر لها بتفادي القيام بعمليات استباقية، وقرارات كيسنجر المبكرة بتقديم مساعدة عسكرية لإسرائيل مع استمرار اتصاله بإسرائيل لخداعهم، وتحريضه إسرائيل لتحدي قرارات الأمم المتحدة. وخطاب بريجنيف الذي دفع أمريكا لإعلان حالة التأهب النووي، واتصالات أمريكا ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال الحرب.
دور كيسنجر
كان هنري كيسنجر هو المحرك الأول لعملية إمداد إسرائيل بالسلاح لتعويض خسائرها الكبيرة في بداية الحرب ومساعدتها من أجل استعادة تفوقها العسكري. وبجانب العوامل الشخصية التي كانت تربط كيسنجر بإسرائيل لكونه يهودي الديانة.
الكتاب: أسرار حرب أكتوبر في الوثائق الأميركية
تأليف: ويليام بير
الناشر: مركز أرشيف الأمن القومي جامعة جورج واشنطن
ترجمة: خالد داود
مراجعة: إسماعيل داود
الصفحات: 434 صفحة
القطع: المتوسط
رباب محمد
