في هذا الكتاب يلقي الضوء الأستاذ عبد الفتاح رواس قلعه جي على مساحات من الشعر الشعبي الغنائي في الشرق الأوسط، منها «المطاول» سلطان هذا الشعر، الذي يعتبر أرفع أنواع الشعر الغنائي، لا يجيده إلا المتمكنون في فن القصيدة، ويقابل القصيدة التقليدية في شعر الفصحى، وسمّي بالمطاول تفريقاً له عن الموّال، فما زاد عن اثنتي عشر بيتاً فهو مطاول.

كما أنه يتميّز عنه باستيفائه لعدّة أغراض شعرية، وعادة يغني المطاول في السهرات الثقافية، حيث يجتمع شاعران أو أكثر ويتطارحون القصيدة ويتبادلون النقائض. ويلزم شاعر المطاول نفسه بنظام عروضي صارم من أجل تحقيق إدهاش فني وإيقاع خارجي يكون إطاراً للإيقاعات الداخلية الموظفة للغناء. ونقف عند مطلع مطاول لنلمس مدى التأثر بالشعر الجاهلي:

نيّخ زمولك، كفى يا صاح، لأجل الوفاء

تبكي دياراً خلت من بعد سلماها

طال التقادم، وقلبي عالمنايا وفا

أخنى عليها المد بصروف سلماها

إن المطاول يعتبر شكلاً فنياً متطوّراً، ويحمل مؤثرات ثقافية تتجلّى في الأسلوب والإشارات التاريخية والاستفادة الواسعة من بيان القرآن الكريم وقصصه، بالإضافة إلى التجربة الحياتية العامة والخاصة، وما يحفظه الشاعر من موروثات الحكم والأقوال الشعبية والقصص والأساطير والحوادث، وتعدد أنواعه وضروبه. والموال الذي انتشر انتشاراً واسعاً في حلب ومحيطها.

وأوّل ما انتشر في العراق (الشرقاوي، البغدادي) ثم وفد إلى الشام، وقد اشتهر الموّال السبعاوي على ثلاثة أنواع: (العادي، المحبوك، المطرز). وهذا مؤّال يقال أمام بيت العرس، حيث يغنيه الصوّيت بين الحشد المجتمع:

إنّ ردت تعْلا على رقاب العدا تعلا

قم رافق الحج وتفرّج على المعلا

واطلع على بير زمزم واصرخ يا بلال املا

قمر يلاقي لقمر، أينا قمر أحسن

حسن يلاقي لحسن، أينا حسن أحسن

ضربت في تخت رملي ما لقيت أحسن

إلا الصلاة على النبي والفاتحة - للعرابي - ساكن المعْلا.

بعد الليالي يسلطن صوّيت المؤَّال فينطلق في الغناء غير مقيّد بلحن أو جملة موسيقية، إنه يؤدي موّاله على النغمة ذاتها (البيات مثلاً) في لحن مرتجل موشى بتلاوين آسرة للقلوب، وكلما ردّد لازمة الشرقاوي، اهتز السامعون طرباً وانطلقت من أفواههم أصوات الاستحسان والاستزادة من النغم، وارتفعت الحناجر بهتاف للعرس الحلبي: «الله يساوي دوز دوز جي صلوا على محمد والزين زين مكحول العين واللي يعادينا الله عليه»...

أوّل ظهور لفن العتابا يعود إلى نهاية القرن الخامس الهجري، والذين أوجدوها هم البغداديون، وهي تتشابه بكون البيت مركباًمن أربعة أقفال، لكنها تختلف في أوزانها وأغراضها الأولى المفضلة باشتقاقها، فقد اشتقت من العتاب: إنها أغان فراقية حزينة يكثر فيها عتاب الحبيب، والأصل في العتابا أن تأتي على البحر الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعولن)، وكثيراً ما ينشز الناظم في الوزن حتى يصل إليه بوساطة الغناء.

يا سمرا/يا سمرا اللونا/راحو الحبايب/عين الله/وما ودعونا

لوّح لي بإيدك/قلبي يريدك/الله يعيدك/يا عيني/قلبي ما هونا

و«الميجانا» مقاطع شعرية تلازم العتابا، فهي ترس العتابا وغطاؤها، بحيث تقع بين مقاطع العتابا الرباعية ويؤديها الكورس، وغالباً ما تكون على وزن الرجز: (مستفعلن مستفعلن مستفعلن).

ميجانا ويا ميجانا ويا ميجانا

يا رب تجمع بالحبايب شملنا

العتابا والميجانا معاً صورة مغناة للعلاقة التي تربط الفرد بالجماعة، وهما معاً مركب فني غنائي يحمل دراما الحبّ في بنيته الداخلية.

و«الشدّيات» نشيد المعارك، وهي من أقدم ألوان الشعر الإيقاعي، كانت الشدّيات بمرافقة الدبكة تقوم بتحميس الجماعة للقتال والتعبئة وتمجيد العائد من المعركة والتغني بالانتصارات، حيث تقام الاحتفالات الشعبية في الساحات العامة وتنشد الشدّيات:

وإن هللت هللنا لك

طقينا البارود قبالك

وإن هللت يا صبيّة

الواحد منا يقابل ميّة

ومنها شدّيات المظاهرات والأفراح وشدّيات الموالد وختم القرآن ومتاعب العزوبية وخطبة الأهل والزواج. إن قيمتها الأساسية تكمن في أنها وثيقة سياسية واجتماعية ونفسية تعطي التاريخ بعده الفولكوري.

يدرس الكتاب كذلك أغاني الأطفال وشدّياتهم وشعر المناغاة والملاعبة والهناهين التي هي تعبير عن مشاعر الفرح:

ها ها يا ست «فلانة» يا فاولة خضرا

ها ها وقموعك دهب وشروشك فضة

ها ها سبحان من زيّن البستان بالخضرة

الشرق والغرب بيدعو لك من على بكرة

ثم يدرُس الكتاب أغاني الفراتين والبادية، فيعتبره تنوع وثراء وعناق الصحراء للماء، ويعرّف (الأبوذية والميمر ونظم البنات والهوسة والمَرْبع والنايل والسويحلي والموليّة والشوملي واللالا) إلى أن يصل إلى شعر البادية الغنائي فيعرفنا بالقصيد والسامري والحداء والهجين والحوارب والدحّة والشروقي والحماشي والنبطي الذي يدعى أيضاً بالركباني، وينظّم على أبحر متعددّة أهمها البسيط، تقفّى صدوره بقافية وأعجازه بقافية أخرى

يقول محمد بن راشد المكتوم من قصيدة له:

دموع العين سفّاحة كما جرى من الوديان/ من العين منثورة عسنّ الدمع يطفيها

شكالك من هو أسبابُه تنابت دونّه/ فلا الشكوى على الشاكي حكمها نفس قاضيها

وينتهي الكتاب بالقدود الحلبية والموشّح، فالقدود منظومات غنائية أنشئت على عروض وألحان منظومات غنائية شعبية.

بحيث يتم المحافظة فيه على الوزن والإيقاع الموسيقي، مستبدلاً النصّ الشعبي القديم المكتوب غالباً بالعامية بنصّ جديد مكتوب غالباً بالفصحى، أما الموشّح فيتألف من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويطلق على القفل الأخير اسم «الخرجة» وتكون بالعامية.

ومن الموشحات ما جاء على بحور الشعر المعروفة، ومنه ما خالف الوزن المعروف بإدخال كلمة أو حركة تتخلل فقرات الموشح، ومن الموشحات الحلبية التي لحنها عمر البطش ومقامه النهاوند:

من يوم حبيّت ما بشوف النوم

عشقته تاهت أفكاري

لو الحبيب ينصفني يوم

ما كنت بقول منّه يا ناري

المؤلف في سطور

عبد الفتاح رواس قلعه جي، أديب وباحث ومؤلف مسرحي، ولد في حلب عام 1938 م.، وحصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق عام 1965 م.

مارس تدريس اللغة العربية في ثانويات حلب والجزائر، ثم ندب للعمل في إذاعة حلب، جرى تكريمه عدّة مرات، له العديد من الكتب، أهمها: خير الدين الأسدي، دمشق 1980 - أمين الجندي، دمشق 1988 - ياقوتة حلب، عماد الدين النسيمي، دمشق 1991، حلب القديمة وأسواقها، بيروت 1989 - عمر البطش، دمشق 2004 -التواشيح والأغاني الدينية في حلب، الكويت 2006 - وله العديد من المسرحيات وقصص الأطفال.

الكتاب: دراسات ونصوص في الشعر الشعبي الغنائي

تأليف : عبد الفتاح رواس قلعه جي

الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2009

الصفحات: 184 صفحة

القطع: الكبير

فيصل خرتش