يتناول فؤاد مطر في هذا الكتاب موضوعاً معقداً وشائكاً وخطراً، هو موضوع الانتشار الواسع للفتوى في الأوساط الدينية، خاصة الإسلامية، أو ما يسميه فوضى الفتاوى، التي نجمت عن استفحال ظاهرة الفتوى والفتاوى المضادة، وتطاولها إلى مختلف أمور الدنيا، وتدخلها في مختلف تفاصيل الحياة اليومية للناس.

ويتمحور هدف الكتاب في التنبه إلى خطر فوضى الفتاوى، من خلال العرض والتحليل والمقارنة، وصياغة «فوضى الفتاوى»، بأسلوب يعتمد على الحكاية والروي، وتبيان مخاطره هذه الظاهرة وأثرها على الإسلام وحياة المسلمين، الأمر الذي اقتضى توثيق وتصنيف جملة واسعة من الفتاوى، وتحليل بعض جوانبها وتأثيرها على حياة عامة الناس، إلى جانب عرض نماذج للموضوعات التي تناولتها فتاوى رجال دين، من مختلف الانتماءات الدينية والمذهبية. ويكشف تشعب وتنوع ضروب الإفتاء ومواضيعه عن حدة الأزمة، التي تعصف بالجماعات الدينية، وخاصة المسلمة، من جهة المحاولات التي لا تكل في البحث عن سند أو غطاء شرعي، يبيح لها بعض المحظورات، أو يعينها على التعامل مع المستجدات التي فرضتها الحياة الحديثة والتطورات المتسارعة التي حدثت في خلال السنوات الماضية، حيث لم يشهد التاريخ العربي والإسلامي مثل هذا التداخل الوسع ما بين السياسي والديني والاجتماعي، في الوقت الذي يتجه فيه عالم اليوم نحو المركزة الشديدة، وما ينتج عنها من إرهاصات ثقافية واجتماعية، تتغذى على أفكار والصدام والصراع والعودة إلى الانتماءات ما قبل المدنية، والارتكاس إلى الهويات الضيقة والفائضة.

ويعتبر مطر أن حضور رجال الدين قبل ثورة الإمام الخميني في إيران على درجة بسيطة من التأثير الفاعل في المجتمعات الإسلامية العربية وغير العربية، لكنه بدأ يتسع بعد استقرار الثورة الإيرانية، وساعدت على ذلك الفضائيات التي بدأت تستعين برجال الدين وأهل الفكر المتعمقين في الفقه الإسلامي لكي يتحدثوا، وجعلت الأزمات والتداعيات الناشئة عن الحروب والصراعات والهزائم رجال الدين يجدون طريقاً سالكة إلى عقول الناس وقلوبهم. ثم صارت البرامج الدينية أساسية في هذه الفضائيات، وبدأ هؤلاء يشكلون مراكز قوة في المجتمع الإسلامي، وأصبحوا من خلال الفتاوى على أنواعها، المتحرر والتقليدي، حاضرين في عقل معظم المسلمين، الذين يبنون حياتهم ويعالجون أزماتهم ومشاكلهم العامة والخاصة على أساس هذه الفتاوى لرجل الدين الفلاني أو الآخر. وكان بعض رجال الدين الذين يُفتون يلتقون على رأي موحّد أحياناً، لكنهم في معظم الأحيان كانوا لا يلتقون.

ونجم عن كثرة الفتاوى تعارض بين أن فتوى هذا الشيخ مع فتوى الآخر، بالرغم من أن المسألة محسومة مادام الدين الإسلامي، قرآناً وحديثاً ووقائع منسوبة إلى معاصرين للنبي محمد (ص)، هو النبع وهو الأساس. ويقرّ مطر بأن الفتاوى كانت ظاهرة هامة في زمن ما قبل الثورة الإيرانية في المجتمع الإيراني، لكن فتاوى آية الله الخميني أضحت المنارة التي تضيء الطريق أمام جماهير حائرة في خياراتها، بين مجتمع علماني تتحكم به أجهزة مخابرات بالغة القسوة وبين المسجد الذي شكّل الملاذ الروحي لهم.

كما أن هذه الحال كانت سائدة في مصر قبل ثورة 23 يوليو 1952، ثم خلال سنوات الثورة، لكنها لم تصل إلى المستوى الذي وصلت إليه مع انتشار الفضائيات واستقطاب هذه لعشرات الأزهريين الذين يتحدثون ويفتون. غير أن أمر الفتوى لا يخص مجال المسلمين فقط، بل يمتد إلى مختلف الطوائف المسيحية واليهودية، حيث تضمن الكتاب بض الفتاوى من الديانتين المسيحية واليهودية، وفتاوى سنية وأزهرية وإخوانية ونماذج من المحلل والمحرم في الفتاوى الخمينية والسيستانية، وسوى ذلك كثير.

والطريف في الأمر هو التقاء طوائف مسيحية عديدة مع مختلف المذاهب الإسلامية على تحريم عملية الإجهاض واعتبارها عملية قتل، في حين أن فتاوى بعض الحاخامات اليهود الذين يعيشون في «إسرائيل» تظهر عنصرية وحقداً وعدم تسامح مع الأخر، خصوصاً حيال الفلسطيني والمسلم. وهناك بعض الفتاوى التي تقرّب بين المسيحية والإسلام، وبين السنة والشيعة، وتظهر تسامحاً كبيراً بين الديانات، لكن ثمة فتاوى أخرى تعبّر عن كراهية، وتقود إلى الفتنة حتى وإن لبست لباس الحرص على الدين.

والناظر في جملة الفتاوى التي جمعها الكتاب، يجد أنها تخص مواضيع عديدة، تتعلق بالحياة الاجتماعية، وأمور المرأة والرجل، وحقوق الفرد المسلم، إلى جانب أمور تتصل بعالم المال والأعمال، وتمتد لتطاول أمور السياسة، والسلطة، والإمامة، والمرأة، وتعدد الزوجات، والجنس، والفن، والبورصة، والعمليات الاستشهادية، والاستنساخ البشري، والعلاقة مع الآخر، وأمور أخرى عديدة يصعب حصرها.

لكن هذه الكثرة أحدثت فوضى كبيرة، تروّج لها المحطات الفضائيات، ويتسبب ترويجها بما يوسع رقعة الصدمات الناشئة عن فتاوى بعض رجال الدين إلى درجة تجعل المسلم، أو المسلمة، يطرح بينه وبين نفسه تساؤلات من نوع: هل هذا طبيعي؟ وهل الدين الإسلامي مهتم بهذه الأمور غير المنطقية؟ وما هي الأسباب التي أفضت إلى هذا الكم المتنافر والمتناقض من الفتاوى؟ وقد فرضت فضوى الفتاوى ضرورة البحث عن ضوابط للفوضى التي تعتري مشهد الفتاوى، وهو أمر دفع بالمملكة السعودية إلى عقد مؤتمر دولي للمفتين في مكة لوضع أسس وضوابط عملية الإفتاء.

وأصدر المؤتمر «ميثاق الفتوى»، الذي يحرّم على المفتي الإفتاء إذا كان لا يعلم حكم المسألة أصلاً ولا يستطيع استنباط حكمها وفق الأصول الشرعية، وإذا كان الإفتاء بهوى من المفتي، وإذا كان منشغل الفكر، وفي حال لم يتمكن معها من التأمل والنظر، وإذا خشي لحوق الضرر به، وإذا خشي غائلة الفتوى بأن تؤدي إلى مآلات غير محمودة. كما وضع مواصفات واضحة للمفتي، وضوابط الفتوى، لكن ذلك كله لم يمنع المفتين من الاستمرار في إنتاج الفوضى المستمرة، ولم تردعهم الضوابط والتوصيات.

عمر كوش

المؤلف في سطور

فؤاد مطر، كاتب وإعلامي لبناني، عمل على مدى أكثر من أربعين عاماً في الصحافة، وكتب في عدة صحف لبنانية وعربية، وهي: «النهار» و«الأهرام» و«المستقبل» و«التضامن» و«الشرق الأوسط» و«اللواء»، وأصدر العديد من المؤلفات، منها: «رؤساء لبنان من شارل حلو إلى شارل دباس، 1964»، و«الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم انتحر، 1971»، و«أين أصبح عبد الناصر في جمهورية السادات، 1972»، و«بصراحة عن عبد الناصر، حوار مع محمد حسنين هيكل، 1975»، و«صدام حسين: السيرة الذاتية والحزبية وأسلوب الحكم وإدارة الصراع (1937 ـ 1980)، 1980»، و«موسوعة حرب الخليج: اليوميات، وثائق الأزمة والحرب، الحقائق، 1994»، و«للقائد التاريخي قلم ينصفه، 2006»، و«الخميني وصدام القرار الصعب والخيار الأصعب، 2007».

الكتاب: ألف فتوى وفتوى! مسلمون في مهب فوضى الفتاوى

تأليف: فؤاد مطر

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ـ بيروت 2009

الصفحات: 478 صفحة

القطع: الكبير