تقول الكاتبة «د.نهاد صليحة» في مقدمة الكتاب، إنها منذ أن عادت إلى مصر، بعد فترة من البقاء خارجها، إما للدراسة بانجلترا أو للعمل ببعض البلدان العربية في مجال المسرح، انشغلت بقضايا وهموم المسرح.. إلا أنها ما بين الحين والحين تعود إلى الكتابة حول كتاب شعري أو قصصي أو فيلم رأته أو حتى تكتب حول تأملات ورؤى في الحياة.

جمعت الناقدة تلك التأملات النقدية للفنون والحياة، والتي كتبت بداية من عقد الثمانينات، ثم أصدرتها في كتاب تحت عنوان «في الفن والأدب والحياة». يضم الكتاب أربعة محاور هي: «في الأدب العربي»، ويضم خمسة عشر مقالاً.. «في الأدب الانجليزي والأميركي»، يضم اثني عشر مقالاً.. «في الفن»، يضم ثماني مقالات.. «في الحياة»، يتضمن واحداً وعشرين مقالاً. في المحور الأول يلاحظ القارئ أن كل المقالات قصيرة (نسبياً)، ربما بسبب حرص الكاتبة على نشرها في الصحف اليومية (حيث كان النقد الأدبي خلال تلك الفترة القديمة، يعنى بنشر الأدب والنقد، على عكس الصورة اليوم في الصحف المصرية).. كما سجلت الكاتبة تاريخ نشر أغلب تلك المقالات والجريدة التي نشرتها، وبعد مرور تلك السنوات التي بدأت في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، يستطيع القارئ الإلمام بصورة ما، عن صورة الحياة الثقافية والإبداعية خلال تلك الفترة..

لعل أهم ما يخلص إليه القارئ بعد قراءة تلك المقالات النقدية لمجموعة من الروايات والقصص والأفلام، أن الكاتبة استخدمت المنهج النقدي الانطباعي التأملي، القائم على التحليل لمفردات العمل الأدبي وتفكيكه والبحث عن السمات العامة الهامة له.. في إطار استخدام لغة غير متقعرة وبلا مصطلحات أكاديمية، ربما لأنها توجه إلى القارئ غير المتخصص، وهي ميزة هامة.

تناولت في تلك المقالات لعدد من الأسماء الأدبية الراسخة والشابة معاً (في تلك الفترة).. مثل: «يوسف إدريس»، «اعتدال عثمان»، «سمير سرحان»، «سلوى بكر»، «صلاح عبدالسيد»، «محمد السلماوي»، «ناهد عزالعرب»... كما أنها احتفت بأعمال الكاتبات، بحيث احتلت أكثر من نصف عدد المقالات المنشورة في هذا المحور. وهو ما يشير إلى أن عقد الثمانينات وما بعده أفرز جيلاً جديداً من الكاتبات يفوق بكثير عددهن عما قبله.

في المحور الثاني بدت المقالات أطول كثيراً عما هي في المحور السابق، وقد تناولت إما بعض الشعراء (غير المحدثين) الراسخين في تاريخ الشعر الغربي، أو التوقف أمام مدرسة نقدية (مثل النسوية والنقد النسوي) وهو اصطلاح لم يكن شائعاً في زمن نشر المقال، ويعد جديداً على الحياة الثقافية العربية.. كما تناولت إحدى المسرحيات بالتحليل التفصيلي.

تقول الكاتبة في مقالها حول الشاعر «جورج جوردون بايرون» (1788-1824م) انه لم ينل الاهتمام بقدر كاف عند الأدباء العرب، بالرغم من كونه من أهم الرومانسيين، وأن أشعاره لا تخلو من واقع اللحظة التاريخية على المستويين الاجتماعي والسياسي، مع نبرة واقعية، وتعد حسا ساخرا، وإحساسا بالمفارقة.. تعود وتشير إلى أن النزعة الرومانسية عند العربي تميل أكثر إلى النزعة المثالية والى التجرد والمبالغة العاطفية.

يقول الشاعر في إحدى قصائده:

«رأيت في المنام... بين الصحو والمنام/ أن الشمس قد انطفأت.../ وتبعثرت النجوم على غير هدى في ظلام الفضاء اللانهائي/ وقد فقدت نورها وضلت مسارها/ وغشي الجليد الأرض فتأرجحت متخبطة/ في عماء الفراغ الأسود بعد أن غاب القمر/ أتى الصباح وولى، ثم أتى.../ دون أن يأتي النهار....».أما بقية المقالات.

فقد تناولت الشاعر الانجليزي «فيليب لاركن» الذي يوصف بأنه أكثر القلوب إغراقا في الحزن في العالم الغربي.. ثم تناولت الشاعر الأميركي «هنري تيلور» الذي يعبر عن التيار الأميركي في الشعر بعد الحرب العالمية الأولى، يميل إلى البساطة والوضوح، على العكس من التيار الأوروبي في تلك الفترة الذي مال إلى الغموض.. ثم وقفة مع «شكسبير» تحت عنوان «إطلالة على سونيتات .

كما توقفت طويلا في مقال هام حول رواية «سلمان رشدي» الشهيرة التي أثارت غضب العالم الاسلامي في تلك الفترة، وهي رواية «آيات شيطانية»، وأوضحت كيف أن الكاتب مخادع وكتب ما كتبه سعياً للمال والشهرة.. ثم بدأت بكلمات هامة تقول في مقال آخر بعنوان «ملامح الأدب الانجليزي المعاصر»: «تشكل الأدب الانجليزي على طول تاريخه، وخاصة في مراحل ازدهاره الهامة، من خلال تفاعل العناصر المحلية والقومية مع عناصر وافدة، فنية وفكرية..»، وهي مقالات جديرة بالتأمل مع كل الآداب.

وفي المحور الثالث «في الفن»، نشرت الكاتبة تلك المقالات التي نشرت من قبل في الصحف حول فنان ما أو عمل فني ما، ووضح في أغلبها السمة الصحفية العجلة (وربما المجاملة) وليست السمة النقدية في حدودها الممكنة للقارئ العادي.. كانت تحت عناوين: «سعد أردش... رجل كل العصور»، «عادل إمام... رجل الأقنعة السحرية»، «قراءة في فيلم «إلى أستاذي.. مع حبي». إلا أن ثلاث مقالات جديرة بالتوقف، الأول «طقوس المرايا الكاشفة وعناق الدهشة» حيث سجلت حوارا ثريا دار بينها وبين أحد الطلبة، حول ما يسمعه ويقرأه حول «المسرح»، وما رآه في إحدى المسرحيات بليلة الأمس.

وقد طمأنته بأن ما شاهده ليس هو المسرح الذي ترجو أن يتعلمه بعيدا عن إغراءات السوق وتأثير «الشباك». المقال الثاني «من سرق الفرح؟» وهو رسالة إلى الفنانة «عبلة الرويني» حول توقف مهرجان الفرق الحرة (في التسعينات من القرن الماضي) وناقشت قضية هامة أثيرت خلال تلك الفترة.

المؤلف في سطور

د. نهاد صليحة أستاذ الدراما والنقد بأكاديمية الفنون بالقاهرة ناقدة مسرحية ومشاركة في الحياة الفنية المسرحية بالنقد في الدوريات وفي اللجان المتخصصة للنشاطات المسرحية (مهرجان القاهرة الدولي للمسرح وغيره). نشرت العديد من الكتب في مجال المسرح: «شكسبيرات»- «أضواء على المسرح الانجليزي»- «مفهوم الضوء والظلام في العرض المسرحي»- «نظرية العرض المسرحي»- «المدارس المسرحية المعاصرة»- «أمسيات مسرحية».. وغيرها.

الكتاب: في الفن والأدب والحياة

تأليف : د.نهاد صليحة

الناشر: هيئة الكتاب المصرية ـ القاهرة 2009

الصفحات: 300صفحة

القطع : الكبير

السيد نجم