تنفرد تجربة الفنان الهولندي المعروف (رامبرانت فان ريجن) بجملة من الخصائص والمقومات لعل أبرزها وأهمها، قيامه برسم ما يربو على سبعين لوحة ورسمة لوجهه، سجل من خلالها، مراحل حياته المختلفة، ذلك لأنها توثق لحياته بدءاً من يفاعته وانتهاءً بكهولته.

وترصد عبر تبدل ملامح وجهه، حركة الزمن الثقيلة وانعكاساتها على جوانيّته، وهذه الخصيصة تحديداً جعلت من رامبرانت يغرد خارج سربه. فابن الطحان المولود في 15 تموز 1606 والمتوفى في 4 تشرين الأول 1669، أظهر موهبة مبكرة في الرسم سرعان ما تبلورت ونمت لتكشف النقاب عن مشروع فنان يُعتبر اليوم من قمم الفن العالمي الرئيسة، رغم أن عدد اللوحات التي أنجزها خلال حياته لم تتجاوز الثلاثمائة لوحة ورسمة، لكنها كافية بمستواها وقيمتها الفنيّة الرفيعة، لاعتباره فناناً مبدعاً ومجدداً بامتياز. اهتم رامبرانت كثيراً بالضوء والظل في أعماله، منطلقاً من رغبة واضحة بالتمايز عن فناني زمانه، فخلق اتجاهاً فنياً جديداً ارتبط به وخلّده، يقوم على الاحتفاء، وإلى حد بعيد، بالضوء الذي استخدمه ببراعة في لوحاته، مُسقطاً إياه على ملامح الوجوه، ومجسداً به العناصر والأشياء، بعد أن يغيّب الكثير من تفاصيلها في الظل، هذه المعالجة جعلت من رامبرانت أهم رسام وجوه في العالم.

لا سيما وجهه الذي وضع له أكثر من سبعين لوحة ورسمة تمكنت الصالة الوطنيّة بلندن عام 1999 من تجميع ستين منها وعرضها ضمن معرض دعته (رامبرانت بريشته) رافقته فعاليات ثقافيّة مختلفة، كما صدر على هامشه كتاب حمل عنوان المعرض. يرى بعض الباحثين أن (البورتريه) هي الصورة حاملة ملامح الشخصيّة لمن تصوره، وبالتالي فهي تختلف عن رسم الوجوه في عاميته وعمومته، وأن هذا الجنس من الرسم تعود جذوره إلى الحضارة الإغريقيّة القديمة، مروراً بالرومانيّة، حيث لجأ المختصون إلى صب الشمع الذائب على وجوه المتوفين ساعة الوفاة، ما سمح لهم بالتقاط التفاصيل الصغيرة التي من شأنها أن تُظهر الشبه إلى أبعد الحدود، وهذه التقنية مستمرة حتى يومنا هذا.

فنان وفيلسوف... والحقيقة منذ هذا التاريخ الموغل في القدم وحتى الآن، لم يتوقف المصورون عن تصوير الآخر، ولا عن تصوير أنفسهم، ومن أبرز هؤلاء الفنان (ساندرو بوتيشللي) الذي صوّر نفسه كواحد من المشاركين في لوحة (الميلاد وسجود المجوس) والفنان (فان ديك) الذي كان أول من تعمد إظهار نفسه في لوحاته. مستخدماً لذلك المرآة، والمصور والحفار الألماني (ألبريشت دورر) الذي صوّر نفسه على هيئة السيد المسيح، والفنان (فيلاسكيز) الذي منح نفسه الكثير من العظمة والاعتداد بالنفس في صوره الشخصيّة، وانتهاءً بالفنان (رامبرانت) الذي يعتقد عدد من الدارسين أن اللوحات التي رسمها لنفسه، أو التي رسمها عدد من تلاميذه لوجهه، تُشكّل سيرة ذاتية لهذا الفنان خلال أربعين سنة من عمره.

إذ أن كل لوحة من هذه اللوحات، تمثل تاريخاً مرتبطاً بشخصيته وتحولاتها والظروف التي رافقتها، بدءاً من شباب هذه الشخصية المشتعل بالحماس، وانتهاءً بالشهرة الواسعة التي حققتها، والخاتمة المأساوية التي انتهت إليها، حيث شهدت سنوات رامبرانت الأخيرة، إفلاسه وعدم قدرته على تسديد ديونه.

هام، نقل إلى سطح القماش جميع التعرجات والاندفاعات والفضول اللاهب في فكره، انطلاقاً من اعتقاد تملكه مفاده أن الإنسان يتدخل، وبصورة مؤثرة، في صناعة التاريخ والزمن.

على هذا الأساس وبشهادة غالبية النقاد والباحثين قي علوم الفن، فقد كان رامبرانت أعظم مترجم للشخصيّة الإنسانيّة في تاريخ فن التصوير، فقد استطاع عبر تصويره للوجه الإنساني عموماً، ووجهه خصوصاً، دراسة ملامح الشخصيّة بعمق، ومنها نفذ إلى طباعها وعواطفها وأحاسيسها، يسعفه في ذلك، موهبته الكبيرة في الرسم، واعتماده على تقنيّة لونيّة زيتيّة خاصة، دفعت بهذه المادة القديمة الجديدة في هذا المجال، إلى تقديم أفضل قدراتها في احتضان التعبير العميق للشخصيّة.

بمعنى أن التقنيّة هذه، أسعفته إلى حد بعيد، في الوصول إلى هدفه في تصوير الوجوه، وإلى صياغة فنيّة اعتبرت إنجازاً متفرداً مقارنةً بما كان سائد من أساليب وتقانات في عصره.

الظل والنور

استعمل رامبرانت في غالبيّة أعماله، وببراعة لافتة، تقنية الظل والنور، فكانت أداة التعبير الرئيسة في هذه الأعمال، وعبر تلاعبه الذكي في عملية توزيعها فوق العناصر والأشياء، تمكن من خلق حالة نفسية خاصة في أعماله، وقدم فكراً عميقاً، ومشاعر أبعد من السطوح.

فمن خلال عباءات العتمة، وبؤر الضوء المكثفة والمدروسة والمتروكة بشكل خاص، على الوجوه وتضاريسها، قاد المتلقي إلى دهاليز هذه الوجوه، وعوالم أرواح ومشاعر أصحابها.

الصور الذاتيّة

على الرغم من أهمية تجربة رامبرانت وما تمخض عنها من أعمال فنيّة هامة نذكر منها لوحة (الخفارة الليليّة) و(العائلة المقدسة) و(الإنزال من على الصليب) و(درس في التشريح) و(نقابة صانعي الثياب) و(وليمة بلشازار) و(أرميا يرثي خراب القدس) ... وغيرها، إلا أن الصورة الوجهيّة التي وضعها له ولعدد من الشخصيات التي عاصرها أو استلهمها من الكتاب المقدس، تُعتبر النتاج الأهم والأبرز في تجربته، لطريقة معالجته لملامح الوجوه، وما رمى فيها من تعابير عميقة وبليغة ومتلونة.

وعلى هذا الصعيد، تأتي صوره الذاتيّة في مقدمتها ما يجعلنا نؤكد أنها بأعدادها التي تجاوزت السبعين لوحة، والتي غطى من خلالها، مراحل حياته كافة، تُشكّل تاريخاً موثقاً لمسيرته الحياتيّة بكل أطيافها وتلاوينها، سعاداتها وعذاباتها، أفراحها وأتراحها، وقبل هذا وذاك، لتحولات ملامحه، وأوضاعه الماديّة.

إذ نستطيع من تعابير ملامحه، وحركة وجهه، والثياب التي يرتديها، والوضعيّة التي اختارها، ونوعيّة النظرة التي يرمق بها المتلقي (وهو في غالبية لوحاته وصوره الذاتيّة، يجابه المتلقي بنظرة مباشرة ومعبرة) قراءة الحالة التي كان عليها في التاريخ الذي قام بإنجازها فيها، وهذه الخصيصة تحديداً، أبرز مقومات تفرد تجربته الفنيّة.

تقنية الظل والنور

تأثر رمبرانت بأسلوب مدرسة (أوترشت) والفنان الإيطالي (كارفاجيو) الذي أبدع أسلوباً شديد الخصوصيّة في التصوير، يجمع بين الواقعيّة الريفيّة الواضحة، مع تباينات عنيفة في الظل والنور التي نقلت انطباعاً لدراما عميقة.

حياته في صوره

وَثّقت اللوحات التي رسم فيها رامبرانت نفسه لمراحل حياته المختلفة، ذلك لأنه رصد من خلالها يفاعته، وشبابه، وكهولته. وعبّر بها، عن التقلبات التي عانت منها هذه الحياة، لناحية حالات الرخاء والاستقرار التي عاشها، أو حالات التعاسة والإفلاس التي عانى منها أواخر حياته، حيث لم يتمكن من تسديد ديونه.

رامبرانت في سطور

ولد رامبرانت في 15 تموز 1606 في بداية ما كانت هولندا آيلة فيه إلى حقبة من السلام والرخاء، وكان ابناً للطحان (هارمن فان ريجن) وهو الابن الثامن من تسعة أطفال. التحق بجامعة (ليدن) في سن الرابعة عشرة، وفي العام 1634 تزوج من ابنة عم مالك بيته الأول (ساسكيا فان ألبنورش) التي رسمها في العديد من لوحاته. توفي في 4/10/1966.

د. محمود شاهين