لاقى شهرة واسعة في كل أرجاء العالم الأوروبي.. اقتنته في خزائن ألبستها الملكة ماري أنطوانيت زوجة الملك الفرنسي لويس السادس، واختارته ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية ثوبا لزفافها الملكي أوائل الخمسينات ومازال موجودا بمتحف الشمع (مدام توسو) في لندن شاهدا على عراقة الصناعة الدمشقية..

موشى برسمه لها طابعا خاصا متميزا وهو عصافير الحب(عاشق ومعشوق) بناء على طلبها اشتغل عام 1952 في منطقة باب شرقي في دمشق، وهو معروف اليوم بالسوق باسم اليزابيث وقلدتها أميرات وملكات العالم. انه (البر وكار) الدمشقي الذي يعد أحد أهم المنسوجات السورية اليدوية التراثية، العريقة عراقة دمشق وأصالتها، تلك المنسوجات التي طبقت شهرتها أفاق الصناعة الأوروبية ودور أزيائها. وقد كان لدمشق شهرة صناعية طائرة الأفاق بمنسوجاتها الحريرية وبخاصة الموشى منها. حائك (البروكار) الدمشقي فنان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وعلى مستوى رفيع من الذوق والإلهام، يتمتع بمزايا قلما تجدها في غيره كالصبر ودقة النظر والمران الطويل، ويعتمد عمله إضافة لتحريك النول على بصيرته وذوقه وخصوصيتهما، فهو يصمم الرسوم والزخارف وينتقي الألوان، والخيوط الحريرية قبل نسجها.

فمنها الأسود إذا دخلت عليه خيوط الفضة، والأحمر الفاتح إذا أدخلت عليه خيوط الذهب وتدخل الألوان السوداء والأحمر الغامق مع الخيوط الذهبية أيضا، وهناك اللون البيج والأصفر المصنوع من الحرير الخالص، أما اللونان الأخضر والبني فيستبعدان من صناعة (البروكار) لأنهما يحجبان دقة الصناعة ورّقيها. تمر حياكة( البر وكار) اليدوي بعدة مراحل دقيقة وصعبة، وتحتاج لجهد وعمل أكثر من شخص في وقت واحد( الفتال-الكباب ـ المسدي الملقي) ـ يصنع النول من خشب الزان، بشكل متناسب ومتناسق في المقاييس ويقوم معلم الحياكة بتهيئة الحرير والغزل، ليعطيه إلى الصّناع الذين يقومون بتصنيعه من كبابة (الفتال)إلى( المسدي) فالصباغ، فالملقي، ثم لمن يلف المواسير على الدولاب، ولمن يكوف الحرير، فالحائك الذي يباشر بحياكته، وفي الماضي كان شخصان يعملان سوية على النول، شخص يقف على يمينه وآخر على شماله ويعطي أحدهما للاخر المكوك الذي يحمل الخيط، هذا من اجل حياكة القماش العريض فقط لأنه يحتاج لجهد أكثر من صانع يدوي.

على الرغم من عراقة هذه المهنة اليدوية والتراثية، وانجذاب السياح لمنتجاتها ذات الروعة والبهاء، من اجل اقتنائها لديهم للتباهي بها في بلادهم كتحفة فنية رائعة إلا أنها في طريقها للانحسار والتلاشي والاندثار، بعد أن تخلى الكثيرون عنها... فالأب لم يعد يّعلم أبنائه ما يعرفه وما ورثه عن والده وبالتالي هروب الأبناء من هذه الصناعة اليدوية النادرة أو ابتعادهم لصناعة أخرى بسبب الصبر الجهد والعناء والصعوبة في إنجازها وإتقانها ومرودها المادي القليل وغير المشجع بالمقارنة.!!! ومنافسة النسيج الآلي والصناعة الآلية التي حلت محل الصناعة اليدوية التقليدية، ودفعها منتجاتها الشبيهة بالبر وكار للأسواق بأسعار اقل، فالبوليستر المستعمل في تصنيع (البر وكار) الآلي، يفتقر للإبداع والمهارة، لان المكوك الآلي يعمل وحده ومقيد وملزم برسمه معينة ومجبر على التحكم بها ولا يمكنه الخروج منها، في حين يهتم الصانع اليدوي بإبداع ما هو جديد ومميز من رسوم وكتابات وألوان بدقة متناهية.

العاملون بهذه المهنة الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة والأنوال القليلة الباقية يخشون من أن تتحول هذه المهنة إلى مجرد تذكار سياحي ما لم ترعاها جهة ما...و.يتمنون إنقاذها من الضياع واحتضانها وحمايتها كصنعة يدوية تراثية وتقديم الدعم لها للحفاظ عليها وفتح مراكز تعليمية أو مراكز تدريب لتعليم هذه المهنة التي هي جزء من تراث وتاريخ مدينة دمشق.

إقبال وغلاء

لم يعد الإقبال على شراء( البر وكار) اليدوي كما كان في السابق لغلاء أسعاره خاصة: خيوط الذهب والفضةس التي يضمها البر وكار هي من عيار 12 كما يقول( محمد سليم دير كي) أشهر النساجين السوريين والصانع الماهر الذي زار مع نوله اليدوي معظم بلاد العالم العربي، إذ تحرص وزارة السياحة على مشاركته في المعارض والمهرجانات السياحية. لان اقتناء أقمشة (البر وكار) تكاد تكون وقفاً على شريحة معينة من المجتمع (المخملي) ولم تكن موجودة بين أيدي الطبقات المتوسطة لغلائها سواء في ثمن القماش أو في تفصيلها أثوابا وشالات.

أشكال ورسوم

أطلق الإفرنج البر وكار (داماسكو) نسبة إلى دمشق لأنه لا يصنع إلا فيها، برسوم شرقية متميزة تدخل المادة الذهبية أو الفضية في أساس صناعتها وتتداخل معه لتزيد من جمالية القطعة، ويأخذ أشكالا ورسومات غاية في الروعة والدقة والجمال والإبداع.

شهرته التاريخية

شاع البر وكار في العصور الوسطى، واختص الدمشقيون بصناعته منذ مائتي عام وكانوا يوزعون إنتاجهم إلى جميع أنحاء العالم، استعمله الأوروبيون في صنع ألبسة طبقة النبلاء، وللسجاد الذي يعلق على الجدار للزينة في بيوتهم.

فاتنة صالح الكردي