«يعيش المثقف على مقهى ريش، محفلط مزفلط كتير الكلام، عديم الممارسة، عدو الزحام، بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح، يفبرك حلول المشاكل أوام أوام».. هكذا وصف الشاعر أحمد فؤاد نجم «المثقف» في قصيدة له بعنوان «يعيش أهل بلدي»، عبر خلالها عن نظرته للمثقفين على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم..

بينما يرى آخرون «المثقف» كرجل متأنق، يدخن البايب، ينظر بغطرسة إلى العامة ويعتبرهم من الغوغاء.. بينما هناك من يراه إنساناً يعيش على القراءة والمطالعة والتنقيب والبحث المعرفي فقط، دون اهتمام بمظهره أو سلوك حياته الشخصية، ولا تتعدى علاقته بالآخرين أمرين، إما أنه يعيش في برج عاجي لا يخالط الناس، وإما أنه من أنصار الفكر الشيوعي أو أي فكر آخر لا ترضى عنه السلطة الحاكمة فتقاطعه.. تعالوا نفتش في مضامين «المثقف» كما يبدو في واقعنا العربي من خلال آراء رجل الشارع. قبل أن نتعرف على رأي رجل الشارع حول مفهومه للمثقف ودوره الاجتماعي نقرأ ما ذكره الدكتور عبدالسلام محمد الشاذلي في كتابه «شخصية المثقف في الرواية الفنية العربية الحديثة» حول تعريف المثقف، حيث ذكر أن الكثير من المراجع والمصادر تكاد تتفق على الملامح والأبعاد العامة التي تكوّن الإنسان المثقف، على اعتبار أنه إنسان علم ومعرفة وموقف حضاري عام.

فالمثقفون هم الأشخاص الذين يمتلكون المعرفة وموهبة الحكم على المواقف المختلفة، والصفة الغالبة على كل المثقفين هي استيعابهم أدوات المعرفة واستخدامها في العمل الذهني، وللمثقف- من حيث إنه إنسان علم ومعرفة- بعض السمات والأبعاد النفسية والروحية العامة، كالتفكير العلمي والتمرد والرومانسية، كما أن هذه السمات العامة عادة ما تتشكل في نطاق مواقف اجتماعية وحضارية، ومواقف المثقف هي مواقف غير طبقية نسبياً.

الأمر الذي يستطيع المثقف على أساسه أن يكون له الموقف الحضاري العام وأن تكون له وجهة النظر الخاصة والتي يمكنها أن تتشكل حينئذ بطريقة مستقلة على أنها «وجهة نظر موضوعية وكاملة تجاه مجتمعه».

نظرة مختلفة

ومع تفاوت الآراء حول المثقف يبقى أنه هو هذا الكائن الذي يتمتع بمعرفة حقه بمجريات الأحداث، وليس من الضروري أن يكون كاتباً أو عالماً، ولكن من الضروري أن يكون مطالعاً عالماً بشتى المعارف.. وحول صورة المثقف يقول محمد عبدالعزيز- كاتب صحفي: المثقف في رأيي هو رجل العلم والمعرفة وصاحب الموقف الحضاري العام تجاه عصره ومجتمعه..

لافتا إلى أن هذا المفهوم كان هو السائد عن المثقف في الماضي على اعتبار أنه صاحب رسالة يعمل على إيصالها للجمهور عبر الوسائل المختلفة، وكان لكل مثقف مشروع ثقافي يسعى لتحقيقه أو قضية يكرس حياته للدفاع عنها، أما الآن فقد تغيرت الأمور حتى لدى المثقفين أنفسهم.

حيث لا توجد قضية قومية يلتف حولها المثقفون والجماهير، أو رسالة يسعون من خلالها للتواصل مع الجماهير، وأصبحت المسألة بالنسبة للمثقفين، حتى المعروفين، لا تعدو الحرص على الوجود، حيث تأتي أحاديث المثقفين مجرد سرد للماضي فقط.

أما الشباب المثقفون فإنهم غير مشغولين بقضية أو رسالة في ظل انشغالهم بالبحث عن وسائل للظهور واستيائهم من عدم الاهتمام بإبداعهم، وإحساسهم بالظلم الاجتماعي أمام سيطرة الكتاب الكبار على كل شيء، أيضاً فإن أغلب الشباب لا يهتم بالثقافة لإدراكه أنها أضحت غير مجدية في الحياة العملية، فالكل يبحث عما يحقق له العائد المادي فقط.

وفى رأي هشام التهامي- مدرب ألعاب قوى- فإن المثقف هو ذلك الإنسان الملمّ بالعلوم والمعارف الحياتية أياً كانت مصادره المعرفية «كتب، دوريات، وإنترنت»، فليس كل من قرأ كتاباً صار مثقفاً، ولكن لابد أن يكون متابعاً لمجريات الأمور في العالم، والمهم أن يستطيع توصيل معارفه إلى الناس بأسلوب بسيط ولغة مفهومة..

ويقول: هناك قضايا وأمور لم أعرفها سوى من المثقفين الذين أقابلهم في المقهى، ولكن الثقافة المنتشرة حالياً هي ثقافة كرة القدم، فهناك متابعة واسعة لكل صغيرة وكبيرة حول الأحداث الرياضية وما دونها، والأمر يتفاوت من فئة لأخرى ومن مكان لآخر.

المثقف والمصفّق

يتفق معه في ذلك محمد عثمان- جيولوجي- ويضيف قائلاً: بالمفهوم المدون عن المثقف فأنا أعتبر نفسي ضمن قائمة المثقفين، خاصة مع نشأتي نشأة ثقافية وعلمية وعشقي للمطالعة والقراءة المستمرة، ومع ذلك أرفض أن يصفني أحد بالمثقف، بعدما أصبح حامل هذه الصفة مثار سخرية من البعض حتى المتعلمين الذين يفترض أنهم مدركون أهمية الثقافة والمثقفين.

وهذا نتيجة طبيعية في مجتمع لا يفرق بين المثقف والمصفّق، أيضاً فإن صفة المثقف تحمل بعض المتاعب لصاحبها أمنياً وجماهيرياً، خاصة عند التحدث في أمور السياسة، وحينما يعتذر المثقف عن عدم الإجابة عن أحد الأسئلة لعدم معرفته بالموضوع توجه إليه الانتقادات كأنه لابد أن يعرف كل شيء أو يعلم بواطن الأمور .

نظرة مختلطة

وفي رأي مروان القرشي- محاسب- فإن المثقف الحقيقي غائب عن المجتمع، فلم يعد هناك أصحاب فكر أو أشخاص مهمومون بقضايا اجتماعية يسعون- أو على الأقل يحاولون- إلى التواصل مع الجماهير العادية، لذلك تجد الظواهر الاجتماعية، التي طفت على السطح مثل العنف والتحرش، أصابت الريف المعروف بتقاليده وأخلاقه؛ وذلك كله لأن المثقف حالياً أصبح يجند معلوماته ومعارفه لتحقيق أهدافه الشخصية واعتلاء المناصب المرموقة.

أما إبراهيم أمين- مدرس ثانوي- فيؤكد أن المثقف في الوقت الراهن هو ذلك الشخص الذي يتحدث في كل الأمور ويبهر الناس بكلامه، حتى وإن كان على خطأ؛ وذلك لأن الناس لا تقرأ شيئاً، وبالتالي تصدق ما يقال لها دون التحقق من مصداقيته. ويرى صلاح عاصم - محام- أن النظرة مختلطة بالنسبة للمثقف، فقد أصبحت الصورة المأخوذة عنه هو ذلك الإنسان الذي يعرف كل شيء في مجالي الإنترنت والمعلومات أو في مجالى الأدب والسياسة وغيرها من المجالات.

هذا وإن كانت عكس الصورة المعروفة عن المثقف في الماضي إلا أنها صورة إيجابية، خاصة أننا نجد العقول في هذه الفترة فقيرة جداً من الناحية الثقافية، وأن ما تقدمه الجهات الرسمية وغير الرسمية عبر الوسائل المسموعة والمرئية يساعد في التدني العقلي والمعرفي والثقافي.

جولة قصيرة

وفى رأي أمينة إسماعيل- باحثة اجتماعية- فإن المثقف ليس هذا الشخص القابع وراء تلال من الكتب، ولكنه الملمّ بكل جوانب الحياة ومشاكلها وقادر على التعامل مع المجتمع بصورة جيدة ومع المعطيات التي من حوله سواء في منزله أو العمل أو الشارع؛ لأن الثقافة هي مفهوم شامل جامع لكل ما حولنا من مفاهيم ومواقف، فيمتلك مقدرة الحكم على الأشياء بموضوعية وإيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية المختلفة.

ويضيف أحمد عبداللطيف- أخصائي وثائق ومكتبات ـ إن صورة المثقف تستمد قوتها من كم المعلومات الملمّ بها ومدى درايته بأحوال مجتمعه وعاداته وتقاليده، وهو ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يدخر كل ما يمتلك من معرفة لخدمة مجتمعه وخدمة من حوله.

كما يستطيع أن يستثمر معارفه في الارتقاء بالفكر العام لمن حوله، من خلال قدرته على التعامل مع كل فئات المجتمع بشكل راق.بينما سعيد علي بدران- إداري- لا يستطيع وصف المثقف في الواقع المعاش، ويقول: لم أر مثقفين بالقدر الكافي الذي يمكنني من رسم صفات هذه الشخصية التي يفترض فيها أن تكون قدوة للجميع؛ حتى ينهض المجتمع.

وتجد الأجيال الجديدة من يأخذ بيدها نحو الآفاق الرحبة والمساهمة في القضاء على الظواهر الاجتماعية الغريبة عن مجتمعنا، وقد تسبب غياب المثقف الواعي، أو على الأقل الاجتماعي، في انتشار ظاهرة فقدان الهوية وتراجع الانتماء للوطن، وأغلب الظن أن ذلك راجع إلى أن مثقفي هذه الأيام لديهم حلول لمشاكلنا الاجتماعية، وبالتالي فهم يلجأون إلى العزلة؛ منعاً للإحراج.

المثقف في قاموس طه حسين

يحدد عميد الأدب العربي د. طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة بمصر» بعض ملامح الإنسان المثقف كرجل علم ومعرفة تحتم عليه الظروف التاريخية التي يعيشها في بلد، كالمجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، أن يتخذ موقفاً سياسياً عاماً يضع المثقف دائماً في منطقة الوعي أو الوجدان «القلق» أو «المعذب»، وإنه لمن المضحك حقاً أن يقال إن الشعب مصدر السلطات.

وأن يظن أن هذا الكلام يدل على شيء في بلد كثرته جهلة غافلة، وقلته ذكية مثقفة، فمن الذي يصدق أن الرجل المثقف المهذب الذي أخذ من العلم ما استطاع وبلغ من الرقي العقلي ما أراد ثم ينهض بالأعمال العامة في الحكومة أو في البرلمان- يستمد سلطانه الذي يصرف به الأمور من هذا الشعب الجاهل الذليل؟!