على جادة عريضة تمتد على نحو 7 .1كيلومتر، تزدحم المقاهي والمطاعم ومحلات الموضة والإكسسوارات في جو كرنفالي يشبه ما وصف به همنغواي باريس بـ «عيد متنقل» لأن أجواء ممشى شاطئ الجميرا يذكر بالشانزليزيه، أشهر جادة في قلب العاصمة الفرنسية باريس.

فقد تمكن هذا الممشى من تغيير معالم دبي بل أرسى أسلوباً جديداً في الحياة المفتوحة حيث ينتعش الزوار بأشجار النخيل وزرقة السماء والهواء الطلق بعيداً عن المراكز التجارية المغلقة ، ولكن ما يهدد هذه النزهة التأملية ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، فالممشى مثل زهرة الربيع لا تعيش إلا بمعانقة البحر المجاور واهتزازات النخيل وزرقة السماء. ينتعش ممشى شاطئ الجميرا، المسمى بجميرا بيتش ريزدانس، وصارت الألسن تطلق عليه على سبيل الاختصار الـ «جي. بي. آر.» في فصل الشتاء. حيث تمّد المقاهي والمطاعم الفاخرة طاولاتها وكراسيها لتكسو بها الأرصفة العريضة المطلة على البحر. بينما ينحسر هذا الممشى في فصل الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الذي يُجبر الرواد والزوار والسياح اللجوء إلى الداخل حيث يتقلص المكان إلى ما وراء الواجهات الزجاجية للمقاهي والمطاعم والمحلات الأخرى ليبدو مهجوراً في الصيف. ولكن الحديث عن هذا الممشى طيلة ستة أشهر، يشبه الحديث عن الاحتفال الكرنفالي، كل شيء فيه يرتدي حلة جديدة: أشجار النخيل، المقاهي، المطاعم ومحلات الأزياء.

ويشبهه الأوروبيون بشانزليزيه باريس، مع اختلاف المناخات الثقافية لكل منهما. يقول البعض إن هذه الجادة أو الممشى لا تاريخ له، لأنه يعود إلى عام 2008 تاريخ افتتاحه، لكن المكان يخلق تاريخه من خلال علاقة الناس به، والأعداد الغفيرة التي تقصده، سواء كانت غنية أو متوسطة الحال، هي التي تكتب تاريخ ذكرياتها على أرصفته. ولعل الاختلاف الأكثر صراحة هو أن هذا الممشى يجسد العالم بأكمله حيث تتعانق اللغات كما لو كنا في برج بابل، أكثر من مائتي لغة تطلق تردداتها وأصواتها وكلماتها في سماء هذا الممشى، في عملية تفاهم وتخاطب قل مثيلها، كأنهم يتحدثون بلغة واحدة، مستلة من قاموس حب دبي وأسلوب حياتها.

هذا المصهر الكبير الذي تدخل فيه الأجناس والأعراق والطوائف لتخرج منه متوحدة، لا هم لها سوى العمل والتمتع والانصهار مع جماليات المدينة. رواد الصباح في الممشى يختلفون عن رواده في المساء، وفي كلتا الحالتين لا يمكن أن تفرّق بين الزائر والسائح والساكن في هذه المنطقة. لقد أوجد هذا الممشى ثقافة جديدة على المجتمع الإماراتي والعربي وهو تناول الطعام في الخارج، في المطاعم المفتوحة على هذه الجادة، وهو من أكثر النزهات إمتاعاً، وعند الكثيرين يكون العشاء هو الهدف الأساسي من زاوية هذا المكان حيث يزخر الممشى على امتداده بالمطاعم ذات العلامات التجارية العالمية التي تلائم جميع الأذواق: العربي، الهندي، الصيني، السوشي الياباني، الأفريقي، الأميركي، الإيطالي، والفرنسي وغيرها .

حيث يتواجد فيها كبار الطهاة في العالم. وهذه المطاعم والمقاهي تجاري في تنوعها ما تضمه هيئة الأمم المتحدة من أعراق وأجناس، ففي دبي يعيش أكثر من 200 جنسية في ألفة وسلام. وهذا ما أتاح للإماراتيين والعرب المقيمين أن يتآلفوا مع الأسماء الفلبينية والصينية والهندية والباكستانية وغيرها لأن الأطعمة شأنها شأن البشر تختلط وتتجاور وتسافر، والمعدة وحدها لا تعرف العنصرية لأنها لو جاعت، تأكل ما على الأرض من طعام.

ومن المعروف أن أعداداً غفيرة من الجالية الهندية والباكستانية والفلبينية والصينية ترتاد هذا الممشى، ولها مطاعمها هناك حيث تميز أطباقهم لمسات خاصة من نكهات النعناع والكزبرة وشراب قشر الليمون والزنجبيل إضافة إلى ثمار البحر والتوبل والكاري. وبما أن تناول العشاء على هذا الممشى ليس إلا فرصة لقضاء الوقت والاسترخاء والتمتع، لذلك لا تستطيع مطاعم الأكلات السريعة أن تنافس المطاعم التقليدية الشهيرة بطهاة قديرين.

وهناك المطاعم الراقية الشهيرة مثل «روبي تيوزدي» أشهر المطاعم الأميركية، دخلت إلى هذا المكان لأول مرة في منطقة الخليج. وهناك ماركات أخرى مثل: شيليس، وكوكو، ودا شي داي، لونغ فاشن. ونابوليتانا، وبازركان.. والأخير هو المقهى الوحيد الذي يسمح فيه بتدخين الشيشة ولكن ليس على الأرصفة بل داخل المقهى في حين يًمنع التدخين في داخل المقاهي.

يزدحم الممشى بالزائرين والمقيمين والسياح والمواطنين الإماراتيين في عطلة نهاية الأسبوع وبالكاد يجدون مكاناً شاغراً في هذه المقاهي والمطاعم المنتشرة سواء في الطابق الأرضي أو الطوابق العليا التي تشرف على البحر. ويكون أحياناً الاسترخاء أمام فنجان من القهوة أفضل طريقة للتمتع بمنظر البحر.

وحالة الاسترخاء والتأمل رسخت قيماً جديدة في تعامل رواد هذه المقاهي والمطاعم بالنادل أو «الغرسون»، من خلال علاقة مفتوحة تماماً مثل المكان. وهي لا تقدم فقط القهوة والشاي بل يمكن أن تناول المعجنات أو فطائر الفاكهة بعد الظهيرة، وأحياناً بعض الوجبات الخفيفة.

وكل هذه المطاعم ذات العلامات التجارية العالمية تشتهر بحميميتها وعلاقتها المفتوحة مع الزبائن، حيث يلجأ إليها الزائرون بعد أن يدركهم التعب من الذهاب والإياب على هذا الممشى المزدحم. وإلى جانب هذه المقاهي والمطاعم، تتواجد الفنادق الفخمة على هذا الممشى مثل: موفمبيبك وشيراتون وهيلتون وسوفوتيل ومروج روتانا، وهي تزيد من الترويج التجاري للمنطقة.

في هذا الممشى، لا يحتاج الزائر أن يذهب إلى لندن وباريس ونيويورك وطوكيو لكي يتعرف على آخر الموضات وصرعات الحداثة سواء في الأزياء أو المأكولات أو التصاميم الحديثة، فهي حطت رحالها هنا على، وأشهرها: زادك وفولتير.. العلامة الأوروبية العملاقة وساكس فيفث أفينيو وأيانا في لندن وغيرها.

ويتردد النجوم المشهورون سواء العالميين منهم أم العرب على محلات «بوتيك وان» لأنه يحتوي على أكثر من 300 ماركة تجارية عالمية مثل ميسوني، فرانسي لولان جو، وريتشارد جيمس وغيرها حيث يتمتع المحل بغرفة قياس مستقلة يأخذ فيها النجوم والمشاهير راحتهم ويجربون الأزياء والأكسسوارات التي يحتاجونها وخاصة بدلات السهرات.

إضافة إلى أن المحل يحتوي على مقهى منزو بإمكان النجوم والمشاهير أن يجلسوا فيه دون أن تزعجهم نظرات المارة والفضوليين.

فعندما يرى الناس لويس فيجو أو سان كلير أو غيرهما من لاعبي كرة القدم أو من المطربين سميرة سعيد أو لطيفة التونسية أو من الممثلين عمر الشريف، فإنهم لا يستطيعون كبح فضولهم. هكذا تحولت موضة الأزياء والإكسسوارات إلى جزء من هذا الممشى.

، وما يزيد من جمالية المكان هو انعكاس زرقة البحر واختلاطها بزرقة السماء وخضرة النخيل على أسارير الزوار في انفتاحهم على الآخر.

وكل عابر في هذا الممشى هو الآخر بشكل من الأشكال. وقد أدى هذا الممشى إلى تغيير معالم دبي من حيث روح البيئة حيث يتميز بالأجواء الطبيعية التي تجتذب إليها الزائرين من كل مكان. والممشى مصمم بطريقة تحتضن العائلات التي تريد التمتع بالأجواء الكرنفالية والسهر الليلي، وبعضها يفضل السهر على شاطئ البحر بدلاً من المقاهي والمطاعم، فهو اختيار أيضاً.

وتتمتع منطقة الممشى بوسائل ترفيهية متعددة، منها نادي اليخوت في مارينا دبي، وعلى الرغم من خصوصيته واقتصاره على الأعضاء إلا أنه يسمح للعامة الدخول إليه. وكذلك منطقة الألعاب المخصصة للكبار والصغار على حد سواء.

وأحياناً ثمة ظواهر تسترعي اهتمام الزوار وهي استعراض بعض الشباب لسياراته الفخمة، وخاصة الرياضية منها، تصطف على الشارع كما لو كانت في معرض مفتوح.

وهناك نشاطات لا تنتهي في هذا الممشى، وتزود العائلات بحيوية التواصل مع الجموع العابرة مثل رسامي الشوارع والعروض الكوميدية، والتماثيل الرملية، وعرض الصور، وأكشاك بيع الأكسسوارات والمصوغات اليدوية والرسم على وجوه الأطفال وغيرها. وهذا ما نطلق عليه الاحتفال الكرنفالي أو العيد المتنقل.

ويتكون الممشى من عدة طوابق، لا يكتشفه الزائر بسهولة لأن الطوابق أو ما يطلق عليه «مستوى بلازا» يتكون من ستة أجنحة في الأبراج، وهي: مرجان، صدف، بحر، رمال، أمواج وشمس. ويمكن الوصول إلى كل طابق من هذه الطوابق من خلال سلالم كهربائية في أسفل الممشى، وآنذاك يصبح الممشى تحت مستوى النظر، ويمكن مشاهدة منظر البحر من خلال الجلوس في المقاهي والمطاعم العلوية ويضع الممشى بكامله تحت سيطرة نظره.

الممشى مصمم بطريقة لا يترك أية فجوة، ويتمكن الزائر من العثور على كل شيء يحتاجه وليس بحاجة إلى الذهاب إلى مكان، على سبيل المثال، يجد الزائر مكاناً يلعب فيه رياضته المفضلة في محلات «السبا»، حيث توفر بيئة خالية من المواد الكيميائية، وتحترم الحياة بما فيها من نباتات وحيوانات وبشر.

مما لا شك فيه أن وصول قطارات المترو إلى منطقة الممشى زاد من أعداد الزوار والرواد، فقد أصبح من السهولة الانتقال إليها بعداً عن ازدحام التاكسيات والسيارات. وترتبط بمحطتي مترو: محطة دبي مارينا، ومحطة جي. أل. تي.

ومن الصعب اعتبار الممشى منطقة سياحية بل أن افتتاحه وتصميمه لم يأت تلبية لطلب السائحين والنجوم بل جاء نتيجة لحاجات ومتطلبات أكثر من 30 ألف ساكن يتوزعون على ما يزيد من 40 برجاً.

من المعروف أن عدداً كبيراً من الأجانب يقطنون في هذه المنطقة وعادة ما يصطحبون كلابهم معهم في الممشى مما يزعج المارة بالفضلات الملقية على الأرصفة مما حدا ببلدية دبي إصدار مرسوم يقضي بمنع تجول الكلاب والقطط والطيور والحيوانات الأخرى على الممشى من أجل راحة الجميع. وبعض القاطنين في البنايات المجاورة للمطاعم يشتكون من الرائحة والدخان المنبعثان من شوي اللحوم، وهو ما لا يلاحظه الزوار العابرون.

من الصعب رسم صورة ثابتة لمدينة كثيرة التغير، نابضة بالحركة كدبي، وتُصنف شاطئ الجميرا بـ «دبي الجديدة». ويبدو أن ممشى شاطئ الجميرا يتحول شيئاً فشيئاً إلى شريان رئيسي لها حيث تنفق دبي أموالاً باهظة على إخراج الممشى ومبانيه إلى النور بطريقة جمالية متفردة، من خلال التفاعل بين الشمس والبحر وواجهات المحلات والنخيل المزروع بطريقة مدروسة.

وربما سيأتي رسامون لكي يخلدوا هذا التأثير المتوسطي لهذا الممشى، ففي الصباح تُضاء صفحة البحر بألوان فضية وزرقاء متراقصة، أما عصراً فتفيض الأبنية الأنيقة التي ترتفع على جانبي الممشى ببريق ذهبي ساطع.

1.7 كيلومتر سيراً على الأقدام

لا يمكن أن تتنبأ بما يحمله الزائر إلى هذه المنطقة، لأنهم يجدون ضالتهم المنشودة حيث يوجد أكثر من 300 محل، ويوفر أكثر من 770 ألف قدم مربع من المساحة المخصصة لتجارة التجزئة، ويمتد على طول 7 .1 كيلومتر.إنها تجربة تسوق فريدة من نوعها تناسب مختلف أساليب الحياة العصري في محلات الأزياء والاكسسوارات، والمطاعم والمقاهي والجلسات العائلية وغيرها.

الرفاهية لها ثمن

الرفاهية والبذخ والأناقة ظاهرة في كل بقعة من هذا الممشى، فهنا تقدر الثروة الموجودة فيه إلى أكثر من 3 .7 مليارات درهم، وتصل مساحة الواجهة البحرية إلى 5 ملايين قدم مربع، وهو أكبر استثمار في المنطقة.

أما بالنسبة للمعمار فهو ذو طراز فريد من نوعه حيث يجمع بين نمط البحر الأبيض المتوسط والعمارة الإماراتية المحلية، ويحتوي على مساحات لألعاب الأطفال والنافورات والساحات. وهو من المواقع السياحية الأهم في الشرق الأوسط.

شاكر نوري