منذ بداية مسيرة التوحيد الأوروبي في عام 1957 مع توقيع اتفاقية روما من قبل ست دول أوروبية وحتى توسيع إطار الاتحاد الأوروبي ليشمل اليوم 27 دولة. بعد انهيار المعسكر الشيوعي، تُطرح بقوة مسألة «الهوية الأوروبية»، ومكونات هذه الهوية التاريخية والثقافية والسياسية. والباحثة في مركز الفكر الاجتماعي في كتاب صدر مؤخرا مسألة الهوية الثقافية الأوروبية تحت عنوان: «الأوروبيون بالانتماء» والذي يتمثل موضوعه الرئيسي في «الهوية الثقافية والسياسات الثقافية الأوروبية»، كما يقول عنوانه الفرعي.
إن مؤلفة هذا الكتاب تدرس «الهوية الأوروبية» من خلال منظورين: نظري وعملي وتجريبي بالمعنى الذي تتبدى فيه هذه «الهوية الأوروبية» عبر ثلاثة محاور أساسية يشكل كل منها قسم من أقسام الكتاب.
يخص القسم الأول كيفية صياغة المفهوم الأوروبي، ويحمل عنوان «الهوية الثقافية والسياسة الثقافية» حيث يتم تقديم لمحة تاريخية عن تطوّر مفهوم الهوية الأوروبية من إطار التعاون بين مجموعة دول في مجال صناعات الحديد والفحم وحتى الصيغة التي جرى الاتفاق عليها في برشلونة، وما يُعرف بالاتفاقية الدستورية الأوروبية المبسّطة ومرورا بمختلف الأطروحات التي سبقتها منذ اتفاقية روما عام 1957
وقد تراوحت هذه الأطروحات بين الاكتفاء بجعل أوروبا عبارة عن سوق اقتصادية مشتركة ومنطقة تبادل حر، حسب الرؤية البريطانية خاصة وبين القول بـ «توحيد أوروبي» كامل حسبما كان تصوّر «الآباء والمؤسسين». واعتمادا على مثل هذا التنوع يتم التأكيد على مفاهيم أوروبية متنوعة لـ «الهوية الأوروبية» وكذلك على مفاهيم أوروبية متنوعة لـ «الهوية الأوروبية» وكذلك على سياسات ثقافية أوروبية تتسم هي الأخرى بالتنوع.أمّا الشعار الذي ترى المؤلفة أنها يمكن أن يجسّد الهوية الأوروبية فهو «الوحدة مع التنوّع».
ويحمل القسم الثاني من الكتاب عنوان: «الوجود والصيرورة: العواصم الأوروبية للثقافة». وتتم هنا دراسة الصيغ والنشاطات التي عرفتها المدن الأوروبية التي جرى تحديدها كـ «عواصم أوروبية ثقافية» منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين. ويتم اعتبار مفهوم «العاصمة الثقافية» بمثابة أحد أكثر المظاهر تجسيدا للسياسات الثقافية الأوروبية المشتركة. وذلك اعتبارا من الشروع بتطبيق هذه الممارسة اعتبارا من عام 1985.
كانت وراء المبادرة وزيرة الثقافة في اليونان، والممثلة السابقة، ميلينا ميركوري. وكان الهدف المعلن هو التقريب بين مواطني المجموعة الاقتصادية الأوروبية (آنذاك) ومواطني الاتحاد الأوروبي اليوم. كانت التسمية الأولى هي «المدينة الثقافية الأوروبية» وأصبحت «العاصمة الأوروبية للثقافة».
وكانت مدينة «كورك» الايرلندية هي أول مدينة تحظى بذلك اللقب، واعتبارا من عام 2005 حيث تعاظمت المنافسة من أجا الفوز بلقب عاصمة الثقافة، تقرر أن تتقاسم مدينتان أوروبيتان هذه المكانة كل عام.
أما القسم الثالث والأخير من الكتاب فيخص «أوروبا كمشهد». والفكرة الأساسية التي يتم التركيز عليها في هذا السياق هي القول بـ «الوحدة في إطار تنوع الممارسات». وهذا ما حرص «مجلس أوروبا» الذي تأسس منذ عام 1949 على التأكيد عليه. وهذا ما أكّدته أيضا جميع اتفاقيات التعاون الثقافي الأوروبي.
ويتم التركيز في هذا السياق على القول أن الأعمال التي قام بها الاتحاد الأوروبي وقبله مجلس أوروبا صبّت إجمالا في التشجيع على قيام ثقافة أوروبية تحث على قدر أكبر من توحيد «المشهد الثقافي» الأوروبي في إطار احترام التنوع، بل وحمايته والتأكيد على أنه عامل «ثراء» للثقافة ولمصلحة الجميع، ثم إن الهوية الثقافية الأوروبية هي نتاج تراكم تاريخي لمسارات «نوعية» عرفتها بلدان الاتحاد الأوروبي، وليست صيغة يمكن للمؤسسات الأوروبية أن تحددها.
بكل الحالات يتم التأكيد أن تظاهرة «العاصمة الأوروبية للثقافة» تقدم للمدن الأوروبية التي تقوم بتنظيمها الفرصة كي تقدم على مدى عام كامل برامج ثقافية تصب كلها في خانة التركيز على مدى ثراء وتنوع الثقافات الأوروبية، وكذلك التركيز على النقاط المشتركة بينها.
ويتم التأكيد أنه خلال ما يزيد عن عقدين من الزمن عرفت هذه التظاهرة نجاحا جماهيريا كبيرا وكذلك اهتماما إعلاميا جرى فيه التأكيد على «الهوية الثقافية الأوروبية» التي تتبلور أكثر فأكثر من تظاهرة إلى أخرى. هذا بالإضافة إلى المردود الثقافي الإيجابي للمدن المعنية، ودون نسيان المردود الاجتماعي-الاقتصادي.
وتتم الإشارة إلى أن مختلف الاتفاقيات الدستورية الأوروبية، بما في ذلك مشروع الدستور الأوروبي لعام 2004، الذي جرى عدم تبنّيه بسبب رفضه باستفتاء شعبي من قبل الفرنسيين وبعدهم الهولنديين عام 2005، تؤكد على «الإرث الثقافي» الأوروبي المشترك في مقدماتها وفي مقولاتها الأساسية.
ومن السمات الأساسية التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب القول أن الثقافة الأوروبية تتسم بالانفتاح على الثقافات الأخرى وأيضا على المعارف وعلى مختلف مفاهيم التقدّم الاجتماعي. كذلك يتم التأكيد على أن الشعوب الأوروبية، التي «تعتز بهويتها وبتاريخها الوطني» هي مصممة على تجاوز خلافاتها ونزاعاتها السابقة، وبالمقابل تعزيز الروابط فيما بينها أكثر فأكثر، وذلك في منظور هدف إستراتيجي هو صياغة «قدرها المشترك».
جذر ثقافي مشترك
يتم اعتبار «الجذر الثقافي» أنه الأرضية التي شكّلت الأساس الذي تطوّرت بالاعتماد عليه «القيم الكونية» التي تعتبر أوروبا أنها «مهدها» الحقيقي وفي مقدمتها عدم المساس بحقوق الإنسان واحترام مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة ودولة القانون.
المؤلفة في سطور
تعمل مونيكا ساساتيللي، مؤلفة هذا الكتاب، باحثة في مركز الفكر الاجتماعي والسياسي التابع لجامعة سوسيكس بالمملكة المتحدة «بريطانيا».من كتبها: «التقاليد الديمقراطية: «أربعة دساتير جرمانية».
الكتاب: الأوروبيون بالانتماء،الهوية الثقافية والسياسات الثقافية الأوروبية
تأليف: مونيكا ساساتيللي
الناشر: بلغراف مكميلان ـ لندن 2009
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Becoming Europeans
Monica Sassitelli
Palgrave MacMillan- London - 2009
P.256
