عندما نزل الجنود الفرنسيون على شاطئ «سيدي فرج» بالقرب من الجزائر العاصمة عام 1830 لم يكونوا يتصورون، دون شك، أنهم يطلقون إشارة البداية في مغامرة ستثير الكثير من الأهواء. وهذا ما يعالجه الباحث الفرنسي بيير دارمون في كتاب يحمل عنوان: «قرن من الأهواء، تاريخ الجزائر في ظل الاستعمار».
لقد أصبحت الجزائر منذ احتلالها عام 1830 أحد الرهانات الجوهرية على الصعيد الوطني الفرنسي. ويقسم المؤلف محتويات الكتاب بين ثلاثة مراحل، يُطلق على الأولى «مرحلة الريادة» الممتدة بين 1830-1870». ثم «مرحلة أوج الازدهار، 1871-1914». يلي هذا «مرحلة الانحطاط» ما بين نهاية الحرب العالمية الأولى ونشوب الحرب العالمية الثانية.
إن مؤلف هذا الكتاب يطرح في البداية عددا من الأسئلة التي كانت تدور بذهن الكثيرين في البداية مثل: ما الذي ينبغي عمله مع بلاد جرى الاستيلاء عليها رداً على صفعة؟ وبلاد ظلّت تعاني حتى عام 1850 فقدت الآلاف من أبنائها بسبب الأوبئة والحروب .
وفي هذا الكتاب يعود المؤلف إلى الحديث عن البلاد التي وُلد وعاش فيها حتى سنوات شبابه حتى غادرها عام 1957 للدراسة في إحدى المدارس الثانوية الفرنسية. لكنه يؤكد أن دافعه إلى كتابة هذا العمل هو بالتحديد وصف الكيفية التي كان يعيش عليها أبناء البلاد. يقول: «هناك الكثير من الكتب السياسية وكتب المذكرات عن الجزائر. لقد أردت بالأحرى الحديث عن تجربة البشر وإظهار كيف كانوا يعيشون».
بكل الحالات ما يؤكده المؤلف هو أنه كان لا بد من انتظار عام 1870 حتى يتم اعتماد تعبير: «الجزائر هي فرنسا». وبنفس الوقت تقريبا غدت الجزائر محط أهواء الفرنسيين الذين اعتبروها «بلادهم»، بل تتم الإشارة أن الفرنسيين الذين أقاموا فيها كانوا يعتبرون أنفسهم فرنسيين أكثر من الفرنسيين في شمال البحر المتوسط.
أما أبناء البلاد الأصليين من الجزائريين فقد كانوا يعانون من «صمت ثقيل» مع بعض التمرّدات المتفرّقة. وجرى اعتبارهم من قبل الفرنسيين كـ «أطفال كبار» غير بالغين ولا يستطيعون الفكاك من القدر الذي أصابهم، هذا إلى جانب بقائهم «على هامش» المهمة التحضيرية لفرنسا.
لقد ظلت الجزائر تابعة للإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية لفترة تزيد عن قرن من الزمن. هذا ما يؤكده المؤلف ثم يسأل أيضاً: لكن هل كانت في أية فترة من الفترات فرنسية بالفعل، وذلك بمعنى تبنّيها حقيقة للمبادئ الجمهورية التي أرادت فرنسا أن تكون حاضنتها .
الإجابات التي يقدمها المؤلف على هذا السؤال قاطعة، ومفادها أن الجزائريين الذين كانوا من رعايا فرنسا ومن جنودها الذين قاتلوا في جيشها خلال الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، لم يكونوا في أي يوم من الأيام مواطنين فرنسيين كاملي الحقوق. لقد كانت لهم باستمرار نفس «المكانة القانونية» التي تتمتع فيها الأقليات في الوقت الذي كانوا يشكّلون فيه الأغلبية المطلقة في بلادهم.
والبشر الذين يقصدهم بالدرجة الأولى هم المستوطنين الذين أرادوا أن يُظهروا أنهم «فرنسيين أكثر فرنسية من أبناء الأرض الفرنسية الأصلية وأكثر وطنية منهم وأكثر استعدادا للتضحية بحياتهم».
ويتم التأكيد في هذا السياق إلى أن فرنسا اعتبرت الجزائر بمثابة «زهرة» إمبراطوريتها الاستعمارية.
لكن بكل الحالات، لا يتردد المؤلف في القول أن «كل شيء كان يتم على حساب الجزائريين العرب والبربر- من أبناء البلاد الأصليين». هؤلاء ما كان لهم أن يطالبوا بتحررهم ذات يوم.
ولا يتردد المؤلف في تقديم توصيف دقيق على مختلف الممارسات التي قامت فيها السلطة الاستعمارية الفرنسية والتي لم يكن أقلها القيام بعمليات غزو واستيلاء عسكري شرسة، وسن قوانين تحرم أبناء البلاد الأصليين من الكثير من حقوقهم بينما تعطي الكثير من الامتيازات للمستوطنين الأوروبيين.
هذا إلى جانب إجراءات نزع ملكية الأراضي من الجزائريين وتمليكها للمستوطنين. ويصف المؤلف كل أشكال البؤس والظلم التي عانى منها أبناء البلاد وصولا إلى «الانفجار النهائي» الذي لم يكن من الممكن تجنبه في ذلك السياق.
أسطورة استعمارية
الفرنسيون الذين قصدوا الجزائر للإقامة فيها كـ «مستوطنين»، فقد كانوا، كما يتم تقديمهم، مجموعات من شرائح الطبقات الفرنسية المتواضعة أو من المغامرين الذين أرادوا الاستيلاء على بعض الأراضي. هؤلاء جميعا قاموا بتغذية «أسطورة استعمارية» بلغت ذروتها أثناء المعرض الاستعماري الكبير عام 1931. وقد كانت فرنسا تؤكد باستمرار على مهمتها التحضيرية في الجزائر. لكن في الواقع، كانت الحقيقة شيئا آخر، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب.
المؤلف في سطور
كان بيير دارمون مديرا للأبحاث في جامعة السوربون، ويحمل شهادة الدكتوراه في الأدب وأخصائي بتاريخ الطب. من مواليد مدينة وهران الجزائرية. قدّم مجموعة كتب عن أمراض الجدري والسرطان والأمراض الوبائية والطب الشرعي. له أيضاً عدة أعمال روائية.يكتب المؤلف: «مأساة ذوي الأقدام السوداء ؟المستوطنين في الجزائر- تتمثل في جملة واحدة هي أنهم أصبحوا لا يخدمون في شيء».
لكن ما يؤكد عليه بالمقابل هو أن الآلام التي عرفها الجزائريون لمدة تزيد عن 130 سنة ليست معروفة بدرجة كافية من قبل الفرنسيين. وليس أنها ليست معروفة فقط، ولكنه غير معترف بها خاصة.
الكتاب: قرن من الأهواء الجزائرية تاريخ الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية
تأليف: بيير دارمون
الناشر: فايار ـ باريس 2009
الصفحات: 936 صفحة
القطع: المتوسط
Un siècle de passions algériennes
Pierre Darmon
Fayard - Paris - 2009
P.936
