لا شك أن كل ما يشاهد التلفزيون مرّ أمامه، هذا إذا لم يتابع لدقائق أو لساعات، برامج من نوع «من يربح المليون»؟ هذا شائع في العالم العربي لكنه شائع، وربما بدرجة معادلة، أو أكثر في البلدان المتقدمة حيث أصبحت مسألة إملاء «ساعات الفراغ» رياضة ذات مردود اقتصادي هام. إننا نعيش في «عصر المال» بامتياز.

«الجائزة الكبرى في ألعاب التلفزيون»، هذا هو عنوان الكتاب الذي يقدمه الصحافي الفرنسي فرانسوا فيوت. وهو يشرح فيه كيف أن هذا «الصنف» من برامج البث التلفزيوني، يثير الكثير من «الازدراء» المعلن، ولكنه أصبح صناعة حقيقية تدرّ المليارات على أصحابها من جيوب أولئك الذين يمارسونها إلى درجة الإدمان في بعض الحالات. ولا يتردد المؤلف في القول أن هذه الألعاب أصبحت بمثابة «مناجم ذهبية» إذ «ليس هناك ما يجلب أرباحا أكثر من ألعاب التلفزيون، وليس هناك أية برامج أخرى يمكنها أن تنافسها من حيث المردود المالي». ويكفي أن يلقي هذا البرنامج أو ذاك عن هذه الزمرة سؤال: من سيربح المليون؟. الإجابة «مبطنة» ومدلولها أن أي مشاهد يمكنه أن يكون الرابح، ثمّ تبدأ «آلة الربح» عملها.

ويقدم المؤلف قائمة طويلة من الأرقام التي تدل على مدى انتشار هذه الظاهرة. ففي خلال عام 2008 تم تكريس 3580 ساعة بث تلفزيوني لبرامج «الربح» في القناة التلفزيونية الأولى وحدها، وحيث يصل عدد البرامج من هذا الصنف يوميا إلى ما بين 5 إلى 7 برامج. وتدل الأرقام أيضاً أن هناك عددا كبيرا من المشاهدين بالملايين يبدون «إخلاصهم» لمشاهدتها، وبحيث إن نسبة كبيرة منهم تشارك فيها.

وما يؤكده المؤلف هو أن المكاسب التي تجرّها هذه البرامج هي بالفعل هائلة. وهذا يسمح بتوزيع «الغنائم» عن كل من له علاقة فيها ابتداء من المشاهدين الذين يصيبهم النذر الأقل من الربح ووصولا إلى القنوات التلفزيونية ومرورا بشركات الإنتاج والتوزيع ومقدمي البرامج.

الأمثلة التي يتم تقديمها من واقع التلفزيون الفرنسي عديدة. نقرأ: «إن نجما مثل «شافان- أحد مقدمي البرامج- يكسب 5000 يورو- حوالي 7000 دولار عن كل حلقة من برنامج دولاب الحظ، وهو ما يقدّم 5 منه كل يوم.

لكن القنوات التلفزيونية تكسب ما بين إلى عشرة أضعاف هذا المبلغ بواسطة إعلانات الدعاية. وحتى في حالة تقديم برنامج واحد من هذا النوع يعني أنه هناك ضمان تحقيق مكاسب مالية حقيقية باهظة. وهذا يمثل بالطبع سلاحا مطلقا ضد الأزمة».

وتتم الأشارة هنا إلى أن القنوات التلفزيونية استفادت من جو الأزمة كي تقوم بتخفيض نفقاتها، حتى بالنسبة لأولئك الذين يقدمون البرامج، لكن «اللاعبين» لا يزالون يتوافدون بأعداد كبيرة للمساهمة في كسب المليون أو المبالغ الأخرى المقترحة. فالأزمة أفرغت جيوبهم. لكن ما يؤكده «فرانسوا فيوت، هو أن هؤلاء اللاعبين أصبحوا «أقل تهورا».

وتقول قراءته للمستقبل القريب أنه «ستتم العودة إلى طرح مبالغ أكثر تواضعا للربح ولألعاب هي الأخرى أكثر تواضعا».

ولا يكتفي مؤلف هذا الكتاب بشرح «آلة الربح» التي تشكلها ألعاب التلفزيون، لكنه يقوم أيضاً بالتأريخ لها حيث يذكر بعض «رموزها» المبدعين من أمثال «جاك انتوان» مخترع برنامج «قلعة بوايار»، الذي يصفه ب«رجل المائة فكرة في الدقيقة»، و«ارمان جامو» مخترع برنامج «أرقام وحروف»، الذي أصبح عندنا «حروف وألوف». وتتم الأشارة هنا إلى أن العديد من مخترعي الألعاب «التي لاقت النجاح» لا يزالون يتقاضون منذ سنوات طويلة مبالغ هامة لقاء «اختراعاتهم».

والأميركيون أصبحوا «معلّمين» في هذا الميدان. هكذا ينقل المؤلف عن «ناجي» - ذي الأصل المصري- أحد أهم مقدّمي برامج الألعاب التلفزيونية ومنتجيها قوله: «إذا جرى استثمار 400000 إلى 500000 يورو من أجل تطوير لعبة ما، ثم رفض التلفزيون بثّها، فهذا يمثّل خسارة كبيرة.

لكن إذا جرى تبنّي لعبة أميركية مع التأكّد من بثها فهذا لا تكون كلفته سوى نسبة من الأرباح. والأميركيون يراهنون ويقولون: سوف نأخذ 10 بالمائة على كل حلقة يتمّ بثّها. وهكذا ينتهي الأمر بتلقيهم مبلغ 500000 يورو ولكن لقاء عمل جرى تجريبه».

وبرنامج «دولاب الخط» كان قد جرى اختراعه من قبل الأميركي » غريفين» عام 1975، الذي يمتلك الآن إحدى أكبر الثروات في الولايات المتحدة. وهذا البرنامج لا يزال «ساري المفعول» منذ 43 سنة حيث يقدّم المؤلف براهينه أن الشركاء في الربح وهم الموزعين ومالكي الحقوق والمخترع يتقاضون بالنتيجة مبالغ خيالية تمكن مقارنتها بما تدرّه الصناعات الكبرى.

أما المخترع الانجليزي بول سميث فقد قام بما يشبه الثورة مع اختراع لعبة «من يربح المليون» عام 1998. لم تُقنع فكرته أحد عند انطلاقها، كما يؤكد المؤلف، وحيث كان مخترعها قد أمضى عامين في العمل عليها وأنفق ما يعادل 2 مليون ليرة استرلينية- جنيه استرليني. وانتهى به الأمر إلى أن أصبح منزله الشخصي مرهونا للدائنين، بل عندما قبلت قناة «اي. تي.في» الانجليزية بث البرنامج قبل المخترع من جهته أن يدفع «من جيبه» أية خسائر سوف تترتب على ذلك.

لكن سرعان ما عرف البرنامج نجاحا هائلا في ثلاثة بلدان، إحداها الولايات المتحدة الأميركية. وقد جرى بيعها حتى الآن إلى 150 بلدا في العالم حيث بلغت حصة بول سميث الإجمالية حوالي 65 مليون جنيه استرليني، أي ما يعادل 740 مليون جنيه استرليني، أي ما يعادل 740 مليون يورو، أي حوالي مليار دولار أميركي.

عولمة الألعاب

تتم الأشارة إلى أن «عالم الألعاب التلفزيونية» الفرنسي يمشي جنبا إلى جنب مع العالم الأميركي والبريطاني في هذا الميدان. لكن تتم غالبا عملية «تكييف» البرامج الأجنبية مع بعض معطيات الواقع «الوطني»، هذا لقاء دفع مبالغ كبيرة لأولئك الذين يمتلكون «براءة اختراع الفكرة». وفي هذا العصر من «عولمة الألعاب» أصبحت عوائدها تمثل مصادر دخل حقيقية.

المؤلف في سطور

فرانسوا فيوت هو صحافي فرنسي يعمل في حقل التلفزيون منذ 25 سنة وهو يدير تحرير عدد من المجلات التلفزيونية، وقد قام ب«تصميم» بعضها، وهو معلّق تلفزيوني في العديد من القنوات مثل «أوروبا الأولى» و«باريس بروميير».

الكتاب: الجائزة الكبرى في ألعاب الحظ

تأليف: فرانسوا فيوت

الناشر: مومون ـ باريس 2009

الصفحات: 280 صفحة

القطع: المتوسط

Le jackpot des jeux télé

François Viot

Moment - Paris - 2009

P.280