الكثير من رجال السياسة في مختلف أنحاء العالم ظهروا بصور لهم وهم يمتطون صهوة جواد. هذه العلاقة بين رجال السياسة والحصان هي موضوع كتاب الصحافي الفرنسي جان لويس غورو تحت عنوان: «الحصان، حيوان سياسي».

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حرص أيضاً على أن تُلتقط له الصور وهو يمتطي صهوة جواد كلما سنحت له الفرصة بذلك. ويشير المؤلف إلى عدة صور مأخوذة له في منطقة «كامارغ» بجنوب فرنسا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط أو بالقرب من أهرامات مصر، عندما كان في زيارة إلى الصين. لماذا؟ ليست هناك إجابة محددة لهذه الرغبة، ولعله يريد أن يتمثّل بنابليون بونابرت الذي كان مولعا هو الآخر بالحصان وصوره الأكثر شهرة هي على ظهر حصان. إن القائمة التي يعدّها المؤلف للقادة السياسيين الذين عُرف عنهم ولعهم بالحصان طويلة وهي تشمل على سبيل المثال وليس الحصر شخصيات مثل فلاديمير بوتين ورينالد ريغان وصدام حسين ومعمّر القذافي وجوزيف بروز تيتو وونستون تشرشل وغيرهم. التفسيرات الخاصة باستمرار التقارب بين القادة والسياسيين والحصان كثيرة، وليس أقلها شيوعا القول أن هذا الحيوان ترافق في المخيلة الجماعية للبشر أنه يمثل بمعنى ما السلطة. وهكذا كان الأباطرة والملوك يمتلكون العديد منها، وكان للفرسان دائما مكانة خاصة لديهم. والحصان هو أيضاً رمز للقوة وللانتماء إلى عالم الأقوياء والطبقات العليا من المجتمع.

وبهذا المعنى يمكن الحصان حيوانا «ارستقراطيا»، حيث لا يتردد المؤلف في تصنيفه، بهذا المعنى، أنه ينتمي إلى معسكر «اليمين» سياسيا. وبالتالي ليس قريبا من أوساط «اليسار»، بل إن «اليساريين» الذين «يتآلفون» معه يبدون وكأنهم ينسلخون عن طبقتهم.

لكن ألا يمكن للفروسية أن تكون بمثابة تمهيد ضروري من أجل خوض معترك السياسة؟ ذلك أن الحصان يشابه إلى حد كبير في سلوكياته الجماهير الشعبية. ذلك أنه مثلها يمكنه «ينفلت من عقاله» بأية لحظة ويصبح جامحا. بالتالي ينبغي على «فارسه» أن يتعلّم كيف يرتقب تقلّبات مزاجه وتبدلاتها كي يستطيع ضبطه. وبتعبير آخر عليه أن يتعلّم كيف يفرض إرادته على من هو أقوى منه. أليست هذه هي إحدى مهمات رجل السياسة عامة ورجل القيادة بشكل خاص؟

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى كلمة تتردد باستمرار ومفادها أن هناك العديد من النقاط المشتركة، نقاط التشابه، بين «فن الحكم» وفن «امتطاء صهوات الأحصنة» في الحالتين لا مكان للجبان والمتردد.

بكل الحالات يتم التأكيد أن الحصان ليس حيوانا عاديا مثل غيره من الحيوانات. إن له مكانة خاصة في نظرة البشر. وقد شارك بصيغة أو بأخرى خلال التاريخ بسلطة الرجل والنساء أيضا، إذ كان هناك ملكات امتطين صهوات الجياد. بل شارك الحصان البشر بمشاربهم العسكرية والسياسية. ولهذا السبب بالتحديد يصبح انتصارهم انتصارا له وهزيمتهم هزيمة له.

النصوص الأدبية لأكبر الكتاب تحدثت عن ذلك. وكذلك تحدثت عنه «روايات الفرسان الأبطال المشاهير.ويشير المؤلف في هذا السياق إلى المصير الذي عرفه عدد من الأحصنة، وذلك بالتوازي مع المصير الذي عرفه عدد من رجال السياسة. هكذا حُكم على بعض الأحصنة بالنفي وحتى بالأشغال الشاقة، كما يشير المؤلف نقلا عن الكاتب الألباني الشهير إسماعيل قدري. وهناك أحصنة جرى تقديمها كهدايا مثل «جينجيم» حصان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوان ميتران.

وهناك أحصنة تعرّضت للخطف، مثل «شيرغار» حصان آغا خان، وواجه بعض الأحصنة عقوبة الإعدام مثل «ايريس السادس عشر»، حصان القائد العسكري لوكليرك. هذا القاموس من أشكال المصير الذي تعرضت له الأحصنة هو نفسه القاموس الذي يتم استخدامه بالنسبة لرجال السياسة.

ولا يتردد المؤلف في وصف الحصان على أنه من أجمل مكاسب رجال السياسية الذين حرصوا بدورهم على أن يشكّل جزءً من عالمهم. ومع هذا تتم الأشارة إلى إستثنائين كبيرين عرفهما القرن الماضي «العشرين» ويتمثلان في كل من جوزيف ستالين وأدولف هتلر اللذين لم تطأ قدميهما أبدا أية حظيرة للأحصنة طيلة وجودهما على رأس السلطة. هذا على عكس بينيتو موسوليني.

وإذا كانت الصورة التي رآها الجميع لونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، هي تلك مع «السيجار» الشهير، فإن هذا لا يمنع واقع أنه كان فارسا أولا ومارس حرب الفرسان في الهند والسودان وجنوب إفريقيا.

وماوتسي تونغ، زعيم الصين الشهير، كان قد امتطى صهوة الجواد أثناء التظاهرة الكبرى التي نظّمها تحت اسم «المسيرة الكبرى». كذلك يعرض مؤلف هذا الكتاب صورا لأشهر ثوري في التاريخ العالم الحديث ارنستو تشي غيفارا وهو على صهوة جواد. وهذا ما يعلّق عليه بالقول أنه يبدو في تلك الصورة أكثر سعادة مما كان في غابات بوليفيا وهو يحارب في صفوف الثوار.

وكان جوزيف بروز تيتو قد تعلّم ركوب الخيل عندما كان جنديا في صفوف جيش الإمبراطورية النمساوية- الهنغارية قبل انهيارها نتيجة الحرب العالمية الأولى.ثم إن الحصان ربما «كسر ظهر» الكثير من أولئك الذين امتطوا صهوته، لكنه لم يكسر أبدا قدم أي منهم. فمعروف عنه أنه حيوان «نبيل» لا يرفس الفارس إذا سقط عن ظهره.

في المحصلة يؤكد المؤلف أن الحصان كان باستمرار ذا «شأن سياسي»، بل كان «رهانا سياسيا» في حالات كبيرة، كما ينقل عن العديد من المؤلفات. ولعل أهمية هذا الكتاب تكمن في كون أن مؤلفه قد جمع كما كبيرا من الأدبيات والنصوص عن «الحصان والسياسة» وعن عالمهما المشترك.

استثناء

الملاحظة التي يؤكد عليها المؤلف هي أن الحصان الذي لم يعد منذ فترة طويلة «وسيلة» للسفر أو لخوض المعارك أو حتى للانتقال من مكان إلى آخر لا يزال قريبا من أولئك الذين هم في مراكز القرار ببلدانهم. هذا على عكس مختلف الحيوانات الأخرى، ربما باستثناء الكلاب في بلد مثل فرنسا حيث كان الرئيسان جاك شيراك وفرانسوا ميتران يصطحبان غالبا في رحلاتهما «كلبيهما».

المؤلف في سطور

جان لويس غورو، صحافي من أم فرنسية وأب بلجيكي. عمل في عدة دوريات وصحف من بينها «لوفيغاو» و«اورور»، أي «الفجر» و«كومبا» أي «المعركة». اهتم بالحصان منذ البداية وأسس دار نشر أصدرت مائة كتاب عن الحصان على مدى 20 سنة. كما أسس وكالة للمعلومات تعاملت معها عدة بلدان عربية ؟ الجزائر وليبيا - وإفريقية.

الكتاب: الحصان، حيوان سياسي

تأليف: جان لويس غورو

الناشر: فافر باريس 2009

الصفحات: 157 صفحة

القطع: الكبير

Le cheval، animal politique

Jean Louis Gouraud

Favre - Paris - 2009

P.157