لا شك أن الإمبراطورية البريطانية هي أحد أشهر الإمبراطوريات التي شهدها التاريخ الإنساني كله. وكان البريطانيون قد أرسوا أسسها منذ نهايات القرن الثامن عشر واستمرّت حتى أواخر القرن العشرين. والمؤرخ البريطاني بيير بريندون يشرح في كتاب يقارب عدد صفحاته ال800 صفحة قصة انحطاط ثم انهيار هذه الإمبراطورية تحت عنوان: «انحطاط الإمبراطورية البريطانية وسقوطها».

كان البريطانيون هم أول من فهموا أن من يسيطر على البحار يمكنه أن يسيطر على العالم، وكانت تلك الفكرة أحد الأسس التي قام عليها مشروعهم الاستعماري الذي آل إلى بناء إمبراطورية بريطانية حقيقية مترامية الأطراف شملت بلدانا في إفريقيا وآسيا وخاصة في الهند وأفغانستان وباكستان وبرمانيا والعراق وغيرها. وإذا كانت الإمبراطورية البريطانية قد انهارت فإن آثارها لا تزال باقية حتى اليوم، ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول أن الكثير من الأزمات التي يشهدها العالم اليوم وفي مقدمتها تلك الأكثر اشتعالا في أفغانستان والعراق تجد جذورها فيما يسميه ب«السلام البريطاني»، أي بالصيغة التي عمدت بريطانيا على أن تتركها وراءها قبل الجلاء عن البلدان المعنية، وحيث يختلط في كل مرة «التاريخ» و«المأساة». وكان البريطانيون قد أقاموا جزء من إمبراطوريتهم على الأرض الأميركية إلى أن وضعت «الثورة الأميركية» التي ساعد عليها الفرنسيون بدور هام جسّده «لافاييت» ورفاقه الذين حاولوا جمع المساعدات من أوروبا لشراء عتاد وتجهيزات لمساعدة الثورة الأميركية.

لكن جنود التاج البريطاني شاركوا في «احتفال الاستسلام» عام 1781 بعد أن كانوا قد مارسوا التدمير سابقا. ومن الملفت للانتباه أن مؤلف هذا الكتاب يحدد تاريخ 1871 كبداية للمرحلة التي يدرسها في انحطاط الإمبراطورية البريطانية ثم سقوطها، كما أنه يختار تاريخ «اكتمال» ذلك في عام 1997 أي عندما جرى نقل السلطة في هونغ كونغ من بريطانيا إلى جمهورية الصين الشعبية.

وكانت الإمبراطورية البريطانية «الشرقية» قد امتدت من مصر إلى هونغ كونغ حيث مارس فيها التاج البريطاني ممثلا بحكومة بريطانيا وجيشها هيمنة كاملة «لا يقاسمه فيها أحد» على مساحات شاسعة تقارب 11000 مليون ميل مربع، كما تشمل حوالي ربع سكان المعمورة آنذاك، وكانت تلك الإمبراطورية قد بلغت ذروة قوتها في نهايات القرن التاسع عشر.

ففي عام 1897 شارك 11 رئيس وزراء بلد كانت تخضع للاستعمار البريطاني ومثل عددهم من «المهراجا» الهنود في احتفال قادته الملكة البريطانية في شارع «سان بول» بالعاصمة البريطانية.

لكن البدايات الحقيقية لخلخلة تلك الإمبراطورية قيمة تحديدها في فترة ما بين الحربين العالميتين حيث كانت شعوب عديدة، قد شرعت بثورات تحرر وطني والمطالبة بجلاء الاستعمار البريطاني. وهذا ما يدرسه المؤلف في قسم مكرس لسنوات 1919-1929.

أما مرحلة بدايات انهيار الإمبراطورية البريطانية فقد بدأت فعليا بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها بريطانيا منتصرة ولكن مدمرة إلى حد كبير اقتصاديا حيث تراجع دورها ودور فرنسا أيضاً بعد أن كانتا في عداد القوى الكبرى ذات الصوت القوي على المسرح العالمي في الفترات السابقة.

ويحدد المؤلف عام 1947 كبداية النهاية بالنسبة للمشروع الإمبريالي البريطاني. ففي تلك السنة وصلت الهند إلى نيل استقلالها الوطني كتتويج لمسيرة النضال «السلمي» التي قادها المهاتما غاندي. وكان الفصل الختامي في انهيار الإمبراطورية البريطانية هو «تسليم» هونغ كونغ للسيادة الصينية.

ومن الآثار الباقية بقوة بعد نهاية الإمبراطورية البريطانية يحدد المؤلف خاصة اللغة الانجليزية التي تعامل فيها لفترة من الزمن جزء هام من البشر بحكم العلاقة مع «المركز الاستعماري» البريطاني وظلّت موجودة في مختلف البلدان بعد جلاء الاستعمار.

وكان المركز الذي اكتسبته الولايات المتحدة الأميركية، والمستعمرة الانجليزية السابقة» في العالم عاملا إضافيا في الانتشار الهائل للغة الانجليزية على صعيد لا سابق له طيلة مسيرة التاريخ الإنساني كله. هذا إلى حد يمكن معه القول اليوم أن العولمة معادلة ل«اللغة الانجليزية مضافا إليها الثورة الرقمية-ميكروسوفت».

لكن يتم التأكيد أن خسارة «المستعمرات الأميركية» كانت الضربة الأكبر لتلك الإمبراطورية. كما كانت «المنافسة الفرنسية» أحد العوائق «التاريخية» في الفترات الأولى. لكن «مفعولها»، أي المنافسة، تضاءل قليلا مع عامل التفوّق الذي حققته البحرية الملكية البريطانية بفضل الثورة الصناعية وبسبب الضعف النسبي للقوى الأوروبية المنافسة خلال القرن التاسع عشر.

ويعود المؤلف على مدى صفحات عديدة إلى الحرب العالمية الأولى، «الحرب الكبرى» كما شاعت تسميتها، التي قامت على خلفية المنافسة بين القوى الإمبريالية الأوروبية. تلك الحرب أنهت وجود إمبراطوريتين كبيرتين، هما الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية النمساوية-الهنغارية، كما أنها «خربت» بريطانيا تقريبا. لكن المؤلف يشير أنه، ورغم العديد من مؤشرات الانحطاط، كانت الإمبراطورية البريطانية لا تزال قوة هائلة. وينقل أن أدولف هتلر نفسه قبل القول أن بريطانيا كانت لا تزال «أكبر قوة على سطح الأرض».

كذلك يشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات كيف أن الأزمات المعاصرة في الشرق الأوسط نجد امتدادها في «وزارة الخارجية» البريطانية. ذلك أن بريطانيا، وأثناء انسحاب جيشها من الهند وبرمانيا وسيلان وماليزيا، حاولت أن تعزز مواقعها في الشرق الأوسط. وينقل عن انتوني ايدن قوله إن الدفاع عن منطقة شرق حوض المتوسط هي «مسألة حياة أو موت بالنسبة للإمبراطورية البريطانية». وكان بلفور قد أعطى قبل ذلك وعده لليهود بفلسطين في منظور زرع ركيزة لتوجهات بلاده للمنطقة.

إمبراطورية شاسعة

إن المؤلف يروي بكثير من التفاصيل عن «المغامرة الاستعمارية البريطانية» وما عرفتها مختلف الساحات التي حلّت فيها في إفريقيا والشرق الأقصى ومن بليسي إلى أم درمان، هذا دون نسيان حروب «الزولو» والمقدّمات التي أدت إلى قيام النظام العنصري في جنوب إفريقيا.

المؤلف في سطور

بيرس بريندون، هو مؤرخ وكاتب سير بريطاني. عمل مديرا لأرشيف مركز تشرشل بجامعة كمبردج.له عدة مؤلفات منها: «حياة وموت بارونات الصحافة» و«عصر الإصلاح 1820-1850» و«ونستون تشرشل: حياة قصيرة»، الخ.

الكتاب: انحطاط الإمبراطورية البريطانية وسقوطها

تأليف: بيرس بريندون

الناشر: كنوبف ـ لندن 2008

الصفحات: 794 صفحة

القطع: المتوسط

The declin and fall of the British empire

Piers Brendon

Knopf- London 2008

P.794