تشكل العلاقات الدولية ومسرحها وموازين القوى فيها أحد أكثر الموضوعات اهتماما في السنوات الأخيرة بالنسبة للباحثين. وكانت من بين النظريات التي شاعت حيالها تلك المعروفة باسم «النظرية الواقعية».
وهذه النظرية تتطلّب إعادة النظر فيها كما يشرح مساهمون عدة في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان: «الواقعية في العلاقات الدولية، إعادة نظر». والمشرفون عليه هم ثلاثة من أساتذة الجامعات المعروفة على الصعيد العالمي.وما يتم التأكيد عليه عامة في هذا العمل هو أن «النظرية الواقعية» في العلاقات الدولية تحتل مكانة مركزية في هذا الميدان. وتمثل إحدى سماتها الأساسية أنها تقترح رؤية للعلاقات الدولية على قاعدة «النظر للعالم كما في الواقع وليس كما يُراد أن يكون». ومن هنا بالتحديد جاءت تسمية هذه النظرية منذ نهايات الحرب العالمية الثانية. ثم سادت «بدون منازع» حتى نهاية عقد الثمانينات الماضي حيث بدأ بعض الباحثين يطرحون بعض التساؤلات حولها. وفي مثل هذا السياق من التساؤل حدثت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن لتحدث «قطيعة» في الميزان الواقعي للعلاقات الدولية وخاصّة بالنسبة لقوة الولايات المتحدة في العالم. وتعمّقت هذه «القطيعة» بعد مغامرة الحرب في العراق.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية يضمّ الأول منها مجموعة من المساهمات التي يبحث كتّابها في آليات تشكّل النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، وتقديم مجموعة من الاتجاهات، و«المدارس» في تعريفها. وتشرح مساهمات القسم الثاني أشكال السلوك الواقعية التي مارستها القوى العظمى الأميركية وكيفية توظيفها «النظرية الواقعية من أجل خدمة مصالحها وهيمنتها على الصعيد العالمي. القسم الثالث والأخير يخص بدقة أكبر مسألة «إعادة النظر» بالنظرية الواقعية ونقدها في منظور فتح آفاق جديدة، أمام سبل جديدة ولتصور نمط جديد من العلاقات الدولية.
يحاول المساهمون في هذا الكتاب إلقاء الضوء على مختلف المشاكل المتعلقة بالسلام والحرب بين الأمم. وذلك عبر مجموعة من الأدوات التي توفرها الرؤية الواقعية للعالم من أجل تحديد سبيل التعامل مع قضاياه الكبرى. ذلك على اعتبار أن هذه الواقعية تشكل نقطة الانطلاق الأساسية لجميع النظريات الأخرى المتعلقة بالعلاقات الدولية.
لكن هذا لا ينفي أنها بحاجة مستدامة إلى إعادة النظر فيها وتحسين طرق مقاربتها للمسائل العالمية ضمن الظرف التاريخي الذي تتواجد فيه. فمثلا لا يمكن «واقعيا» مقاربة هذه المسائل في فترة الحرب الباردة بنفس الآلية التي تتم مقاربتها في الفترة التي تلتها. ذلك أن موازين القوة في العالم قد تطوّرت... وبدقة أكبر قد تبدّلت.
وبهذا المعنى يكون المفهوم «الواقعي» للعالم خاضعا للتبدّل هو الآخر. ويبقى كل فهم لماضي السياسات الدولية وحاضرها ومستقبلها منقوصا إذا أُريد تعميمه على مختلف المراحل. ثم إن كل فهم جامد للواقع يعاني من مشاكل في الوصف وفي التفسير. والمقدمات الخاطئة لها دائما نتائج خاطئة.
وتطرح إحدى مساهمات الكتاب المسألة الخاصة بـ «مفهوم التقدم» في العلاقات الدولية وعلى ضوء النظرية الواقعية. ويتم التركيز أولا على القول إنه من الصعب جدا «قياس» التقدم، خاصة في الحقبة التي يتحقق فيها. ذلك أنه لا تتوفر عندها المسافة المطلوبة والضرورية من أجل إمكانية القياس بصورة موضوعية. كما أنه من الصعب جدا الوصول إلى اتفاق عام بين المعنيين في فترة ما حول معنى التقدم. هكذا وقد يتطلب الأمر أحيانا عدة أجيال من أجل الوصول إلى الإقرار بمدى التقدم الذي حققته العلاقات الدولية.
ثم من شبه المستحيل القبول بمعايير للتقدم من قبل الجميع، إذ أن ما يبدو تقدما من وجهة نظر الولايات المتحدة لن يكون كذلك من وجهة الصين على سبيل المثال. ومثل هذه التباينات تبرز على مستوى العلاقات الدولية عامة كما على صعيد المؤسسات ذات الطابع الدولي. كما تبرز بدرجات مختلفة من الحدّة، في الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الاستبدادية.
وتدرس مساهمة أخرى التبدلات التي عرفتها النظرية الواقعية في العلاقات الدولية على صعيد تداخلات هذه العلاقات في زمن العولمة. وبعد الإشارة إلى انهيار جدار برلين عام 1989، والتأثير الكبير الذي تلا ذلك على صعيد العلاقات بين الدول. ومن المعطيات الأساسية التي يتم التأكيد عليها في عصر العولمة والثورة الرقمية هو أن نشوب حرب عالمية جديدة، أصبحت واقعيا غير محتملة إلى حد كبير، ولكنها ليست مستحيلة. الأمر لم يكن كذلك في عهد ما قبل الحرب العالمية الثانية والأسلحة النظامية، التقليدية.
الواقع متحرّك
يتم التأكيد في أكثر من مساهمة في هذا الكتاب أنه لا يمكن فهم التاريخ على ضوء النظرة الواقعية الجامدة. ثم إن من يصّر مثلا على قراءة التاريخ الأوروبي دون أن يأخذ باعتباره الحربين العالميتين الأولى والثانية إنما سوف يعاني تحليله من الجمود، ولو حاول أن يصبغ على نظرته صفة «العلمية».
المشرفون في سطور
تعمل انيت فريبرغ-اينان، أحد المشرفين الثلاثة على هذا الكتاب الجماعي، أستاذة للعلاقات الدولية في جامعة أمستردام. من كتبها «الحكم على الطبيعة الإنسانية». وايوين هاريسون هو المدير المساعد في معهد الفنون والعلوم التابع لجامعة واشنطن. من كتبه: «النظام الدولي بعد الحرب الباردة: الإستراتيجيات والمؤسسات». وباتريك جيمس هو أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كارولينا الجنوبية، من كتبه: «العلاقات الدولية والتقدم العلمي».
الكتاب: الواقعية في العلاقات الدولية إعادة نظر
تأليف: انيت فريبرغ، اينان ايوين هاريسون باتريك جيمس وآخرون
الناشر: جامعة جون هوبكنز 2009
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
Rethinking realism in international relations
Annette Freyberg, Inan Ewan Harrison, Patrick James and
John Hopkins University - 2009
P.320

