كشف ملف الحصاد الفكري السنوي وهو آخر ملفات التقرير عن تساؤلات عميقة حول انشغالات العقل العربي خلال عام 2008 سواء من حيث الموضوعات المثارة أم أولوياتها وكان من أبرز هذه التساؤلات الجدل الدائر حول ممارسة الدور الإقليمي العربي وقضايا التنمية والتحول الاقتصادي وتداول المعلومات.

كما يتطرق هذا الملف إلى محاولة الإجابة عن تساؤلات أخرى بدت ملحة مثل التساؤل حول جدلية العلاقة بين العروبة والإسلام وضعف الاهتمام العربي بالقوى العالمية الجديدة البازغة كما أثير التساؤل حول قضية الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية وما تتسم به من تركيز بالغ على اللغتين الإنجليزية والفرنسية مقابل إهمال ملحوظ لحركة الترجمة من لغات أخرى كالصينية واليابانية والهندية.

وفي محاولة لرصد مدارات انشغال الوعي العربي عام 2008 يشير هذا الملف إلى وجود مواضيع ما كانت تأخذ حيزا من التفكير والبحث ومن ذلك مثلا الاهتمام المتزايد بالتحولات الجارية في علاقات الثروة والقوة والنفوذ على الصعيد العالمي من خلال الانصراف إلى الانتباه الكبير لدور بعض مراكز القوى في النظام الدولي مثل الصين وروسيا ومن ذلك أيضا ما شهدناه من اهتمام أكبر بعلاقات البلاد العربية بجوارها الإقليمي (الآسيوي والإفريقي والأوروبي).

وفي إطار رصد ما وصفه بالأسئلة المألوفة أشار ملف الحصاد السنوي إلى أن من بين تلك الأسئلة المسألة الديمقراطية وهي تشغل اليوم بل ومنذ عقدين حيزا واسعا من التفكير والاهتمام والكتابة والحراك المدني حيث تطالعنا مسائلها في الكتب والندوات. ويشير التقرير إلى أن الانشغال الفكري والسياسي بالديمقراطية ما انتكس وإن تلقي ضربة من سياسة دولية توسلت بها في حين سريع من الزمن على سبيل الافتعال والزعم والتوظيف الكاذب.

وهنا يكشف التقرير عن مفارقة أنه ما كان مستغربا هو استمرار الانشغال بالشأن الديمقراطي خلال عام 2008 بالإيقاع نفسه الذي كان به قبلا، وأن تتنوع اتجاهات وموضوعات وأسئلة ذلك الانشغال.

ففي مجال الإعلام يشير التقرير في إطار رصده للحصاد الفكري السنوي إلى أن عام 2008 لم يختلف عن الأعوام السابقة له في شدة الاهتمام الفكري العربي بمسألة الإعلام وأدواره في الحياة الاجتماعية والسياسة والثقافية ويكاد هذا الاهتمام يشكل منذ مطالع عقد التسعينات من القرن العشرين الماضي واحدا من أبرز ما استجد من معطيات ومتغيرات على مشهد الحياة الثقافية والفكرية في الوطن العربي وهو أمر يبرره الأثر الكبير الذي كان لثورة الإعلام والاتصال في حياة البشرية المعاصرة بخاصة في العشرين عاما الأخيرة وما نجم عنها من إحداث ثورة شاملة وعميقة في مفاهيم المكان والزمان والتواصل.. إلخ.

ويستعرض الحصاد الفكري بعض التأثيرات الملموسة لهذا التطور، مشيرا إلى أنه لما كانت أثار ثورة الإعلام في العالم قد فعلت في الحياة العربية سلبا من خلال الإمعان في اختراق نسيجه الاجتماعي الثقافي والقيمي وإيجابا من خلال التكيف الإيجابي مع تحدياتها والدخول الفعال في برنامج عملها بالإعلام الفضائي الذي أحدثت مؤسساته وبالمشاركة المتعاظمة في برامج الإنترنت فقد أتى ذلك كله يشكل حافزا إضافيا للمزيد من الاهتمام الفكري العربي بالموضوع في المناشط الجماعية (المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية) كما في مجال الكتابة والتأليف.

وينتقل عبد الإله بلقزيز في رصده للحصاد الفكري السنوي ضمن الملف الأخير من التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية إلى الحديث عن وضع النظام العربي حيث يشير إلى أنه لم يكن في حال من المعاناة الشديدة في أوضاعه الذاتية ـ في كل تاريخه الحديث ومنذ قيام أطره المؤسسية في منتصف أربعينات القرن العشرين ـ كما هو عليه اليوم من ضعف وفقدان للتماسك أمام ما ينهمر عليه من تحديات من الداخل والخارج.

فإلى أنه ما عاد يملك تأثيرا سياسيا فيما يجري من تطورات في العالم وفي محيطه المباشر ـ على وفرة ما لديه من أرصدة قوة مالية وطاقة بشرية ـ ما عاد يملك أن يجترح سياسة دفاعية بالمعنى الشامل لا العسكري فحسب للحد من الآثار السلبية الناجمة عن اندفاعة سياسات خارجية إلى قلبه ومساسها بأمنه ومصالح شعوبه.

ويشير التقرير إلى أن قضية فلسطين استمرت أم القضايا في الوعي السياسي العربي منذ عقود ولم يتراجع الاهتمام بها حتى حينما كانت تطفوا على السطح قضايا متفجرة جديدة في المنطقة مثل الحرب العراقية الإيرانية وغزو العراق وغزو افغانستان وانفجار الأزمة اللبنانية.

وعلى هذا النحو يغوص الملف المتعلق بالحصاد الفكري في العديد من القضايا التي يرصد تطوراتها بكل دقة كما يعرض للعديد من القضايا المستجدة التي فرضت حضورها على الواقع العربي وأصبحت تشغل حيزا كبيرا من اهتمامه وهو ما يجعل من الملف إضافة متميزة يمكن أن تمثل للقارئ بانوراما شاملة على جانب هام من جوانب حياتنا الفكرية والثقافية خلال الفترة التي يرصدها التقرير.

ملامح المشهد الروائي العربي

الرواية اليوم تغري الكتاب جميعا أيا تكن أعمارهم وأجيالهم فهي قادرة أكثر من أي نوع أدبي آخر على استيعاب الأزمات التي تشهدها المجتمعات العربية وعلى مواجهة الأسئلة المطروحة بإلحاح على الإنسان والجماعة وكما كان لافتا تحول بعض الشعراء إلى الكتابة الروائية وقد بات بعضهم يسمى روائيا بعدما رسخ تجربته السردية. وقد شهد العام 2008 صدور خمس روايات عربية تدور حول عالم السجون للسوريين مصطفى خليقة ومحمد أبو معتوق وللمصريين محمد البساطي ورضوى عاشور وللبنانية الفرنسية جويل جيابزي.

هيئة التقرير

يترأس الأمير خالد الفيصل مؤسسة الفكر العربي التي قامت على إصدار التقرير والذي شارك في الإشراف عليه وإعداده نخبة متميزة في البحث والفكر العربي، حيث تتضمن هيئة التقرير أسماء أعلام عربية في هذا المجال فمنسق التقرير هو سليمان عبد المنعم أمين عام مؤسسة الفكر العربي.

فيما ضمت لجنته الاستشارية إلياس سحاب كاتب لبناني، جواد الأسدي مسرحي عراقي، محمد سلماوي أمين عام اتحاد الكتاب العرب. أما الباحثون الرئيسيون فمنهم جمال غيطاس خبير معلوماتية ورئيس تحرير مجلة لغة العصر في مصر ونبيل علي خبير استراتيجيات الحاسب الآلي وعبد الإله بلقزيز مفكر أكاديمي من المغرب.

مصطفى عبد الرازق