يمثل التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية إضافة متميزة للحياة الثقافية العربية كانت تفتقدها حيث يغطي في إطار منهجي بالرصد والتحليل العديد من القضايا بالغة الحيوية على هذا الصعيد.

وتتأكد حيوية التقرير وما يقدمه في ضوء ما أشار إليه الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي من أن التقرير بما تضمنه من ملفات ومحاور يؤكد الصلة الوثيقة بين الثقافة وبين التنمية الإنسانية بمفهومها الشامل وأن التنمية الثقافية بتجلياتها المختلفة في التعليم والإبداع والمعلوماتية هي قوة الدفع للتنمية الإنسانية بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويحاول التقرير حسبما يشير سليمان عبد المنعم أمين عام مؤسسة الفكر العربي ومنسق التقرير على مدى خمسة ملفات أن يقدم إجابة عن عدد من التساؤلات المهمة والملحة في مجالات المعلوماتية والتعليم والإبداع. ففي مجال المعلوماتية على سبيل المثال تتعدد الأسئلة وتتمحور حول ماهية أوضاع عالمنا العربي طبقا لمؤشرات مجتمع المعلومات في ظل الإستراتيجيات الحكومية الحالية؟ وكيف تبدو هذه الأوضاع طبقا لمؤشرات البيئة الإبداعية لا سيما في مجالات البحث العلمي والتعليم وصادرات التكنولوجيا؟

وعلى صعيد التعليم فإن التقرير يكشف العديد من الجوانب البالغة الأهمية حيث يتكشف لنا أن الإنفاق الحكومي السنوي على الطالب الجامعي لا يتجاوز 800 دولار في كل من مصر والأردن وسوريا والمغرب ويصل إلى نحو 800,1 دولار في لبنان وتونس ويبلغ 8000 دولار في السعودية لكنه يصل في إسرائيل وفرنسا إلى أكثر من عشرة آلاف دولار وفي الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ 22 ألف دولار.

أما على صعيد الملف الإبداعي فإن التقرير يحاول أن يحدد ملامح وهموم الرواية العربية عموما خلال عام 2008؟ وما هي أهم الروايات العربية الصادرة التي تميز بها العام المنصرم؟ وكان الملف الأدبي في التقرير ساحة للتساؤل حول ما اتسمت به الكثير من الروايات العربية من محاولة استعادة الماضي في المكان والزمان وتحولات الواقع العربي وتناقضاته، وكيف تواجه هذه الرواية سؤالها القديم الحديث حول العلاقة بين الشرق والغرب؟

كما أثار التقرير في الملف الخاص بالإبداع السينمائي والدرامي العديد من التساؤلات حول المهرجانات السينمائية العربية لا سيما مفارقة التمويل السخي لبعض المهرجانات السينمائية من دون اهتمام مقابل بتمويل حركة إنتاجية أو دعم المبدعين في بعض البلدان.

كما يتمخض عن رصد حركة الإنتاج العربي في السينما والدراما والعديد من التساؤلات سواء على صعيد توزيع حصص المشاهدة أم على صعيد توزيع الأنواع السينمائية مثل غلبة السينما الهزلية في العام 2008 على السينما الاجتماعية.

وينتقل التقرير في منهجيته هذا العام من منهجية المسح الأفقي التي اتسم بها العام الماضي إلى منهجية التعمق الرأسي لبعض القضايا والظواهر هذا العام، وذلك انطلاقا من أنه إذا كانت منهجية المسح الأفقي ملائمة ومطلوبة في التقرير الأول سواء في التعليم أم الإعلام أم حركة التأليف والنشر.

حيث كان لا بد من التأسيس للتقرير بدراسة عدد من قضايا البنية التحتية لمقومات التنمية الثقافية في العالم العربي. وإزاء انتهاء هذه المرحلة كانت رؤية القائمين على التقرير بالانتقال إلى مرحلة التعمق وهو ما استدعى تناول قضية مثل قضية التمويل والاستقلالية في ملف مثل التعليم والتي تمثل ضمانة أثبتت التجارب التعليمية الناجحة في العالم أهميتها وجدواها.

كما جرى في ملف الإعلام كذلك اختيار قضية الخطاب الثقافي في وسائل الإعلام لتكون موضوع ملف العدد الثاني من التقرير. وفي إطار الخروج عن مألوف التقارير الأخرى والوقوع أسر قالب معين وتطويرا للجهد الذي يقدمه بما يجعل من التقرير مرجعا أساسيا لا غني عنه في مجاله كان اتجاه القائمين على التقرير إلى تغيير قضايا الملفات الأساسية.

ومن ذلك أن ملف حركة التأليف والنشر الذي تضمنه التقرير الأول حل محله هذا العام ملف المعلوماتية كرافعة للتنمية الثقافية وكان ملف العام الماضي قد تقصى إصدارات العرب سنويا من الكتب سواء على المستوى القومي أم القطري وما ارتبط بهذه المسألة من قضايا وأثار حالة من الجدل الصحي في العالم العربي، باعتبار أنه ربما يتطلب الأمر الانتظار عاما أو عامين للعودة من جديد إلى تتبع هذه الحركة في تجلياتها واشكالياتها الأخرى.

الترجمة وحيويتها

يؤكد التقرير أن الترجمة في بلادنا العربية ستظل بابا غير مشرع على الثقافة الإنسانية إن ظلت تختل الثقافة هذه إلى ما هو منشور باللغتين الإنجليزية والفرنسية ولا يشفع للترجمة في هذه الحال أن يترجم بعض قليل ـ ورمزي ـ من النصوص من لغات أخرى، غير تينك اللغتين الطاغيتين ولا أن تترجم نصوص هذه اللغات العالمية الكبرى (الصينية، الألمانية، الأسبانية، الهندية، البرتغالية) بتوسط اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

أرقام المعلوماتية

تضمن التقرير في ملف المعلوماتية من الأرقام والمعلومات ما يثير التفاؤل أحيانا ويستثير القلق أحيانا أخرى، فوفقا للتقرير فإن دول مجلس التعاون الخليجي مع تونس قطعت ـ وفقا لما تثبته الأرقام الموثقة شوطا بعيدا على طريق تكريس مجتمع المعلومات حيث احتل أحد هذه الدول المراكز العشر الأولى عالميا في أحد عشر مؤشرا من مؤشرات تقنية المعلومات، فيما أنه في المقابل لم يدخل سوى موقع عربي واحد فقط قائمة المواقع الألف الأولى الأكثر ارتيادا على شبكة الإنترنت.

الكتاب: التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية

تأليف: مجموعة كتّاب

الناشر: مؤسسة الفكر العربي ـ بيروت 2010

الصفحات: 10258 صفحة

القطع: المتوسط