ينطلق الباحث عبده مختار موسى في كتابه «مسألة الجنوب ومهددات الوحدة في السودان» من دراسته لأسباب المشكلة السودانية التي تهدد وحدته من رؤية مختلفة تركز على دور البعد الاجتماعي والثقافي أولا وغياب الاندماج على هذا المستوى في إنتاجها واستمرارها في حين تأتي العوامل السياسية والاقتصادية تاليا على الرغم من تركيز أغلب الدراسات الأخرى لمشكلة جنوب السودان على هذين العاملين في تفسير أسبابها وبالتالي في تأمين الحلول المناسبة لها.

ويرى المؤلف أن تلك المشكلة تفاقمت من خلال عوامل أخرى في مقدمتها عجز النخب السودانية عن تحقيق الانسجام بين مكونات المجتمع السوداني. ويؤكد المؤلف بأن المشكلة تتجاوز موضوع الموارد المالية والتهميش السياسي إلى تباين ثقافي واختلاف عرقي وصراع هويات ما يجعله يتخذ من القراءة السوسيولوجية مدخلا للمعالجة العلمية لتلك المشكلة. وينطلق المؤلف في استقراء تلك الحالة من مجموعة فرضيات يأتي في مقدمتها التأكيد على اختلاف كل من الشمال والجنوب في كل العناصر الضرورية لتشكيل القومية الواحدة من لغة ودين وثقافة، مبينا أن الاستعمار لم يكن سببا أساسيا في مشكلة الجنوب رغم دوره في تعميقها بسياسته القائمة على عزل الجنوب عن الشمال، كما أن الدين لم يكن المحرك الأساس للمشكلة وإن كان تسييس الدين قد زاد من تعقيدها؛ و أن الصراع في حقيقته هو صراع هويات وبالتالي فإن اتفاقية السلام التي ركزت على البعدين السياسي والاقتصادي قد أوقفت الحرب لكنها لم تحقق وحدة دائمة.

ويبحث المؤلف في قضية صراع الهويات التي يقسمها إلى نوعين هما الهويات الصغرى والهويات الكبرى مثل الهوية في الشمال والجنوب بينما يوجد داخل الهوية في الشمال هويات صغرى تتعايش سياسيا وتتفاعل اجتماعيا وتتواصل ثقافيا وينطبق الأمر على الهوية الكبرى في الجنوب التي قوامها الزنوجة والمسيحية مع وجود بعد نفسي وعاطفي للهوية الجنوبية مقابل الهوية في الشمال.

ولذلك يعمد إلى دراسة الهويات الصغرى في الشمال انطلاقا من رؤيته التي تقول ان الصراع في عمقه هو صراع هويات صغرى ومتوسطة وكبرى على الرغم من أهمية العامل الاقتصادي فيه.

وبعد هذا التحليل لجوهر الصراع ينتقل إلى دراسة العوامل التي تشكل تهديدا لوحدة السودان من خلال رصد استقرائي لأحداث ومقولات وموقف تكشف عن الصورة الذهنية التي يحملها الجنوبي عن الشمالي والشمالي عن الجنوبي والتي تدلل على غياب الاندماج الاجتماعي والتفاعل الثقافي فيما بين الشمال والجنوب اللذين يشكلان أكبر تهديد للوحدة السودانية .

ويعزز الباحث أطروحته بدراستين حول النازحين الجنوبيين في الشمال وموقفهم من الوحدة والانفصال وحول الأحداث التي أعقبت وفاة جونغ قارنق زعيم الحركة الشعبية في الجنوب. ومن مظاهر عدم الاندماج الاجتماعي هناك عدم الزواج بين الشمال والجنوب إلا في حالات قليلة جدا. كما ينظر الجنوبيون إلى مسألة التعريب على أنها وسيلة لإقصائهم وحرمانهم خاصة وأن هناك أزمة عدم ثقة بين الطرفين امتدت إلى ما بعد توقيع اتفاقية السلام.

يتناول عبده مختار موسى اتفاقية السلام التي وقعت بين الحكومة المركزية في الشمال والحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب عام 2005 فيدرس أولا الخلفيات المحلية والدولية التي دفعت باتجاه إنهاء الحرب من خلال المفاوضات التي امتدت سنوات طويلة ثم يتناول الدور الأميركي في عملية السلام وتاريخ العلاقة بين حكومة الإنقاذ والولايات المتحدة الأميركية التي وضعت حكومة السودان على لائحة الإرهاب ثم عادت ودعمت مفاوضات السلام تأكيدا للاهتمام الأميركي بالسودان عموما وبمستقبل الجنوب خصوصا ويقدم الباحث عرضا للاتفاقيات والبروتوكولات التي وقعت بين الطرفين وللملامح العامة لاتفاقية السلام سواء على صعيد العلاقة بين الدين والدولة ومراعاة القوانين للتنوع الديني حقوق المواطنة أو الترتيبات الأمنية واقتسام الثروة وموارد النفط واقتسام السلطة

مسألة الهوية

يجد عبده مختار موسى أن توصيف السودان بأنه دولة إفريقية عربية أو مسلمة كان غير مقبول عند سكان الجنوب الذين رأوا أن هذا الكلام ينطبق على الشمال وليس عليهم، في حين أن الشمال ليس كله مسلما أو عربيا إذ توجد في بعض المناطق قبائل زنجية مسيحية إضافة إلى الوثنيين، كما توجد قبائل اعتنقت الإسلام لكنها ليست عربية مثل النوبيين والفور، ما جعل مسألة الهوية في السودان بالغة التعقيد سيما بعد تسييس العامل الديني.

ورغم الظروف والهجرات والحراك الاجتماعي ظل التفاعل بين الإثنيات في الشمال قائما لكون اللغة العربية هي الجامعة والثقافة الإسلامية هي الرابطة فيما بينها.

المؤلف في سطور

د.عبده مختار موسى باحث وأكاديمي سوداني مهتم بالدراسات السودانية له العديد من الأبحاث المنشورة والمؤلفات التي صدرت في هذا الشأن.

الكتاب: مسألة الجنوب ومهددات الوحدة في السودان

تأليف : د. عبده مختار موسى

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2009

الصفحات: 318 صفحة

القطع: الكبير

مفيد نجم