يناقش إحسان طالب في كتابه «التشدد الديني والإسلام السياسي» إشكالاً تاريخياً أفرزته علاقة الإسلام بالسياسة والدين في الحكم من خلال محددات وتعريفات لمفاهيم وحقائق (خدمتها) المفكرين والباحثين عبر قرون طويلة، تجاذبتها المذاهب والمدارس الفقهية والسياسية ضمن مقاربات تبنت مناهج متعارضة وربما متناقضة أورثت اشتباكا محتدما في مسائل المرجعية والهيمنة. ويقوم المؤلف باستقراء الحدث والأفكار المسببة والمحركة له وتحليل العلاقة الجدلية بينهما كقاعدة انطلاق نحو الحقائق القابلة لمزيد من التمحيص والنقد.

ويرى طالب بان السيرورة التاريخية الإسلامية لم تعرف صراعا حادا بين مؤسسة المسجد وعامة الناس مما ساهم في قبول الدعوات الإحيائية للمطروحات القديمة بل ومدها بالحماسة والإرادة الفاعلة. بيد ان الطرح الجديد للنظريات السياسية الإسلامية الحديثة والمعاصرة الساعية (لأسلمة) النظم والقوانين البشرية الناظمة لحياة المجتمعات والأفراد في رهاننا وعصرنا الحديث مبالغة،ليست بمكانها وفي محاولة مفتعلة غير أصلية ينسّب الفضل لغير صاحبه وتدّعي السبق والأفضلية في سبيل الوهم والتعدي. يقول طالب إذا كانت كلمة الأصولية المقابلة لكلمة الراديكالية تعني لغوياً: «الأصولية» التي جذرها كلمة«أصل» ترجمة حرفية «للراديكالية» التي جذرها «راديكالي وعلى هذا فالراديكالية ـ كالأصولية تعني العودة إلى الأصول والتمسك بها والتصرف أو التكلم وفقها.

فالأصولية إذن(حسب المؤلف) ليست الحل بل هي المعوق للتنمية والتطور بدءاً من محاصرتها للمرأة التي تشكل نصف القوة البشرية التنموية وعبر تنقيبها واختصار مهمتها في الحياة بإرضاء الزوج وإشباع رغباته ومرورا بحجرها على الفكر والحرية ووصولاً إلى تشجيعها لثقافة الموت وقتل الآخر والانتحار بدعوى الاستشهاد. وينبش إحسان طالب مدى التشدد الديني وظهوره من خلال نماذج ونتائج الانتخابات في العالم العربي. ويقول المؤلف بان الانتخابات النيابية المصرية أفرزت بروزاً شديد الوضوح للتيار الديني الزاعمة للإسلام السياسي بحصوله على 88 مقعد من أصل 428 ما يعكس بدون شك تحولاً حاداً في مزاج الناخب المصري أفصح عنه سقوط العديد من رموز التيار الليبرالي واليساري كرفعت سعيد وأيمن نور وخالد محي الدين.

ولم تكن الانتخابات العراقية الأخيرة مختلفة حيث اكتسحت نخب التيار الديني اللوائح والقوائم وأكدت رسوخ قدمها بعد انتخابات تعد أكثر ديمقراطية مما جرى في مصر. وأيضا فوز حماس بالأغلبية النيابية بالانتخابات التشريعية التي جرت في الأراضي الفلسطينية في كانون الأول/يناير 2006.

ان هذا الواقع المؤكد لسيطرة كبيرة للتيارات الدينية على المجتمعات العربية وأمزجة الناخبين فيه من فاس وحتى البصرة » يجبرنا على النظر إلى ظاهرة تبني الشارع العربي بغالبيته للإسلام السياسي،على أنها حقيقة واقعية ينبغي التعامل معها بطريقة ديمقراطية والبحث العلمي في نتائجها والأسباب التي أدت إلى خضوع غالبية الناخبين لإغراءات الشعارات الفضفاضة والشاملة التي طرحها الإسلام السياسي (الإسلام هو الحل) ولاقت رواجا منقطع النظير في الشارع العربي عموما وكان أحد أهم دعائمها تفشي صور التشدد الديني في الأجواء الثقافية والاجتماعية والسياسية العربية.يقول المؤلف.

ولم ينس إحسان طالب التذكير أنه منذ عقد من الزمن انتهجت السلطات العربية سياسة تخويف الغرب بالتيار الديني وألبست صراعها مع إسرائيل والغرب ثوب الإسلام فأصبحت المقاومة الإسلامية والجهاد أكبر عناصر الصراع جاذبية واهتماما ودموية. ودأبت السلطات الشمولية على نشر الفكر التطرف والتعصب وإقصاء الآخر بين الشباب والشابات والنساء والرجال وشجعت مظاهر ذلك التطرف والتزمت في كل وسائل الإعلام وذلك لدفع المنظرين والمخططين والسياسيين في أوربة وأميركا للاعتقاد بأن البديل عن أنظمتها هو أنظمة متشددة ومتطرفة. ولهذا فان المكاسب التي تحظى بها الأنظمة الاستبدادية من تحالفها مع التيار الديني المتشدد أكبر بكثير من المخاطر المحتملة بوصولها إلى السلطة .

فاروق حجي مصطفى

المناورة والتكتيك

يعرف إحسان طالب التشدد بأن المستوى من الالتزام العميق بالأيديولوجيات يظل محافظاً على مرونة محددة تمنحه هامشاً برغماتياً يسمح له بالمناورة والتكتيك، في حين التطرف شكل متطور من التشدد. والتطرف هو أنشطة لمعتقدات واتجاهات ومشاعر وأفعال واستراتيجيات يتبناها شخص أو جامعة تبعده عن الأوضاع السائدة بين الناس وهي في مواقف الصراع تعلن عن نفسها باعتبارها شكلاً عنيفاً من أشكال الانغماس في الصراع.

المؤلف في سطور

إحسان طالب،كاتب وباحث وأديب سوري تجاوز العقد الخامس من عمره. ولد وترعرع في أحياء دمشق القديمة/سوريا،وتربى ضمن عائلة متعددة المشارب والمذاهب الثقافية والفكرية. لم يكمل كلية الحقوق الذي كان طالبا فيها والتحق بأخيه في دولة قطر واشتغل تحت إدارته في مجلة «ديارنا والعالم» وكتب حلقات حول نظرية الاقتصاد الإسلامي نشرت في المجلة،كما نشر بعض الدراسات الفكرية في مجلة «الأمة» القطرية. ويستمر في الكتابة والتأليف والبحث ولديه ما عدا «التشدد الديني والإسلام السياسي» كتاب بعنوان «العدل والنساء: إشكالية النص» وديوان شعري. إضافة إلى ذلك نشر له مئات الأبحاث والدراسات الكترونيا في المجلات والصحف العربية. كما انه بصدد انجاز كتاب عن «الليبرالية العربية».

الكتاب: التشدد الديني

والإسلام السياسي

تأليف: إحسان طالب

الناشر: دارالرأي

دمشق 2009

الصفحات: 81 صفحة

القطع: متوسط