رأى فوكنر النور في نيو ألباني بولاية مسيسيبي، وقضى معظم حياته في أكسفورد، بالولاية نفسها. تزوج إستيللا أولدهام لتي كان يعرفها منذ الطفولة في عام 1929. وعمل كاتبا سينمائيا لسنوات في هوليوود من عام 1932 لغاية عام 1945.

مع بداية القرن العشرين بدأ الأدب الأميركي يحتل مكانة رفيعة بين الآداب العالمية، وذلك على يد كوكبة لامعة من الأدباء الكبار، ومنهم الروائي الشهير وليم فوكنر الذي أسهم إسهاما بارزاً في تطور الرواية الأميركية، وأسس لتيار جديد في الرواية العالمية. كانت عائلته فقيرة للغاية مما أدى بالطفل إلى التشرد والتنقل طويلاً وعدم الانتظام في الدراسة والعمل في مهن شاقة. وفي تلك المرحلة بدأ الفتى يكثر من المطالعة. وكان جد فوكنر أسس مصرفاً متواضعاً، فجاء بحفيده ليعمل عنده. وهناك تعرف الحفيد على محام شاب يدعى فيليب ستون، متابع للحركة الأدبية وتياراتها. ويعتبر فوكنر واحداً من أكثر الكتّاب تأثيراً في القرن العشرين، حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1949. كما نال جائزة بوليتزر في عام 1955 عن حكاية خرافية، وفي عام 1963 جائزة الريفرز.

لقد وجد فوكنر أخيرا موضوعه الأدبي الكبير الذي سيعالجه في سلسلة من الروايات: انه مأساة الجنوب الأميركي وانهيار القيم الأخلاقية والإنسانية فيه تحت وطأة غزو الشمال الأميركي. واختار لرواياته اللاحقة مكاناً ثابتاً تجري فيه الأحداث، وسماه «يوكنا باتوفيا» وقد وجد النقاد في هذا الموقع الجغرافي رمزاً للمنطقة التي ولد فيها فوكنر في الجنوب.

ومن نتائج تلك المرحلة الفريدة في حياة الكاتب، أن صدرت له خمس روايات اعتبرت الأهم والأبرز في حياته، وهي على التوالي «سارتوريس» ـ 1929، «الصخب والعنف» ـ 1929، «بينما أرقد محتضرة» ـ 1930، و«محراب» ـ 1931 و«نور في آب» ـ 1932.

كان فوكنر قد أعطى عنوان روايته «البيت المظلم». وفي ذات يوم، كان جالساً في الشرفة، سمع زوجته تقول «ضوء النور قوي في شهر آب»، فأسرع من كرسيه مسرعاً إلى مخطوطته، واستبدل العنوان القديم بعنوان جديد هو «نور في آب». وقد تم اختيار هذه الرواية من بين أفضل رواية مكتوبة بالغة الانجليزية ما بين عامي 1932 و 205.

فهي كلها تصور مأساة الجنوب الأميركي، وذلك ما سيكون موضوع روايته الجديدة «نور في آب»، وفيها يعلن السقوط الأخلاقي للرجل الأبيض بسبب عجزه عن معاملة الزنوج معاملة إنسانية، وخاصة ما يظهره من العنف الجنسي، حيث يتم إخصاء «جو كريسماس» البطل الزنجي في الرواية، لأنه قتل امرأة بيضاء عجوز لإنهاء علاقته المشينة معها. ويفجّر فوكنر في هذه الرواية كل تناقضات المجتمع الأميركي.

تروي لينا غروف، امرأة شابة قصتها في إيجاد أب لطفلها لوكاس بيرش، فتترك مدينتها وتقطع مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام من أجل الوصول إلى مدينة جيرفرسون، وهي مدينة متخيلة. وهناك يقدم لها بايرون بانش العون ويقع في حبها ويتأمل الزواج منها. ولكن هذا السرد ينتقل من شخصية إلى أخرى، بين قصص جو كريسمس، وكيل هايتور، ولينا كروف.

وكل شخصية من هذه الشخصيات تعطي نظرة خاصة للأحداث من وجهة نظرها. وكانت هذه التقنية في حينها متقدمة في الرواية الأميركية وليس بالضرورة تجد غالبية القراء يفهمونها ويقدرونها مما أدى إلى هجوم مجموعة من النقاد بحجة أن هذه الرواية لا تمتلك وحدة سردية كما في الرواية التقليدية، بل تتركب من ثلاث قوى سردية منفصلة، قصص جو كريسمس، كيل هايتور، ولينا كروف.

ولكن فوكنر لم يكن يريد أن يكتب رواية تقليدية بل رواية تقلب الموازين في صالح الحداثة في الرواية.

وتطرح الرواية السؤال: هل إن سرد لينا كروف وبايرن ينج لا يمت بصلة لقصة جو كريسمس؟

إن هذه الروابط تهيئ المفاتيح لعلاقة بين جو ولينا. فلقد أخذت لينا مكان جو ونظرت في المرآة نفسها لأنها انعكاس للعقل الباطن المكبوت. إن لينا كروف المرأة الحامل، ومن ثم الأم المرضعة، ما هي إلا صورة للاندماج، ففيها يختلط الذكر بالأنثى لأنها تحمل في رحمها مولودا ذكراً.

وبعد أن أنجبت ذلك الطفل كانت ترضعه من صدرها من دون انقطاع ويبدو انه لا يزال مرتبطا بها. تجسد لينا الأمومة. والأكثر من ذلك أنها تتخيل التهديد لحضارة سيادة الأب التي تقدمها تلك الأمومة، وهو تهديد بفقدان الاختلاف، فهي تجسد صورة ذات مسميات متنوعة، بين نظرية فرويد ويونغ وعقدة أوديب كما يرى النقاد الغربيون.

في هذه الرواية تأثر فوكنر بالأساليب الأدبية الأوروبية في الكتابة مثل تيار الوعي، الذي كان بالنسبة إليه تقنية ضرورية من أجل تفجير العوالم النفسية لشخصياته، من خلال الارتداد إلى الزمن الماضي وهو ما نطلق عليه بـ «الفلاش باك» في السينما. وكذلك تقنية الانتقال في السرد من شخصية إلى أخرى، مطعماً كل ذلك بالمونولوج الداخلي الذي يبعث أصواتاً متعددة للشخصيات.

الكتاب: نور في آب

تأليف: وليم فوكنر

الناشر: سميث أند هاس 1932

الصفحات: 512 صفحة

Light in August

William Faulkner

Publisher Smith & Haas1932

P.512

شاكر نوري

shakirnori@gmail.com