الخزف والفخار وامتداداتهما كالقاشاني والسيراميك والفسيفساء وغيرها، فنون وحرف، اكتشفها الإنسان مبكراً، نتيجة حالة استعماليّة بحتة، ثم تطوّرت وتصعّدت لتتماهى بالفنون التعبيريّة الرفيعة، لكن دون أن تتخلى عن وظيفتها الأساسيّة التي وجدت من أجلها، وهي خدمة الحياة اليوميّة للإنسان، حيث صنع منها الصحن والقدر والكأس والمزهرية وأوعية الشرب وحفظ المونة والعطور والخمور والعسل، كما استعملت في البناء وإشادة الأفران والمدافئ... .

مادة قديمة... فنون الخزف والفخار وامتداداتهما والحرف والصناعات المتفرعة عنهما، تقوم على مادة الطين الطبيعيّة المتوفرة لدى كل الشعوب والأمم، وهي مادة قديمة وضعها الإنسان في خدمته، منذ اكتشف إمكانية التشكيل فيها، حذفاً وإضافةً، والبناء عليها، كونها خامة طيعة ومرنة. وطينة الفخار والخزف تتشكل من مادة غروية لدنة تنشأ عن تفكك وانحلال أنواع معينة من الصخور الطبيعيّة المشكلة للقشرة الأرضيّة الحاوية على (الفلسبار) منها صخور البازلت والغرانيت وغيرها، وذلك بعد أن تتحلل في ظروف من الضغط الشديد، ودرجات الحرارة العالية تحت الأرض.

الفخّار والخزف... يتكون الفخار من تراب تدخل في تكوينه السيليكا والألمينيوم، يُعجن بالماء ليصبح مرناً وسهل التشكيل. وهو ترابٌ متوفر في كافة الأماكن والبلدان، لا سيما بالقرب من الأنهار، ومن أجل تمتين التشكيلات الطينية، وزيادة قوتها ومقاومتها، يُضاف إليها أنواع خاصة من الرمل، وملح الطعام.

علاقة قديمة... والحقيقة تربط الإنسان علاقة موغلة في القدم، مع الطين وأشكاله وأنواعه واستخداماته، إذ تُشير الدراسات والأبحاث، إلى اكتشاف الإنسان لهذه الخامة في العصر الحجري المتأخر، حيث شكّل منه أوانٍ لحفظ حاجياته اليوميّة، وبطريقة التشكيل المباشر باليدين، ثم بوساطة الدولاب فيما بعد. وكما تطورت وسائل تشكيل الطين، تطورت أيضاً استخداماته وأغراضه، لا سيما عندما اكتشف الإنسان تصلب هذه الأشكال عندما تنشف، ثم اكتشف تقنية شيها للحصول عليها بشكلٍ أكثر صلابة وقوة وديمومة، ثم اكتشف عملية تزجيجها، أي تحويلها من مرحلة الفخار أو البسكويت، إلى خزف وسيراميك. ثم طوّر في الأشكال والحاجيات المصنوعة من الطين أو الصلصال، وأضاف إليها الزخارف والرسوم والتزيينات، بهدف تجميلها لتقع موقعاً حسناً في عينه، لا سيما بعد أن دخلت مرافق حياته اليوميّة كافة

تور وتنوع

في البداية، استخدم الإنسان الطين لصنع أوعية وأوانٍ لحفظ الحبوب والزيوت وأحشاء الموتى والمصابيح الزيتيّة، ولكي تؤدي هذه الأشياء، بشكل صحيح وسليم دورها في حفظ المادة، قام بطلائها بطبقة رقيقة قادرة على فصل هذه المادة الحاضنة لها عن السطح الفخاري القابل للامتصاص، نتيجة وجود مسامات راشحة فيه، بغية حفظها أطول مدة ممكنة.

تنوعت واختلفت الطينات وألوانها وطرائق تشكيلها من عصر لآخر. ففي العصر الهيلينستي، تعددت ألوانها وأساليب معالجة سطوحها، والزخارف المستخدمة في تزويقها وتجميلها، إذ ظهرت الزخارف البارزة والغائرة. وفي العصر الروماني، ظهرت الأقنعة، وفي العصر البيزنطي، راجت وبشكل واضح، صناعة الخزف، أي الفخار المطلي بطبقة من أكسيد (السيليكا) التي تمنح سطوحه طبقة زجاجيّة شفافة أو شبه شفافة، تزيد من قساوتها، وتجعلها غير قابلة للتفاعل مع المواد التي تحتضنها. الفخار هو الطينة المشوية الخالية من التزجيج، فإذا ما أضيف إليها هذا الأخير، تحول إلى (الخزف) الذي يحتاج إلى عملية تلوين وتزجيج وحرق للمرة الثانية.

فالفخار يتشكل عند تعريض الطينة إلى درجات حراريّة معينة، تُدخلها في سلسلة من التبدلات والتغيرات الكيميائية أثناء عملية الحرق، تؤدي إلى تصلبها وتغير خواصها الفيزيائية، مما يجعلها قاسية وصلبة غير قابلة للكسر أو إعادة التشكيل، كما أنها لا تتأثر بالماء. أما الخزف فهو فخار حُرق مرة ثانية بعد طلائه بمادة زجاجية تزيد من قساوته ومقاومته، وتجعله قابلاً لاحتضان سوائل أخرى غير الماء، كالمواد الكيمائية والخمور أو الكحول بشكل عام والعطور والزيوت، ذلك لأن طبقة الزجاج التي فصلت بين الفخار والسائل، لا تسمح بتفاعل هذه المواد مع الطينة الفخارية التي تبقى قابلة، رغم قساوتها، للتفاعل مع السوائل وامتصاصها نتيجة وجود مساحات مفتوحة فيها، وهذا ما نراه في الجرار والقلل التي تستخدم لجلب الماء أو حفظه وتنقيته من الشوائب، حيث نلاحظ كيف يرشح الماء من أسفل الجرة أو القلة، كما نلاحظ تشبعها بالماء إذا لم تكن مصقولة.

صُنع ويُصنع من الفخار، أوعية وأوانٍ مختلفة منها: الجرة (الخابية) والتنور، والأدوات المتعددة الاستخدام، وأصص الزهور والورود، والكؤوس، والصحون، وسواقي المياه، والأباريق والفناجين والمزهريات... وغيرها.

بالتدريج تطورت هذه الفنون والصناعات والحِرف المصنوعة من الطين المشوي (الفخار) أو من الخزف والسيراميك، لتشمل أسطحة المنازل وجدرانها وأرضياتها، واللوحات الخزفيّة والفسيفسائيّة، وأرضيات المسابح، ومستلزمات الحمامات والمغاسل، والبحيرات التزينيية، وبعض أنواع الحلي والزينة، وصناعة الأسنان، والأفران، كما دخل الخزف في عدد كبير من الصناعات والآلات الحديثة المتطورة المستخدمة في مجالات حياتيّة مختلفة وعديدة.

هذه الحاجات الاستعماليّة التي صنعها الإنسان لتخدمه في حياته اليوميّة، سرعان ما طاولها التزيين والتزويق عندما تناولها الفن بالتحسين والتطوير، فزخرفها وغيّر في أشكالها وحجمها، كما أناط بها وظائف جديدة لم تكن معروفة من قبل، فأدخلها في إشادة الأبنية وتجميلها، من ذلك القرميد الذي استخدمه في بناء الجدران والأفران والأسطح، كما استخدم القاشاني والفسيفساء المصنوعة من الخزف والسيراميك والبورسلان في إكساء الجدران الداخلية والخارجية وتزيين الباحات والبحيرات والأرضيات. كما دخل الفخار والخزف في العديد من الصناعات والحرف كالحلي وصناعة الأسنان والمحابر وأرضيات المسابح واللوحات الجدارية والساعات وأشياء أخرى كثيرة، من الصعب الإحاطة بها أو حصرها.

وفي خطوة جديدة، أصبح الخزف من الخامات الجديدة للنحات، حيث بدأنا نشاهد تشكيلات فراغية مجسمة وتماثيل مصنوعة ومنفذة من هذه الخامة، وهو ما يُدعى (بالخزف الفني) الذي اقتصر في البداية على أعمال صغيرة صالونية، ثم تحول إلى أعمالٍ كبيرة، خرجت إلى الشارع والحديقة والساحة، لتقف جنباً إلى جنب، مع خامات ومواد النحت المعروفة كالرخام والحجر والبرونز والإسمنت والبوليستر، رغم أن الخزف أقل مقاومة من هذه المواد، لكنه أقدر على احتضان الجمال وتلوين حياتنا به!

الخزف الإسلامي

في العصر الإسلامي، ازداد الاهتمام بالفخار والخزف، وتنوعت استخداماته لتشمل الحاجات اليوميّة، والعمارة، والتحف والتشكيلات والمشغولات التزينيية، وقد استفاد الخزاف العربي والمسلم، من الفنون التي سبقته في هذا المجال، لكنه منحها وحدة خاصة مردها وحدة العقيدة الجديدة، التي أصبحت لا تدل إلا عليه، وهذه الخصيصة جاءت من قيام الفنان المسلم بهضم التأثيرات التي جاءته من حضارات العصور السابقة، وإعادتها بروح عربيّة إسلاميّة، إن لناحية الصيغة الشكليّة التي صاغها بها، أو لناحية المضمون والوظيفة المناطة بها.

لم يقتصر استخدم الفخار والخزف، على الحاجات الاستعماليّة والتزينيية بل تعداه فيما بعد إلى إبداع تشكيلات فراغيّة رفيعة كقيمة فنيّة جماليّة وتعبيريّة، تضاهي المنجز النحتي، وتتفوق عليه أحياناً.

فقد بدأنا نشاهد في صالات العرض والمتاحف والحدائق والساحات، أعمالاً فنيّة منفذة من الفخار والخزف، تتناول موضوعات النحت، وتؤدي أغراضه ووظائفه الفنيّة والتعبيريّة.

كما أن لوحات جداريّة كبيرة وكثيرة، تنفذ هذه الأيام من الخزف الملون، سواء على شكل مساحات شطرنجيّة واسعة، أو بأسلوب وتقنية الفسيفساء، أي بوساطة مربعات خزفيّة صغيرة، يشكل بها الفنان، بطريقة رصفها إلى جانب بعضها البعض، لوحة فنيّة تزيينية كبيرة، قد تكون فوق جدار، أو في أرضية، أو على عمود.

لكن السمة العملية الاستخداميّة، ظلت هي المسيطرة والسائدة، في فنون وحرف ومشغولات الفخار والخزف، حيث لا زالت هذه الخامة هي الوسيلة الرئيسة لصناعة الصحون والأباريق والفناجين والكؤوس والمزهريات والأواني التي يمكن إدراجها، في نوعين: النوع الأول، بسيط، خالٍ من الزخارف والتوريقات والرسوم التزينيية، والنوع الثاني، تحمل سطوحه حشداً كبيراً من المحسنات الجمالية المنفذة بشكل نافر أو غائر، أو على السطح، على هيئة زخارف بسيطة، وبعضها الآخر يأتي على هيئة مشخصات حيوانيّة أو إنسانيّة أو نباتيّة، لكن دون أن تؤثر هذه التشكيلات المبتكرة على الوظيفة التي وجد من أجلها هذا الشيء، وهو احتضان السوائل والمشروبات المختلفة، كالقهوة، والشاي، والحليب، والكاكاو... وغيره.

الخزف الإسلامي

اعتمدت الفنون الإسلاميّة على الفخار والخزف، فأدخلته إلى الحياة اليوميّة، والعمارة، والتحف، والتشكيلات والمشغولات التزيينيّة، كما استفادت من الفنون التي سبقتها في هذا المجال، لكنها منحتها خواصها ووحدتها.

الفخار والخزف

ينتج الفخار من عملية شي الطينة الأولى ويدعى (البسكويت) أما الخزف فهو فخار حُرق مرة ثانية بعد طلائه بمادة زجاجيّة تزيد من قساوته وتجعله قابلاً لاحتضان مواد كحوليّة.

د. محمود شاهين